مضيق هرمز: حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح اقتصادي
يمثل مضيق هرمز واحدًا من أخطر نقاط الإختناق في الاقتصاد العالمي، لأنه ليس مجرد ممر مائي بين إيران وشبه الجزيرة العربية، بل شريان حيوي لتجارة الطاقة الدولية. يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، إلى جانب كميات مهمة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة؛ لذلك فإن أي تهديد للملاحة فيه لا يبقى مشكلة إقليمية، بل يتحول سريعًا إلى أزمة تمسّ أسعار الطاقة والغذاء والنقل والصناعة في أنحاء العالم.
عندما يتعامل النظام الإيراني مع المضيق بوصفه ورقة ضغط أو أداة للتهديد في صراعه مع الولايات المتحدة وخصومه الإقليميين، فإنه يراهن على هشاشة السوق العالمية. فمجرد التلويح بتعطيل المرور البحري يرفع منسوب القلق لدى شركات الشحن والمستثمرين والدول المستوردة للطاقة. أما التعطيل الفعلي فيقود إلى إرتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة أجور الناقلات، وإرتفاع كلفة التأمين البحري، ثم تنتقل هذه الزيادة إلى المستهلكين في صورة وقود أغلى، ونقل أعلى كلفة، وأسعار غذاء وسلع أكثر ارتفاعًا. وقد حذّرت الأمم المتحدة للتجارة والتنمية من أن اضطرابات هرمز تؤثر في الطاقة والشحن والتمويل وسلاسل الإمداد، لا في النفط فقط.
هذه العقلية التهديدية مدمرة لفكرة الازهار العالمي. فالاقتصاد الحديث يعتمد على إنسياب التجارة، واستقرار الممرات البحرية، والثقة في العقود والأسواق. وحين يصبح أحد أهم الطرق البحرية في العالم ساحة للمواجهة العسكرية والسياسية، تتراجع الثقة ويزيد الإنفاق على المخاطر بدل الإنتاج والاستثمار. الدول الفقيرة والمستوردة للطاقة تكون من أول المتضررين، لأن ارتفاع تكلفة الوقود يضغط على ميزانياتها، ويزيد التضخم، ويضعف قدرتها على تمويل الغذاء والخدمات العامة.
لكن الضرر لا يصيب الإقتصاد العالمي وحده؛ بل يعود بقوة إلى إيران نفسها. فإيران تعتمد كذلك على إستقرار التجارة الإقليمية وعلى قدرتها على تصدير مواردها والوصول إلى الأسواق والعملات والاستثمارات. وأي تصعيد في المضيق يوسع عزلتها السياسية والإقتصادية، ويزيد من صعوبة تعامل الشركات والبنوك الدولية معها. كما أن إضطراب الملاحة يرفع كلفة التجارة والتأمين حتى على النشاط الإقتصادي الإيراني، ويضعف فرص التعافي والإستثمار في الداخل.
بدلًا من تحويل موقع إيران الجغرافي إلى جسر للتبادل التجاري والتكامل الإقتصادي مع دول الخليج والعالم، تختار السلطة في طهران توظيفه في الصراع. وهذا خيار قصير النظر؛ لأن النفوذ القائم على التهديد لا يبني إقتصادًا مستدامًا ولا يوفر وظائف للشباب ولا يعالج أزمة غلاء المعيشة. القوة الحقيقية لا تُقاس بالقدرة على تعطيل ناقلات النفط، بل بالقدرة على حماية المصالح الوطنية وخلق بيئة مستقرة تجذب رأس المال والمعرفة والتكنولوجيا.
إن الأموال والقدرات التي تُستهلك في التوتر العسكري، وفي تعزيز أدوات الضغط والمواجهة، كان يمكن أن تُصرف على المستشفيات والمدارس والبنية التحتية وتحديث الصناعة ودعم فرص العمل. المواطن الإيراني لا يحتاج إلى مزيد من الأزمات في البحر، بل إلى إقتصاد قادر على تأمين الدخل والإستقرار والكرامة. وفي النهاية، فإن إستخدام مضيق هرمز كسلاح ضد العالم قد يمنح النظام نفوذًا مؤقتًا، لكنه يهدد بأن يجعل إيران نفسها واحدة من أكبر الخاسرين من هذا التصعيد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض