تأهبت للانسلاخ من حياة التشكيلات القتالية إذ لم يبق سوى أيام قصارٍ وأعود مدرساً ولابد من مقابلة الموجه الأول لمعرفة المدرسة التي سأُوجَّه إليها. اصطحبت طفلي"عمرو" فقد تجاوز عامه الأول استثمارا لحالة الرضا التي أبداها أخيرا بوجودي فلم يكن يراني كثيرا.. رحب بي الموجه الأول نظرا لسابق إتقاني خلال عملي مدرساً بالمكافأة "يشبه الآن التعاقد بالحصة"وأشار عليَّ باسم مدرسة إعدادية ليست من الشهيرات لكنها كما قال لي مدرسةٌ دون صراعات إلى أن تلتقط أنفاسك من طول خدمتك العسكرية ومطلع العام الدراسي القادم اختر المدرسة التي تريدها لكنني بإصرار غريب اخترت المدرسة الشهيرة التي لا تبعد عما اختار لي أكثر من خمسمائة متر والموجه الأول يواصل التحذير وأنا أواصل الإصرار وتدخل غيرُ موجِّهٍ لإثنائي وأنا على إصراري فإذا به يقول: كما تحب لكن حذارِ من أن تشكو أو تطلب الندب لمدرسة أخرى...
وقد كان..خرجتُ من القاعة فإذا بعضُ رذاذِ مطرٍ خفيف أواخر ديسمبر حينما كان المطر يتردَّد علينا قبيل التوقيت الشتوي فاستبشرت خيراً بفرحة" عمرو" بطقسٍ لم يعهده ، واستلمت العمل ليكون ثاني يومٍ بداية امتحانات نصف العام وقبل السابعة صباحاً وقَّعتُ بالحضور على غير عادة الوظائف المدنية لأجد نفسي ملاحظاً على غير العادة في مادة اللغة العربية فلم أتكلم مستلماً دوسيه أوراق الإجابة واقفاً أمام لجنتي منتظرا بدْءَ الامتحان دون حديث فلا أعرف أحدا لولا بعض موظفات شئون الطلاب ؛ تأتي إحداهن مستفسرة حضرتك مدرس إيه؟!! فأردُّ ألعاب!! ومظهري يدل فملبسي أول يناير خريفي وقميصي مرفوع الأكمام لمنتصف الساعد جئن للتوصية على طالب أو طالبيْن ثم كلام مجمل من ماركة" كلهم أولادنا ولا تحتاج توصية" فلا أرد سوى بإيماءة رأسٍ خفيفة، وكانت لجنةً لم تدخلها ذبابةٌ دونما التأكد من سلامة نيتها!!
غادرتُ نهاية اليوم لم أنتظر للمشاركة في التصحيح مما أثار حفيظة كبيري اللغة العربية وكانا أزهريين ليسا من خريجي التخصص ؛ إذ مرًَ بي أكبرهما في اللجنة ثاني أيام الامتحان في وجود الناظر والمتابع مبديا دهشته من تغيُّبي فأعلنت أنه قبل الحديث عن التصحيح كيف لم يتم تفريغي من الملاحظة للتصحيح !!
كان الصراع محتدما بين الرجلين الأزهريين نتيجة الدروس الخصوصية مما حدا بأحدهما اصطناع خِتْمٍ بيضاوي هكذا "مع تحيات فلان الفلاني" لختم كل ورق امتحان الشهريْن الباقيين في العام والتنويه عن ذلك التكليف في إذاعة المدرسة وأنا أتفرج،تخف حدة صراع الرجلين لظهور خطرٍ يتهددهما؛ فأخباري ولقاءاتي الشعرية تنتشر ويتم توجيهي لدورة "مدرس أول" وأصرُّ على شيئين:الترقية داخل المدرسة،ونقُل المدرس الأول الأزهري للتعليم الثانوي ترضية له
{ وَلَو كانَتِ الأَرزاقُ تَجري عَلى الحِجا/ هَلَكنَ إِذَن مِن جَهلِهِنَّ البَهائِمُ}{ جَزى اللَهُ كَفّاً مِلؤُها مِن سَعادَةٍ/ سَعَت في هَلاكِ المالِ وَالمالُ نائِمُ}{فَلَم يَجتَمِع شَرقٌ وَغَربٌ لِقاصِدٍ/وَلا المَجدُ في كَفِّ امرِئٍ وَالدَراهِمُ}
لقد أدرك"أبو تمام"الشاعر الكبير أن الأرزاق غيرُ مرتبطةٍ بالعقول وأن المجد نادراً ما يجتمع مع المال لكن في صراعات الحياة يفقد الكثيرون البوصلة..
كان في مُكْنَتي الفصلُ مابين الزمالة والقيادة هذا ما نمَّته الخدمة العسكرية، ومرَّ سلساً امتحانُ الشهريْن دونما يعرف طالبٌ مَنْ وضعهما، ويتم تكليفي رغبةً في توحيد امتحانات النقل في التربية الإسلامية واللغة العربية لستٍّ وخمسين مدرسة إعدادية بإدارة المنصورة قبلما تنقسم لشرقٍ وغربٍ..كان يثير استفزاز المتابع الزائر-وكلهم ذوو قدْرٍ ومكانة-أني لا أصحبهم حال مرورهم على اللجان ولا أمرُّ بمفردي للتأكد من عدم وجود أغلاطٍ مطبعيةٍ أو إملائيةٍ كنت شديد الثقة بخلوِّ الامتحان مما يَشين وأتحدى، وأرى المرور دعايةً رخيصة،وكلما سُئلتُ عن واضع الامتحان أعلن أنه القسم..على ذلك مرت امتحانات الأعوام التالية نصف العام وآخره والدور الثاني وامتحانات القادمين من الخارج... كانت امتحانات تكشف الفروق الفردية بكفاءة دون تعقيد أو تهويل أو تهوين بل يُشاد بأفكارها الجديدة وتفانينها دونما يملك أحدٌ شكواي..حتي إعارتي للسعودية آخر عام 92
ما الذي حدا بالذكريات أن تتسلل..إنه الحفاظ على سرِّية اسم من يُكلَّف بأمرٍ عامٍ كيف يُعقَل مثلا أن تتناقل وسائل التواصل صور اجتماعات أندية الأدب المركزية على مدار أعوام عديدة وأعضاؤها يقومون بتقييم الأعمال الأدبية المتقدمة للنشر الإقليمي ويواصلون التنويه عن ذلك. هل مثل ذلك سيصنع تاريخا أو مجدا،الحقذ ليس سوى الإبداع الحقيقي الطريق الأوحد لصناعة تاريخ المبدع فلا اللقطات جوار الرموز ولا المقالات السطحية أو الدروع الفِبْر والشهادات اللاتقديرية أو عضوية لجانٍ زائفةٍ تحت مسميات حكومية مثل لجنة مجلس كذا أو هيئة كذا تعطي امتداداً للقامة!!!
أخبرونا...كيف يمكن الوثوق في تقييم لجان جوائز الوطن وصواب اختياراتها وأحدُ أعضائها ينوِّه بتهنئة فلان الذي فاز قبيل ذلك رسميا،أو تبادر اللجنة بالتنويه عن إنجازها تقييم الأعمال المقدمة بصورتهم معا بشكل فج ... تعوَّدنا في الجوائز الرصينة عربياً ألا نعرف أسماء لجان التحكيم، وألا يصدر ما يشير إليهم إلا إذا ارتأت أمانةُ الجائزة الاحتفاءَ بهم حال الاحتفال بالفائزين أو توجيه الشكر لهم لإعادة تشكيل اللجان...أجل..إنها حالة «البزرميط» التي تسود حياتنا هل مقدورٌ علينا أن نلتمس في الجهل الراحة تأسياً بقول المتنبي« ذو العَقلِ يَشقَى في النَعيمِ بِعَقلِهِ/ وَأَخو الجَهالَةِ في الشَقاوَةِ يَنعَمُ » لنُريح ونستريح كما قال "الأبنودي" على لسان "حراجي القط" لزوجته في أحد خطاباته:
(الجهل مريح يا فاطمة/ الجهل مريح/ عدم العلم مليح/ يا أم أولادي يا إنسانة زي الناس/ عدم العلم مليح/عدم العلم عيون تنعس في الليل/ ضحكة من القلب/من القلب صحيح/ عدم المعرفة بيخلي الرجالة عيال..!!/يضحكوا ... يبكوا/ودايما للدنيا طعم جديد...!!)
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض