رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

المنتج المحلى يغطى 95% من الاحتياجات:

معركة الأنسولين المستورد

بوابة الوفد الإلكترونية

مخاوف المرضى تتزايد.. وخبراء يؤكدون: منتج أمن ومصنع بدقة ويوفر العملة الصعبة 

وزير الصحة يؤكد على وقف استيراد الدولة.. ويترك الأمر للصيدليات والمواطنين

رئيس شعبة الأدوية: توطين الصناعة يحمى مصر من ضغوط الاستيراد.. و10 دول تستورد الأنسولين المصرى

دعم الصناعة الوطنية يبدأ بتغيير ثقافة المريض والطبيب 

 

 

بينما تتجه الدولة إلى تعزيز توطين صناعة الدواء وتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة، أثارت تصريحات وزير الصحة بشأن الاعتماد على الأنسولين المنتج محلياً حالة من القلق بين المواطنين ومرضى السكر، بعدما فهمت على أنها تعنى وقف استيراد الأنسولين، ما فتح باب التساؤلات حول مدى توافر العلاج وإمكانية حصول المريض على النوع الذى اعتاد عليه.

ومع تصاعد الجدل، أوضحت هيئة الدواء المصرية أن استيراد الأنسولين لم يتوقف، وأن المستحضرات المستوردة ما زالت متاحة فى القطاع الخاص، بالتزامن مع التوسع فى الإنتاج المحلى.

القضية تتجاوز المفاضلة بين المصرى والمستورد، لتطرح سؤالاً حول أهمية توطين صناعة الأدوية الاستراتيجية، وفى مقدمتها الأنسولين، باعتباره دواءً حيوياً لا يستطيع مريض السكر الاستغناء عنه، ومرتبطاً بالأمن الدوائى والقومى، خاصة فى ظل الأزمات العالمية واضطراب سلاسل الإمداد.

مخاوف المرضى

هذه الحالة من الجدل أثارت قلق المرضى الذين يعتمد عدد كبير منهم على الانسولين المستورد خاصة فى ظل ما يثار عن عدم فاعلية الأنسولين المحلى. وأعرب عدد كبير منهم عن مخاوفهم من تأثير قرار وقف استيراد الأنسولين على علاجهم، وقال ماجد، والد طفل 3 سنوات مصاب بالسكرى منذ عام: أنا خايف معرفش ألاقى الأنسولين المستورد الدكتورة بتكتبه لابنى لأن حالته صعبة ولا يستطيع الاستغناء عن الأنسولين القوى.

وتساءلت أم ملك، مريضة بالسكرى منذ سنوات ولا تتمتع بتأمين صحى هل القرار معناه إننا مش هنلاقى الأنسولين المستورد أنا بجيبه من الصيدليات على حسابى وبسعر غالى.

أما علياء، 33 عاماً، فقالت إن طبيبها لا يصف لها سوى المستورد، مؤكدة أنها ستضطر لشرائه من الصيدليات الخاصة إذا لم يتوفر عبر التأمين الصحى.

وفى المقابل، كشفت جولة على عدد من الصيدليات عن توافر عدة أنواع من الأنسولين، منها المحلى والمستورد، دون رصد نقص فى المعروض. 

وتعليقاً على هذه المخاوف أكد الدكتور إسلام محمد الحبشى، طبيب بالمعهد القومى للسكر والغدد الصماء، أن الأنسولين المحلى أثبت فاعليته لدى المرضى، ولا توجد فروق جوهرية بينه وبين المستورد من حيث الاستجابة، مشيراً إلى أن بعض المرضى قد يستجيبون للمنتج المحلى بصورة أفضل من المستورد، والعكس صحيح، لذلك لا يمكن اعتبار أحدهما أفضل بشكل مطلق.

وأوضح أن الأهم بالنسبة لمريض السكر هو الالتزام بالمتابعة الطبية وعدم تغيير نوع الأنسولين أو جرعاته دون الرجوع إلى الطبيب المعالج، إذ تختلف احتياجات المرضى وفقاً لحالتهم، سواء من حيث نوع الأنسولين أو مدة تأثيره.

وشدد على أهمية التخزين الصحيح للأنسولين وطريقة استخدامه، إلى جانب الالتزام بتعليمات الطبيب المتعلقة بالغذاء والنشاط البدنى، مؤكداً أن الأنسولين المحلى والمستورد متوافران، ولا توجد مشكلة فى استخدام أى منهما طالما يتم ذلك تحت إشراف طبى.

توطين صناعة الأنسولين

بالنسبة للدكتور على عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، فالقضية ليست مجرد مفاضلة بين منتج محلى وآخر مستورد، فهو يرى أن صناعة الدواء فى مصر صناعة استراتيجية ذات بعد اجتماعى وتمثل جزءاً من الأمن القومى، وأن الدولة تسير منذ عام 2014، وفق خطة واضحة لتوطين الصناعات الدوائية التى كانت تعتمد على الاستيراد، خاصة الأدوية التى لا توجد لها بدائل وتحتاج إلى تكنولوجيا عالية.

