تأملات
سواء صح مضمون التصريحات المنسوبة لوزير المياه الإثيوبى بشأن السيطرة على مياه النيل أم لا، فإن الواقع يشير إلى أن قضية التعاطى مع إثيوبيا على خلفية رؤيتها لوضع النهر ستمثل أزمة متواصلة وحادة فى المستقبل. صحيح أننا لا يجب أن نتعامل مع أى تصريح قادم من أديس أبابا، كما أشار الدكتور نادر نور الدين، بالخفة التى ظهر عليها تعامل البعض مع تلك التصريحات، ولكن مجمل التصريحات يشير إلى سوء نية إثيوبية خالصة بشأن وضع مياه النيل. دعك طبعًا من الاتهامات الإثيوبية لمصر التى تحاول من خلالها بناء مظلومية تعزز موقفها بشأن محاولات القاهرة منع أديس أبابا من الاستفادة من مياه النهر، ولكن جوهر الموقف الإثيوبى غير الخفى أن سد النهضة لن يكون نسيجًا وحده، وأن هناك خططًا لإقامة مشروعات سدود أخرى تأتى تحت دعاوى تحقيق التنمية وتوسيع خطط توليد الكهرباء.
حتى الآن ورغم كل الجدل المحتدم والذى تواصل لأكثر من 15 عامًا كاملة بشأن سد النهضة فإن الخطر الحقيقى على مصر ليس قائمًا سوى فى فترات الجفاف الممتد، حيث لا تملك إثيوبيا فى أى الأحوال سوى السماح بمرور المياه. المشكلة الوحيدة أنها احتجزت بالفعل تلك الكمية الكبيرة خلف السد والتى تقدر بنحو 74 مليار متر مكعب خصمًا من رصيد مصر والسودان على مدار سنوات الملء وتلك القضية تعاملت معها مصر بحرفية كبيرة بحيث لم يشعر المواطن العادى بتاثير تلك الخطوة على نحو كبير باستثناء تلك الخطوة المتعلقة باعادة توزيع التركيب المحصولى.
بمعنى آخر أن الوضع فى كل الأحوال مهما كانت نوايا إثيوبيا تحت السيطرة غير أن المشكلة والتى قد تخرج بالأمور عن إطارها الطبيعى تتمثل فى النية لإنشاء ثلاثة سدود جديدة بطاقة تخزينية تقدر بنحو 140 مليار متر مكعب ليرفع ذلك إجمالى ما يتم تخزينه فى السدود الإثيوبية إلى نحو 224 مليار متر مكعب. لو حدث ذلك فإن أى حديث عن إمكانية التعامل الطبيعى مع ذلك الوضع يصبح نوعًا من اللهو وخداع الذات، وأظن بل أوقن أن هذه الرؤية واضحة لدى القائم على صنع القرار بهذا الخصوص فى مصر. صحيح أيضًا أن القاهرة تعاملت بكل ما تملك من ضبط النفس فى قضية سد النهضة، وصحيح أنها نالت الكثير من اللوم الشديد من هنا ومن هناك، وهو ما يبدو على الصعيد الخارجى مثلًا فى تحليل تصريحات الرئيس الأمريكى ترامب المتكررة عن سد النهضة، لكن عندما يتحول الخطر المحتمل إلى حقيقى فإن الواقع سيفرض تعاملًا من نوع آخر يواجه ما قد تراه مصر حال حدوثه مسعى إثيوبيًا فرض أمرًا واقعًا جديدًا حسبما جاء فى تصريحات مصدر مصرى مسئول ردًا على الموقف الإثيوبى الأخير.
فى النهاية فإن مجمل تطورات الأزمة تشير إلى أن هناك صراع إرادات بين مصر وإثيوبيا بشأن وضع نهر النيل تعززه قوى خارجية، وأن الأمر يتجاوز فكرة توليد الكهرباء أو التنمية فى إثيوبيا إلى فكرة السيطرة على مياه النيل واعتباره نهرًا داخليًا يمكن لأديس أبابا التحكم فى مياهه باعتبارها دولة منبع، وهو ما يتناقض مع قواعد القانون الدولى للمياه العابرة للحدود التى تقوم على مراعاة مصالح الدول المتشاطئة وعدم إلحاق ضرر ملموس بها، وأن دول المنبع لا تملك سلطة مطلقة على تدفقات الأنهار الدولية.. وذلك هو الرهان الذى تقوم عليه الحسابات المصرية- على ما اعتقد- ويجيز لها فى النهاية أن تقوم بما تراه من وسائل مختلفة لحماية أمنها القومى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض