رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

تشرفت بأن أكون متحدثة في الندوة التي أقامتها مكتبة مصر العامة لمناقشة رواية "المعادلة K14 بين القاهرة وباريس " للواء حسام سلامة، بحضور السفير رضا الطايفي، مدير مكتبات مصر العامة، والكاتب أيمن الحكيم والكاتبة نسمة تليمة، في لقاء ثري جمع بين الأدب والنقد والحوار حول رواية تفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز حدود التشويق إلى قضايا العلم والطاقة والأمن والسياسة الدولية

وقدمت خلال الندوة رؤيتي النقدية للرواية، متوقفة عند أبعادها الفكرية والإنسانية، ومحاولة قراءة ما وراء الأحداث والشخصيات، فالرواية في ظاهرها تتناول إكتشافاً علمياً إستثنائياً

كما سعدت بما قدمه السفير رضا الطايفي من قراءة واعية للرواية، استطاع من خلالها أن يسرد أحداثها بسلاسة وعمق، وأن يقدمها للحاضرين من زاوية نقدية جعلت من لم يقرأ الرواية يشعر وكأنه يتعرف إلى عالمها وشخصياتها من خلال حديثه البليغ. وأكد لي هذا اللقاء، أن الدبلوماسي ليس فقط رجل سياسة ومفاوضات، وإنما هو أيضاً صاحب رؤية وثقافة، وقادر على التعبير والإبداع في الكتابة والحديث على الحوار والقراءة والتحليل والإبداع  وكانت مشاركتي في هذه الندوة أيضاً مناسبة لإستعادة معرفتي باللواء حسام سلامة، الذي تشرفت بمرافقته في رحلة إلى أستراليا ونيوزيلندا ضمن الوفد القنصلي، إلى جانب نجوم برنامج  "وصال " وخلال الرحلة تعرفت عن قرب إلى شخصيته، وعرفت أنه وزير مفوض، فوجدته إنساناً مفوهاً، يعرف متى يتحدث ومتى يتوقف، ويحسن اختيار كلماته، ولذلك كان محل إحترام وتقدير من أبناء الجالية المصرية فى أستراليا ونيوزيلندا

كما لمست خلال تلك الرحلة حضوره الذهني وقدرته على الإجابة عن مختلف الأسئلة بهدوء وثقة، وهو ما جعله ينجح في مهمته بجدارة.

ومن هنا أرى أن روايته "المعادلة K14 " تحمل شيئاً من خبرة رجل عاش عن قرب في أجواء متعددة، واطلع على عوالم الدبلوماسية والأمن والسياسة، فقدم عملاً يمزج بين الخيال العلمي والتشويق السياسي، ويضع القارئ أمام قضية شديدة الأهمية تتعلق بالطاقة وصراع الدول من أجل امتلاك مصادرها والبحث عن بدائل لها.

والعلم في مواجهة السياسة

أحد أهم جوانب الرواية هو وضع العلم متصلاً السياسة.

فالدكتور سليم بطل الرواية يبدأ رحلته بإعتباره باحثاً يسعى إلى تحقيق إنجاز علمي، لكن قيمة اكتشافه تدفعه إلى عالم آخر، عالم المصالح الدولية والمراقبة والإستهداف والصراع غير المعلن

وهنا تطرح الرواية سؤالاً مهماً هل يستطيع العالم أن يظل عالماً فقط عندما يصبح اكتشافه قادراً على تغيير موازين القوة؟

وتبدو الإجابة واضحة فمجرد أن تكتسب المعرفة قيمة استراتيجية، تصبح المعرفة نفسها هدفاً للصراع

العنوان "بين القاهرة وباريس " لا يشير إلى انتقال جغرافي فقط، وإنما يحمل دلالة رمزية

فالقاهرة تمثل نقطة الإنطلاق والوطن، بينما تمثل باريس مساحة الإنفتاح على الإمكانات العلمية والتكنولوجية، وفي الوقت نفسه مساحة للخطر والإكتشاف.

وبذلك يصبح الإنتقال من القاهرة إلى باريس انتقالاً من المختبر إلى ساحة المصالح الدولية، ومن الأمان النسبي إلى عالم أكثر تعقيداً

أرى أن الشخصية المحورية في الرواية لليستk14" " وحدها، وإنما الدكتور سليم نفسه يمر بتحول نفسي وفكري إذ يبدأ باحثاً يبحث عن الحقيقة العلمية، ثم يجد نفسه أمام مسؤولية أكبر من مجرد الوصول إلى نتيجة البحث.

في النهاية لم يعد السؤال بالنسبة إليه كيف أستكمل المعادلة؟ وإنما لمن ستكون هذه المعرفة؟ وكيف يمكن حمايتها؟ وما الثمن الذي يمكن أن يدفعه الإنسان بسبب اكتشافه؟

وهذا التحول يمنح الشخصية بعداً إنسانياً، ويخرجها من صورة العالم العبقري إلى صورة إنسان يواجه مسؤولية لم يخترها بالكامل

أما وجود الدكتورة ريم تمنح الرواية بعداً إنسانياً مهماً، ويمنعها من التحول إلى مجرد مطاردة سياسية وتقنية

فالعلاقة بين سليم وريم تبدأ من التعاون العلمي، ثم تتطور إلى علاقة إنسانية، وكأن الرواية تقول إن الإنسان، حتى عندما يعيش داخل صراع دولي كبير، يظل في حاجة إلى الثقة والأمان والمشاعر الإنسانية

ويمثل الأمن المصري أحد المحاور المهمة في الرواية، حيث يظهر من خلال المراقبة والتأمين والمعلومات والتنسيق.

 ويؤكد أن حماية الوطن لا تعتمد على المواجهة المباشرة فقط، وإنما على المعرفة واليقظة وحسن إدارة المعلومات

وأرى أن الرواية تقدم صورة تؤكد أن أبناء الأجهزة الوطنية الآمنيه يعملون من أجل مصر، وليس من أجل مجد شخصي، وأن لكل واحد منهم تجربة وحكاية يمكن أن تكون في حد ذاتها مادة لرواية.

ربما تكون الفكرة الفلسفية الأهم في الرواية

فالمعادلة ليست مجرد اكتشاف للطاقة، وإنما يمكن النظر إليها بإعتبارها رمزاً لكل معرفة تمنح الإنسان قوة استثنائية،من الطاقة إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمعلومات

والسؤال هل المشكلة في امتلاك القوة، أم في الطريقة التي يستخدم بها الإنسان هذه القوة؟

فالعلم يمنح الإنسان القدرة، لكن الأخلاق هي التي تحدد كيفية استخدام هذه القدرة.

وأرى أن " المعادلة K14 بين القاهرة وباريس " ليست مجرد رواية عن الطاقة أو اكتشاف علمي، وإنما رواية عن المعرفة عندما تتحول إلى قوة، والقوة عندما تدخل في صراع المصالح، والإنسان عندما يجد نفسه مسؤولاً عن اكتشاف قد يتجاوز حدود حياته الشخصية.

وربما تكون K14 في النهاية معادلة أخرى لا تقل أهمية عن المعادلة العلمية

العلم + القوة + المصالح = صراع

ومن هنا فإن عودة سليم إلى مصر ليست نهاية حقيقية، وإنما بداية لسؤال جديد: إذا كانت K14 قادرة على تغيير العالم، فمن يملك الحق في استخدامها؟ ومن يملك الحق في منع الآخرين من استخدامها؟

وتتحول الرواية إلى تأمل في المسؤولية الأخلاقية للمعرفة، وفي العلاقة بين العالم والوطن،  وبين ما يستطيع الإنسان أن يفعله وما ينبغي له أن يفعله.

وربما لهذا السبب تحديداً أرى أن " المعادلة K14 " ليست معادلة للطاقة فقط، بل إختبار للإنسان نفسه.