وأوضح أن خطة التوطين شملت أدوية الأورام ومشتقات الدم واللقاحات والأنسولين، مؤكداً أن السنوات العشر الأخيرة شهدت إنجازات كبيرة فى قطاع الدواء، وأن ما تحقق خلالها يفوق ما تم إنجازه خلال نحو 60 عاماً سابقة.

وقال عوف إن من أبرز الصناعات التى نجحت مصر فى توطينها صناعة الأنسولين، موضحاً أن السوق العالمى يسيطر عليه نحو ثلاث شركات كبرى، منها شركة أوروبية تستحوذ على نحو 90% من السوق المصرى، مشيراً إلى أن شركة «المهن الطبية» قامت بشراء مصنع للأنسولين تابع لإحدى أكبر الشركات فى العالم بمدينة السادس من اكتوبر، وشمل الاتفاق توريد المادة الخام من شركة «إيلى ليلى» الأمريكية فأصبح المنتج المحلى يعتمد على مادة خام أمريكية، ويستفيد من التكنولوجيا والخبرة الأمريكية فى التصنيع.

وأكد عوف أن شركات الإنتاج المصرية قادرة حالياً على تغطية نحو 95% من احتياجات مرضى السكرى بينما تمثل النسبة المتبقية حالات تحتاج إلى تقنيات أعلى وتوسعات أكبر فى المصانع، موضحاً أن بعضها يعمل حالياً على تطوير وتوسيع طاقاته الإنتاجية، ومن المتوقع خلال العام المقبل الوصول إلى القدرة على تغطية النسبة المتبقية.

وأوضح أن سعر الأنسولين المستورد يبلغ نحو ضعف سعر المصرى، وأن وزارة الصحة وهيئة الشراء الموحد تضعان الكفاءة والجودة فى مقدمة الأولويات، كما يخضع الأنسولين المحلى المورد للوزارة للتحليل والتأكد من مطابقته للمواصفات من خلال هيئة الدواء المصرية وفق المعايير المعتمدة من منظمة الصحة العالمية.

وشدد عوف على أن زيادة اعتماد وزارة الصحة على الأنسولين المحلى جاءت بعد توافر المنتج المصرى، ولا تعنى منع استيراد الأنسولين الأجنبى، مشيرا إلى أن هيئة الدواء المصرية أكدت أن الاستيراد لم يتوقف ولم يتم منع الأنسولين المستورد، وأنه لا يزال موجوداً فى صيدليات القطاع الخاص، موضحاً أن تصريحات وزير الصحة فهمت بصورة خاطئة، وأن المقصود هو امتلاك الدولة القدرة على توفير الأنسولين المصرى الذى يتم إنتاجه منذ نحو 10 سنوات، دون تسجيل مشكلات أو شكاوى تتعلق بفاعليته.

وأشار إلى أن جزءاً من الجدل يرجع إلى «ثقافة المستورد»، إذ يعتقد البعض عند عدم وجود النوع المستورد فى المستشفيات أو التأمين الصحى أن هناك نقصاً فى الأنسولين عموماً.

وشدد على أن المريض لا ينبغى أن يحدد بنفسه نوع الأنسولين، وإنما الطبيب المتخصص هو الذى يحدد العلاج المناسب، موضحاً أن بعض الأطباء قد يفضلون نوعاً مستورداً سبق استخدامه، ويترددون فى تجربة المنتج المصرى/ قائلًا: «إذا لاحظ الطبيب أن الأنسولين المصرى لم يحقق النتيجة المطلوبة لدى مجموعة من المرضى، فعليه التواصل مع الشركة أو تقديم بلاغ إلى هيئة الدواء من خلال إدارة اليقظة الدوائية، أو إجراء دراسة علمية تقارن بين مجموعات المرضى».

وكشف عوف أن الأنسولين المصرى تم تصديره إلى 10 دول خلال الثلاثة أعوام الأخيرة، بعد تحليل المنتج وإجراء الدراسات اللازمة للتأكد من فاعليته قبل اعتماده، ثم استخدامه بصورة منتظمة دون تسجيل أى شكاوى منه حتى الآن. وأضاف أن أكثر من 20 دولة أخرى أبدت رغبتها فى استيراده، إلا أن هيئة الدواء لا تزال ترفض فتح التصدير بشكل كامل حالياً خوفاً من حدوث فجوة فى احتياجات السوق المحلية.

وأشار إلى أن الشركات المصرية بدأت شراء معدات وخطوط إنتاج جديدة لزيادة الطاقة الإنتاجية، بهدف تغطية السوق المحلية أولاً ثم التوسع فى التصدير، لافتاً إلى وجود طلب من دول فى شرق أوروبا وأفريقيا لانخفاض تكلفة الأنسولين المصرى.

