ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح .. بعضها يبدأ بصورة وينتهي بتغيير وعي أمة كاملة.
فالأوطان لا تُنتزع فقط من حدودها الجغرافية، بل قد تُنتزع تدريجيا ً من ذاكرتها، ومن صورتها في عقول أبنائها، ومن علاقتهم النفسية بتاريخهم ورموزهم وحضارتهم.
ومن هنا؛ يصبح السؤال مشروعاً:
هل ما نشهده مؤخرا ً مجرد “حرية إبداع”؟
أم أننا أمام موجات متتالية من العبث الناعم بالهوية المصرية تحت لافتات الفن والدراما وإعادة القراءة؟
حين نتحدث عن الحضارة المصرية القديمة؛ فنحن لا نتحدث عن تاريخ محلي عابر، بل عن واحدة من أعظم الظواهر الحضارية في تاريخ الإنسانية كلها .. حضارة ما زال العالم حتى اللحظة عاجزا ً عن فك كثير من أسرارها:
في الهندسة، والفلك، والطب، والطاقة، والعمارة، والتنظيم الإداري، وعلاقة الإنسان بالكون.
حضارة أبهرت العالم كله… ثم خرج علينا من يحاول اختزالها أو إعادة تقديمها وفق سرديات دخيلة ومشبوهة، تسعى إلى فصل المصري عن جذوره، وتجريد مصر من هويتها الحضارية الأصيلة.
ولعل أخطر ما في الأمر؛ أن هذه المحاولات لم تعد تُطرح فقط عبر منصات أكاديمية هامشية أو صفحات مجهولة، بل بدأت تتسلل تدريجيا ً إلى الأعمال الفنية والسينمائية ذات الانتشار الجماهيري الواسع.
فحين يتم تقديم أعمال تلامس التاريخ والرموز المصرية الكبرى بصورة تثير الريبة، يصبح من حق المجتمع أن يتساءل:
هل نحن أمام معالجة فنية بريئة؟ أم أمام إعادة تشكيل متعمدة للصورة الذهنية؟
والمشكلة ليست في عرض “الجوانب الإنسانية” للشخصيات التاريخية؛ فكل البشر لديهم نقاط ضعف بطبيعة الحال .. لكن الكارثة تبدأ عندما يتحول العمل بالكامل إلى عملية اجتزاء وانتقاء متعمد:
تضخيم للهامشي، وتهميش للجوهري، وتقديم صورة مبتورة تقتل المعنى الحقيقي للشخصية أو الحضارة.
فعلي سبيل المثال عندما تُختزل قامة بحجم أم كلثوم في صورة إنسانة قاسية أو مدخنة شرهه أو منعزلة … مع تهميش حجمها الحضاري والفني والوطني والاستثنائي؛ فمن الطبيعي أن يشعر كثيرون أن هناك خللا ً يتجاوز الفن إلى محاولة كسر الرموز وتشويه الصورة الذهنية.
ونفس التساؤلات تُطرح اليوم حول بعض الأعمال الحديثة التي تتقاطع — بصورة مباشرة أو غير مباشرة — مع سرديات “الأفروسنتريك” التي تحاول إعادة نسب الحضارة المصرية القديمة بعيدا ً عن هويتها المصرية الأصيلة.
وهنا يجب التوقف بوضوح:
مصر دولة أفريقية جغرافياً، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد.
لكن تحويل الحضارة المصرية إلى مادة للصراع العرقي والسياسي الحديث، ومحاولة تصوير المصريين الحاليين وكأنهم غرباء عن حضارتهم؛ ليس بحثا ً علميا ً بريئا ً، بل عبث خطير بالوعي والتاريخ.
والأخطر أن يتم تمرير هذه الرسائل عبر أدوات القوة الناعمة:
فيلم هنا ومسلسل هناك، صورة ذهنية متكررة … حتى تتحول الفكرة مع الوقت إلى “حقيقة نفسية” لدى بعض الأجيال.
ومن هنا؛ فإن القضية لم تعد مجرد خلاف فني أو نقد سينمائي عابر، بل أصبحت قضية أمن ثقافي وهوية وطنية.
ولهذا؛ فإن التعامل مع هذه الملفات لا يجب أن يظل حبيس ردود الفعل الغاضبة على مواقع التواصل، بل يحتاج إلى تحرك مؤسسي حقيقي يشمل:
تشكيل لجان علمية متخصصة تضم أساتذة التاريخ والحضارة والآثار وعلم الاجتماع والإعلام، لمراجعة الأعمال التي تتناول التاريخ المصري والرموز الوطنية ذات الحساسية الحضارية.
