رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

نساء تجاوزن الخمسين والستين عامًا:

ستات مصر «الجدعان»

بوابة الوفد الإلكترونية

«سنية وفاطمة وسماح» ثلاثة نماذج مضيئة

 

فى زحام الأسواق تختلط أصوات الباعة بخطوات المارة، تقف وجوه أنهكتها السنوات لكنها لم تنكسر، نساء تجاوزن الخمسين، وبعضهن بلغن الستين، دفعتهن ظروف الحياة إلى معركة يومية عنوانها لقمة العيش، لم يكن العمل ضمن خططهن، فبينهن ربات منازل أفنين أعمارهن فى تربية الأبناء، وأخريات وجدن أنفسهن يحملن مسئولية أسر كاملة بعد مرض زوج أو سفر الأبناء أو ضيق الحال، ورغم قسوة التجربة، إلا أنهن لم يفقدن ابتسامتهن ولا إيمانهن بأن الرزق بيد الله.

يقدمن كل يوم درسًا صامتًا فى الصبر والاعتماد على النفس، تقف كل واحدة منهن لساعات طويلة تحت شمس الصيف وبرد الشتاء، تتشبث بالعمل حفاظًا على كرامتها، وترفض أن تكون عبئًا على أبنائها أو تمد يدها إلى أحد، وبين نداءات البيع، تتسلل عبارات بسيطة تختصر فلسفة حياة كاملة «الحمد لله»، و«الرزق على الله»، و«طول ما فيّا صحة هاشتغل».

فى هذا التحقيق، نقترب من حكايات نساء لم تهزمهن السنوات أو الظروف، اخترن أن يواجهن قسوة الحياة بإيمان راسخ، ورضا بقضاء الله، وإرادة جعلت من الرصيف مساحة للكفاح، ومن العمل رسالة تؤكد أن الكرامة لا ترتبط بالعمر، بل بالقدرة على مواصلة السعى مهما اشتدت المحن.

بين البيض والفطير.. «سنية» تخبئ عمرًا من الكفاح

قبل أن تراها، تشم رائحة الفطير البلدى الساخن تتسلل وسط زحام شارع سليمان جوهر بالدقى ثم تقع عيناك على صينية البيض المرصوصة بعناية وعلى امرأة تجاوزت الستين من عمرها لكنها ما زالت تستقبل نهارها بابتسامة لا تعرف الاستسلام.

كل صباح تترك «سنية» بيتها فى الفيوم قبل أن تستيقظ المدينة وتشد الرحال إلى القاهرة رحلة طويلة لا تحكى عنها كثيرًا وكأنها أصبحت جزءًا عاديًا من يومها، تصل إلى الرصيف الذى تحول مع السنوات إلى مكان عملها وتبدأ فى ترتيب البيض والفطير وكأنها ترتب يومًا جديدًا من عمرها.

وجهها يشبه وجوه الأمهات اللاتى خبأن التعب خلف ملامح هادئة لا تعرف التكلف، بشرتها السمراء التى لوّنتها الشمس لا تخفى صفاءً يخطف القلب وعيناها تحملان طمأنينة نادرة أما ابتسامتها فتسبق كلماتها دائمًا وكأنها تقول لكل من يقترب منها إن الدنيا مهما ضاقت فلا تزال تستحق أن نبتسم.

تضحك وهى تقول «الحمد لله يا ابنى.. طول ما الواحد قادر يقف على رجله يبقى فى نعمة»، 10 ساعات كاملة تقضيها كل يوم على الرصيف لا كرسى مريح ولا سقف يحميها من شمس الصيف أو برد الشتاء فقط هى وبضاعتها وإيمانها بأن الله لن يضيع تعب من يسعى.

تمر الساعات بين زبون يشترى وآخر يسأل وثالث يكتفى بابتسامة وهى لا تتغير ملامحها ولا تضيق من الانتظار وكأنها تعلم أن الرزق يعرف صاحبه، قائلة: «الرزق بتاع ربنا.. ساعات البيع يبقى قليل وساعات ربنا يفتحها من وسع لكن فى الآخر عمره ما بينسانى».

«سنية» أم لثلاثة أبناء جميعهم تزوجوا وصار لكل واحد منهم حياته الخاصة لكنها اختارت أن تعيش وحدها فى بيتها، لم يكن ذلك بسبب خلاف أو وحدة بل لأنه قرار اتخذته بنفسها، وقالت: «ولادى فى عنيا.. بس ليه أتقل عليهم كل واحد عنده بيته ومسئولياته وأنا الحمد لله باكل من شغلى وربنا ساترها معايا».

لا تنظر «سنية» إلى عمرها باعتباره نهاية الطريق بل تعتبره سنوات من الخبرة علمتها ألا تخاف من الأيام ولا من قلة الرزق ولا من الوحدة، تعلمت أن الإنسان إذا بقى واقفًا فلن يسقط بسهولة.

وحين تسألها إن كانت تتعب من السفر والوقوف الطويل تهز رأسها بابتسامة هادئة وتقول: «أكيد باتعب.. إحنا بشر لكن ربنا بيجبر بخاطرى فى آخر اليوم وده مكفينى».

فى شارع يمتلئ بالسيارات المسرعة والوجوه المنشغلة تبدو «سنية» مختلفة، لا لأنها تبيع البيض والفطير بل لأنها تبيع معهما شيئًا آخر يصعب شراؤه، ذلك الرضا الذى ينعكس على ملامحها فيجعل المارة يتوقفون للحظات حتى لو لم يكونوا فى حاجة إلى الشراء.

وربما لهذا يعود إليها كثيرون مرة بعد أخرى ليس فقط من أجل الفطير أو البيض البلدى وإنما من أجل تلك الابتسامة التى تمنحهم إحساسًا بأن الخير ما زال موجودًا فى وجوه الناس البسطاء.

وقبل أن أودعها رفعت يديها إلى السماء وقالت بهدوء شديد كأنها تهمس بسر بينها وبين الله، وقالت: «ربنا موجود.. وعيشتى المستقلة عندى بالدنيا كلها وباقول يا رب أموت وأنا واقفة».

لم تكن تتمنى الموت بقدر ما كانت تتمنى أن تبقى واقفة حتى آخر العمر على قدميها مستندة إلى كرامتها وإيمانها بأن السعى عبادة وأن اليد التى تتعب فى طلب الرزق تظل دائمًا مرفوعة بالعزة قبل أن تمتد لأحد.

«فاطمة» درس فى الرضا والكفاح

كانت تجلس فى حالة سكون.. ضجيج السوق كله يمر من حولها ولا يمسها بشىء أمامها أقفاص الخضار المرصوصة بعناية وخلفها سنوات طويلة من الكفاح حفرت خطوطها على وجهها بهدوء اقتربنا منها فبدت عيناها غائرتين حائرتين تراقبان المارة فى انتظار زبون جديد ليس لأنها تخشى كساد البضاعة فقط بل لأنها تخاف أن ينتهى اليوم قبل أن تجمع ما يكفى لتعود إلى بيتها.

تلتفت «فاطمة» مع كل خطوة تقترب من فرشتها ثم تعود بعينيها إلى الخضار وكأنها تحسب فى داخلها ما باعته وما تبقى وما إذا كان هذا اليوم سيكفى احتياجات البيت أم لا، وتبتسم ابتسامة خجولة وتقول: «يا رب ارزقنا من وسعك.. أهم حاجة أروح آخر النهار وفى إيدى قرش».

ورغم تجاوز سن بائعة الخضار الستين من عمرها لكنها لم تعتبر العمر يومًا سببًا للتوقف عن العمل فما زالت تستيقظ مع الفجر لتلحق بيوم جديد يحمل معه أملًا فى رزق جديد، فمن على الرصيف الصغير صنعت عالمها الخاص ترتب الطماطم والخيار والباذنجان بعناية كأنها ترتب حياتها قطعة قطعة فالبيع بالنسبة لها ليس مجرد تجارة وإنما وسيلة لتبقى واقفة على قدميها وتحافظ على بيتها.

وتقول وهى تنظر إلى الخضار أمامها: «البيع على الله.. يوم يطلع حلو ويوم يطلع على القد بس الحمد لله».

فى بيت بسيط تعيش فاطمة مع زوجها وحدهما بعدما سافر أبناؤهما خارج مصر بحثًا عن فرصة عمل وحياة أفضل، لم تغضب من سفرهم بل كانت أول من شجعهم لأنها تعرف معنى أن يبحث الإنسان عن لقمة عيشه.

«العيال بره مصر بيدوروا على رزقهم وربنا يكرمهم.. وإحنا هنا ربنا بيكرمنا برضه».. تستكمل بائعة الخضار حديثها وهى تخفى شوقًا واضحًا لا يحتاج إلى كلمات كثيرة فغياب الأبناء ترك فراغًا كبيرًا فى البيت لكن العمل ملأ جزءًا من هذا الفراغ ومنح أيامها معنى جديدًا، تساعد زوجها فى مصاريف البيت فلا ترى فى ذلك فضلًا ولا تضحية بل تعتبره أمرًا طبيعيًا بين شريكى عمر.