أزمة الأنسولين 

وكانت مصر قد تعرضت لأزمتين كبيرتين فى ملف الأنسولين الأولى فى عام 2018، عندما طلبت إحدى الشركات الكبرى زيادة السعر وهددت بعدم التوريد، واضطرت الدولة إلى رفع السعر بسبب عدم جاهزية القطاع المحلى لتعويض السوق، والثانية كانت فى عام 2024 حينما تكرر الأمر بصورة مختلفة، ولكن الصناعة الوطنية كانت قد أصبحت أكثر جاهزية، ووجهت هيئة الدواء المصانع الوطنية، ومن بينها مصنع «المهن الطبية»، إلى مضاعفة الإنتاج لتغطية الفجوة ولم تحدث شكاوى من نقص الأنسولين نتيجة هذه الأزمة..

وتعليقاً على ذلك شدد الدكتور على عوف على أن توطين الدواء ليس هدفاً اقتصادياً فقط، وإنما يمثل حماية للأمن القومى، لأن الاعتماد الكامل على الخارج قد يعرض الدولة لضغوط فى أوقات الأزمات، كما أن المحلى يوفر فارق التكلفة، والتى تصل إلى نحو 4 مليارات جنيه، مقابل نحو 8 مليارات جنيه للأجنبى، بفارق نحو 4 مليارات جنيه يمكن توجيهها إلى قطاعات صحية أخرى.

صناعة واعدة 

يذكر أن سوق الدواء المصرى تبلغ قيمته السنوية نحو 8 مليارات دولار، وتغطى الصناعة المحلية نحو 92% من احتياجات المرضى، وإذا توقفت مصر عن الإنتاج المحلى واعتمدت بالكامل على الاستيراد فقد تصل فاتورة الدواء إلى نحو 30 مليار دولار، ومن هنا فإن الصناعة المحلية توفر العملة الأجنبية وتؤمن الدواء للمرضى حتى فى ظل الأزمات العالمية والحروب وتأثر سلاسل الإمداد والتوريد.

كما أشار تقرير لمؤسسة «فيتش» الاقتصادية عن تطور قطاع الدواء المصرى، وتوقع التقرير أن تقود مصر خلال السنوات العشر المقبلة صناعة الدواء فى أفريقيا والشرق الأوسط والدول العربية، كذلك فهناك دول مثل العراق والسعودية بدأت الاستعانة بكوادر مصرية للمساعدة فى توطين الصناعات الدوائية.

كل هذه الحقائق تؤكد أن صناعة الدواء فى مصر صناعة واعدة وأمن قومى يجب أن يحرص عليها الجميع، ويساعدها المرضى بالاعتماد عليها بدلاً من اللجوء للأدوية المستوردة التى تكلف الدولة الكثير وتستهلك العملة الصعبة.

ثقافة الدواء

من ناحية أخرى، أكد الدكتور محمد ألهم، رئيس شعبة أصحاب الصيدليات بالغرفة التجارية بالجيزة، أن مصر تمتلك قاعدة صناعية ودوائية قوية تؤهلها لتعزيز مكانتها إقليمياً ودولياً.

وأشار إلى أن مصر من أكبر أسواق الدواء فى المنطقة، وتحتل المرتبة الـ26 عالمياً من حيث حجم سوق الدواء، فيما تقترب صادراتها الدوائية من 1.5 مليار دولار، ويصل الإنتاج المحلى إلى نحو 4 مليارات عبوة سنوياً، من خلال نحو 175 مصنعاً للأدوية و135 مصنعاً للمستحضرات الطبية.

وأوضح أن توافر الأنسولين يختلف بين منظومة وزارة الصحة والتأمين الصحى وبين القطاع التجارى والصيدليات الخاصة، ولكل منظومة آلياتها فى توفير الدواء وتداوله وتوزيعه.

وأكد أن مصر تمتلك أكثر من ثلاثة مصانع محلية لإنتاج مستحضرات الأنسولين، إلى جانب التطور الذى تشهده مدينة الدواء المصرية فى تصنيع الأنسولين واستخدام التقنيات الحديثة.

وأضاف أن زيادة الإنتاج المحلى وتقليل الاعتماد على الاستيراد وتوفير العملة الصعبة توجه استراتيجى مهم، لكن نجاحه يحتاج أيضاً إلى تغيير ثقافة الطبيب والمواطن تجاه الدواء المحلى.

وشدد «ألهم» على أهمية وصف المادة الفعالة وإتاحة البدائل الدوائية المسجلة داخل الروشتة، بما يمنح المريض خيارات آمنة وفعالة، ويخفف الأعباء الاقتصادية، ويدعم الصناعة الوطنية.

وأكد أن الاسم التجارى ليس المعيار الوحيد للحكم على جودة الدواء، وأن وجود بدائل مسجلة وموثوقة يساهم فى استدامة توفير العلاج، خاصة الأدوية الحيوية والاستراتيجية مثل الأنسولين.

وفى النهاية، يبقى توطين صناعة الأنسولين خطوة تتجاوز توفير منتج محلى، إلى امتلاك الدولة قدرة حقيقية على تأمين دواء حيوى، وتقليل مخاطر الاستيراد، مع ضرورة أن يظل المعيار الحاكم هو الجودة والفاعلية والأمان وحق المريض فى الحصول على العلاج الأنسب لحالته.