ووضع آليات واضحة لمحاسبة أي عمل يثبت تعمده تزوير الوقائع التاريخية، أو تشويه الرموز القومية، أو تقديم سرديات مضللة تمس الهوية الوطنية المصرية.
فحرية الإبداع لا تعني حرية العبث بالوعي الجمعي للأمم.
وحرية التعبير لا تعني الحق في تشويه تاريخ شعب أو تجريده من حضارته أو إعادة تقديمه وفق أجندات فكرية مشبوهة.
إن الدول الكبرى نفسها تعتبر حماية سرديتها التاريخية جزءا ً من أمنها القومي .. فكيف يُطلب من مصر — صاحبة أقدم حضارة موثقة عرفها التاريخ — أن تقف صامتة أمام محاولات التشويه وإعادة التفسير والتفكيك النفسي لهويتها الحضارية؟
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط على الأرض … بل على الوعي .. وليست فقط على الحاضر؛ بل على ذاكرة المستقبل.
ومن لا يحمي تاريخه بنفسه سيستيقظ يوما ً ليجده يُروى لأبنائه بصوت الآخرين.
المعادلة K14 بين القاهرة باريس
بقلم أنس الوجود رضوان
تشرفت بأن أكون متحدثة في الندوة التي أقامتها مكتبة مصر العامة لمناقشة رواية "المعادلة K14 بين القاهرة وباريس " للواء حسام سلامة، بحضور السفير رضا الطايفي، مدير مكتبات مصر العامة، والكاتب أيمن الحكيم والكاتبة نسمة تليمة، في لقاء ثري جمع بين الأدب والنقد والحوار حول رواية تفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز حدود التشويق إلى قضايا العلم والطاقة والأمن والسياسة الدولية
وقدمت خلال الندوة رؤيتي النقدية للرواية، متوقفة عند أبعادها الفكرية والإنسانية، ومحاولة قراءة ما وراء الأحداث والشخصيات، فالرواية في ظاهرها تتناول إكتشافاً علمياً إستثنائياً
كما سعدت بما قدمه السفير رضا الطايفي من قراءة واعية للرواية، استطاع من خلالها أن يسرد أحداثها بسلاسة وعمق، وأن يقدمها للحاضرين من زاوية نقدية جعلت من لم يقرأ الرواية يشعر وكأنه يتعرف إلى عالمها وشخصياتها من خلال حديثه البليغ. وأكد لي هذا اللقاء، أن الدبلوماسي ليس فقط رجل سياسة ومفاوضات، وإنما هو أيضاً صاحب رؤية وثقافة، وقادر على التعبير والإبداع في الكتابة والحديث على الحوار والقراءة والتحليل والإبداع وكانت مشاركتي في هذه الندوة أيضاً مناسبة لإستعادة معرفتي باللواء حسام سلامة، الذي تشرفت بمرافقته في رحلة إلى أستراليا ونيوزيلندا ضمن الوفد القنصلي، إلى جانب نجوم برنامج "وصال " وخلال الرحلة تعرفت عن قرب إلى شخصيته، وعرفت أنه وزير مفوض، فوجدته إنساناً مفوهاً، يعرف متى يتحدث ومتى يتوقف، ويحسن اختيار كلماته، ولذلك كان محل إحترام وتقدير من أبناء الجالية المصرية فى أستراليا ونيوزيلندا
كما لمست خلال تلك الرحلة حضوره الذهني وقدرته على الإجابة عن مختلف الأسئلة بهدوء وثقة، وهو ما جعله ينجح في مهمته بجدارة.
ومن هنا أرى أن روايته "المعادلة K14 " تحمل شيئاً من خبرة رجل عاش عن قرب في أجواء متعددة، واطلع على عوالم الدبلوماسية والأمن والسياسة، فقدم عملاً يمزج بين الخيال العلمي والتشويق السياسي، ويضع القارئ أمام قضية شديدة الأهمية تتعلق بالطاقة وصراع الدول من أجل امتلاك مصادرها والبحث عن بدائل لها.
والعلم في مواجهة السياسة
أحد أهم جوانب الرواية هو وضع العلم متصلاً السياسة.
