رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الناصية

حفلان غنائيان أثارا جدلًا هذا الصيف فى الساحل، سواء بسبب الفتاة التى صاحبت أغنية المطرب عمرو دياب «البنات» وكذلك ملابسه وإطلالته، أو بسبب الخطر الذى تعرض له جمهور المغنى محمد رمضان وكذلك ملابسه الجريئة.. وكلها أسباب غير فنية!

المطرب عمرو دياب افتتح حفلاته بهدوء ناعم بأغنيات ألبومه الجديد، وفى المقابل أعلن الفنان محمد رمضان عن حضوره الصاخب والمثير للجدل بالاستعراضات الغنائية.. وما يهمنا من «الهضبة ونمبروان» هنا طبيعة الغناء الذى يقدمونه والاختلافات بين جمهوريهما والتى تعكس تباينات ودلالات مجتمعية واقتصادية عميقة فى سوق الغناء، حيث إن جمهور عمرو دياب يجسد الجيل المستقر على مبدأ أغانى مطربه، بينما جمهور محمد رمضان يعكس ثقافة الشغف الشبابى.. ولذلك هما تجربتان غنائيتان مختلفتان!

عمرو دياب ما زال يمثل المدرسة الموسيقية التقليدية رغم الحداثة الظاهرية فى اللحن والتجديد فى النيولوك والملابس، ولكنه يظل أمينًا على إرثه الغنائى الممتد لأكثر من أربعة عقود، الذى يرتكز، غالبًا، على الغناء الحى، والتوزيع الموسيقى الاحترافى، واستدعاء «النوستالجيا» بتوزيعات عصرية يقدم دياب خلالها تجربة غنائية خالصة تعتمد على التواصل الصوتى المباشر مع الجمهور الذى يردد كلمات أغانيه معه!

أما محمد رمضان فيقدم الاستعراض البصرى ويعتمد حفله على سينوغرافيا مبهرة، وإضاءة ومؤثرات بصرية حادة، مع الاعتماد المكثف على الاستعراض الجسدى وتغيير الأزياء الجريئة، والتى تخدم الحالة البصرية والرمزية التى يبنيها رمضان حول شخصيته الفنية، حيث تمتزج أغانيه بين «المهرجانات» و«الراب» و«الهيب هوب»!

ولأن جمهور عمرو دياب يغلب عليه التنوع العمرى، من جيل عاصر بداياته فى الثمانينيات والتسعينيات إلى جانب جيل أبنائهم، ولذلك يتميز هذا الجمهور باستقرار ذائقته الموسيقية، وينتمى هذا الجمهور العريض إلى الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الراقية التقليدية التى تبحث عن تجربة ترفيهية آمنة ومألوفة.. أما جمهور محمد رمضان فيتشكل من الفئات الشبابية والمراهقين من جيل (Z)، بالإضافة إلى فئات صاعدة تبحث عن التعبير الصاخب والتمرد على الأشكال الفنية التقليدية، ولذلك يتفاعل هذا الجمهور بحماس مع الرمزية التنافسية ورسائل القوة والتحدى والإنجاز الفردى التى تطرحها استعراضات رمضان!

وإذا كان جمهور عمرو دياب يمثل حالة الاستقرار المالى والمكانة الراسخة لشرائح رجال الأعمال وأبنائهم، والمشاهير القدامى من الفنانين، فإن جمهور محمد رمضان هو نموذج الصعود السريع والقدرة على تحقيق الثروة والنجاح الفردى فى زمن قياسى، وهو النموذج الذى يستهوى قطاعًا واسعًا من الشباب بالبحث عن حافز للارتقاء الاجتماعى بالثراء.. وهذا يجعل الاختلاف بينهما أكبر من الاختلاف فى الذائقة، ولكن فى التحول فى مفهوم «النجم» الذى لم يعد مجرد مطرب صاحب صوت مثل دياب، بل أصبح أيقونة استعراضية تتجاوز الفن إلى تقنين أسلوب حياة يومية كما فى حالة رمضان!

وإذا كان حفل دياب وفّر مساحة للشعور بالاستقرار والاستمتاع بتجربة فنية يراها جمهوره إنها راقية ومتسقة مع طبقتهم، فإن حفل رمضان سمح بالتنفيس عن الاحتقان والتعبير الفردى عن الرغبة فى التحدى وتجاوز القواعد التقليدية عبر الأغانى والاستعراضات، وبالتالى فإن الدلالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين دياب ورمضان تتجاوز نطاق الترفيه لتعكس تحولات أكثر عمقًا فى المجتمع المصرى.. والعربى بالتبعية!

إن الفارق بين عمرو دياب ومحمد رمضان ليس مجرد اختلاف بين مطربين، ولا بين ذائقتين ولا بين مدرسة تعتمد على استمرار الاستقرار الفنى، وأخرى تعتمد على الصدمة بتغيير قواعد اللعبة الفنية، بل هو انعكاس لصراع فكرى وطبقى وتمايز بين شرائح اجتماعية محافظة تلجأ إلى ماض آمن، وأخرى متمردة ومغامرة تتحدى واقعها وتعريه وتعبر عنه بنفس درجة خشونته وقسوته لتتجاوزه إلى مستقبل حتى ولو بدا غامضًا!

[email protected]