وقالت «أنا وهو عايشين لوحدنا.. وكل واحد يشيل مع التانى عشان المركب تمشى»، لا تعرف فاطمة الشكوى رغم أن التعب يظهر فى تفاصيل وجهها وفى يديها اللتين أنهكتهما السنوات كل ما تعرفه هو أن الحياة لا تمنح شيئًا لمن ينتظرها جالسًا ولذلك تصر على أن تأتى كل يوم إلى السوق مهما كان الطقس أو ثقل الجسد،

وحين نسألها إن كانت تفكر فى التوقف عن العمل تضحك وكأن السؤال نفسه غريب عليها ثم تقول: «هو السن يمنع الواحد يعيش يعنى طول ما فيا صحة أقف على رجلى وأشتغل وربنا يبارك»،

فى كلماتها البسيطة تختبئ فلسفة كاملة عن الحياة فهى لا تقيس العمر بعدد السنوات بل بما يستطيع الإنسان أن يفعله خلالها وترى أن الوقوف على القدمين نعمة تستحق الشكر والعمل، وقبل أن نغادرها أعادت ترتيب ما تبقى من الخضار ثم رفعت رأسها وقالت بابتسامة هادئة: «إحنا الغلابة مالناش غير السعى وربنا عمره ما بيضيّع تعب حد».

عادت «فاطمة» تنظر إلى الطريق تنتظر زبونًا جديدًا بينما كانت كلماتها تظل عالقة فى الأذهان كأنها خلاصة عمر طويل تعلمت فيه أن الكرامة لا ترتبط بحجم المال بل بالقدرة على أن يظل الإنسان واقفًا يقاوم ويعمل ويواجه أيامه بقلب راضٍ وإيمان لا تهزه قسوة الحياة.

سماح.. «فرشة الخضار» سلاحها فى مواجهة الزمن

وسط زحام السوق كانت «سماح» تجلس خلف فرشتها الصغيرة ترتب حبات الطماطم والخيار فى هدوء كأنها تخفى وراء كل ثمرة حكاية طويلة من الصبر، لم يكن وجهها يحمل ملامح البائعات اللاتى اعتدن الوقوف فى السوق منذ سنوات بل كانت تبدو أقرب إلى ربة منزل وجدت نفسها فجأة فى مكان لم تخطط له يومًا.

فى الستين من عمرها لم تكن تتخيل أن تقضى أيامها بين النداء على الزبائن ومساومات البيع لكنها تقول إن الحياة أحيانًا تكتب للإنسان طريقًا لم يختره، وقالت: «عمرى ما اشتغلت بره البيت.. كنت ربة منزل وكل همى بيتى وجوزى وعيالى».

تتوقف لحظة ثم تنظر إلى الأرض قبل أن تكمل حديثها بصوت منخفض وقالت: «بس لما جوزى وقع من على السقالة وهو شغال الدنيا اتقلبت مرة واحدة».

كانت الإصابة كفيلة بأن تحرمه من العمل الذى عاش منه سنوات طويلة ومع توقف دخله لم يكن أمام سماح سوى أن تخرج إلى السوق للمرة الأولى فى حياتها بحثًا عن رزق يكفيها ويكفى زوجها الذى أصبح يحتاج إلى العلاج قبل أى شىء آخر، تقول وهى ترتب الخضار أمامها: «كان لازم أنزل.. العلاج عايز فلوس والبيت عايز مصاريف ومفيش حد هيشيل عنا».

منذ ذلك اليوم صار السوق عالمها الجديد تستيقظ مع الفجر وتحمل بضاعتها ثم تقضى ساعات طويلة تبيع الخضار تحت حرارة الشمس أو برد الشتاء ولا تغادر إلا بعدما تطمئن أن معها ما يكفى لشراء احتياجات البيت وجزء من علاج زوجها، ورغم أن لها ولدين تزوجا واستقل كل منهما بحياته فإنها لا تفكر فى طلب المساعدة منهما، وقالت: «عيالى بيحبونى وربنا يخليهم.. بس أنا عارفة المعايش صعبة وكل واحد فاتح بيت ومسئول عن أسرته ليه أتقل عليهم».

توضح «سماح» فى حديثها بكل فخر أن كل قطعة خضار تبيعها تعنى بالنسبة إليها خطوة جديدة فى رحلة علاج زوجها وكل جنيه يعود معها إلى البيت يحمل إحساسًا بأنها ما زالت قادرة على حماية أسرتها رغم قسوة الظروف، وحين نسألها إن كانت تشعر أن السن أصبح عبئًا عليها تبتسم بثقة وترد سريعًا، قائلة: «السن عمره ما كان سبب إن الواحد يقف، طول ما فيا صحة لازم أقف على رجلى وأشتغل».