فالدكتور سليم بطل الرواية يبدأ رحلته بإعتباره باحثاً يسعى إلى تحقيق إنجاز علمي، لكن قيمة اكتشافه تدفعه إلى عالم آخر، عالم المصالح الدولية والمراقبة والإستهداف والصراع غير المعلن
وهنا تطرح الرواية سؤالاً مهماً هل يستطيع العالم أن يظل عالماً فقط عندما يصبح اكتشافه قادراً على تغيير موازين القوة؟
وتبدو الإجابة واضحة فمجرد أن تكتسب المعرفة قيمة استراتيجية، تصبح المعرفة نفسها هدفاً للصراع
العنوان "بين القاهرة وباريس " لا يشير إلى انتقال جغرافي فقط، وإنما يحمل دلالة رمزية
فالقاهرة تمثل نقطة الإنطلاق والوطن، بينما تمثل باريس مساحة الإنفتاح على الإمكانات العلمية والتكنولوجية، وفي الوقت نفسه مساحة للخطر والإكتشاف.
وبذلك يصبح الإنتقال من القاهرة إلى باريس انتقالاً من المختبر إلى ساحة المصالح الدولية، ومن الأمان النسبي إلى عالم أكثر تعقيداً
أرى أن الشخصية المحورية في الرواية لليستk14" " وحدها، وإنما الدكتور سليم نفسه يمر بتحول نفسي وفكري إذ يبدأ باحثاً يبحث عن الحقيقة العلمية، ثم يجد نفسه أمام مسؤولية أكبر من مجرد الوصول إلى نتيجة البحث.
في النهاية لم يعد السؤال بالنسبة إليه كيف أستكمل المعادلة؟ وإنما لمن ستكون هذه المعرفة؟ وكيف يمكن حمايتها؟ وما الثمن الذي يمكن أن يدفعه الإنسان بسبب اكتشافه؟
وهذا التحول يمنح الشخصية بعداً إنسانياً، ويخرجها من صورة العالم العبقري إلى صورة إنسان يواجه مسؤولية لم يخترها بالكامل
أما وجود الدكتورة ريم تمنح الرواية بعداً إنسانياً مهماً، ويمنعها من التحول إلى مجرد مطاردة سياسية وتقنية
فالعلاقة بين سليم وريم تبدأ من التعاون العلمي، ثم تتطور إلى علاقة إنسانية، وكأن الرواية تقول إن الإنسان، حتى عندما يعيش داخل صراع دولي كبير، يظل في حاجة إلى الثقة والأمان والمشاعر الإنسانية
ويمثل الأمن المصري أحد المحاور المهمة في الرواية، حيث يظهر من خلال المراقبة والتأمين والمعلومات والتنسيق.
ويؤكد أن حماية الوطن لا تعتمد على المواجهة المباشرة فقط، وإنما على المعرفة واليقظة وحسن إدارة المعلومات
وأرى أن الرواية تقدم صورة تؤكد أن أبناء الأجهزة الوطنية الآمنيه يعملون من أجل مصر، وليس من أجل مجد شخصي، وأن لكل واحد منهم تجربة وحكاية يمكن أن تكون في حد ذاتها مادة لرواية.
ربما تكون الفكرة الفلسفية الأهم في الرواية
فالمعادلة ليست مجرد اكتشاف للطاقة، وإنما يمكن النظر إليها بإعتبارها رمزاً لكل معرفة تمنح الإنسان قوة استثنائية،من الطاقة إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمعلومات
والسؤال هل المشكلة في امتلاك القوة، أم في الطريقة التي يستخدم بها الإنسان هذه القوة؟
فالعلم يمنح الإنسان القدرة، لكن الأخلاق هي التي تحدد كيفية استخدام هذه القدرة.
وأرى أن " المعادلة K14 بين القاهرة وباريس " ليست مجرد رواية عن الطاقة أو اكتشاف علمي، وإنما رواية عن المعرفة عندما تتحول إلى قوة، والقوة عندما تدخل في صراع المصالح، والإنسان عندما يجد نفسه مسؤولاً عن اكتشاف قد يتجاوز حدود حياته الشخصية.
وربما تكون K14 في النهاية معادلة أخرى لا تقل أهمية عن المعادلة العلمية
العلم + القوة + المصالح = صراع
ومن هنا فإن عودة سليم إلى مصر ليست نهاية حقيقية، وإنما بداية لسؤال جديد: إذا كانت K14 قادرة على تغيير العالم، فمن يملك الحق في استخدامها؟ ومن يملك الحق في منع الآخرين من استخدامها؟
وتتحول الرواية إلى تأمل في المسؤولية الأخلاقية للمعرفة، وفي العلاقة بين العالم والوطن، وبين ما يستطيع الإنسان أن يفعله وما ينبغي له أن يفعله.
وربما لهذا السبب تحديداً أرى أن " المعادلة K14 " ليست معادلة للطاقة فقط، بل إختبار للإنسان نفسه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض