رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كانت المنطقة التي نعرفها اليوم بالشرق الأوسط محكومة إلى حد كبير بصراع إمبراطوريتين كبيرتين "الروم البيزنطيين في الشام ومصر والأناضول، والفرس الساسانيين في العراق وفارس وما وراءها". وبين هاتين القوتين عاشت القبائل العربية في بيئة قاسية، وكان كثير من النشاط الاقتصادي العربي مرتبطًا بالتجارة والتنقل بين أطراف هاتين الإمبراطوريتين.

كانت قريش تعتمد بصورة أساسية على التجارة، فجاء في القرآن الكريم: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ۝ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. وكانت رحلاتها تتجه جنوبًا في الشتاء وشمالًا في الصيف، نحو بلاد الشام التي كانت خاضعة للبيزنطيين. وتؤكد المصادر التاريخية أن هاشم بن عبد مناف جد النبي صلى الله عليه وسلم ارتبط بتنظيم هذه الرحلات والحصول على ضمانات لتأمين تجارة قريش في بلاد الشام.

لكن الصورة لم تكن ببساطة أن العرب كانوا مجرد قبائل معزولة تعيش على هامش التاريخ. فقد كان العرب جزءًا مهمًا من شبكة التجارة والصراع بين الإمبراطوريتين؛ وكانت مناطقهم وممراتهم تمثل حزامًا استراتيجيًا بين فارس وبيزنطة. بل إن الدراسات التاريخية تشير إلى أن جزءًا معتبرًا من الموارد والإنفاق العسكري للإمبراطوريتين كان مرتبطًا بالمناطق العربية وبالخدمات والسلع التي قدمتها القبائل العربية.

ثم جاء الإسلام، فحدث التحول الأكبر في تاريخ المنطقة. لم يعد العرب مجرد قوة تقع بين إمبراطوريتين متصارعتين، بل أصبحوا هم القوة التي ستعيد تشكيل الخريطة السياسية والحضارية للشرق الأوسط. وفي القرن السابع الميلادي انتهى الحكم البيزنطي في بلاد الشام تدريجيًا، وتحولت المنطقة إلى مركز رئيسي للدولة الإسلامية الناشئة.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية التي تستحق التأمل: العرب الذين كانوا يتحركون على طرق التجارة تحت مظلة القوى الكبرى أصبحوا بعد ذلك أصحاب قرار في قلب النظام الإقليمي، لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ . هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه علينا ونحن ننظر إلى الشرق الأوسط اليوم.

فبعد قرون طويلة من صعود الحضارة العربية والإسلامية، أصبحت المنطقة مرة أخرى مسرحًا لصراع بين قوى كبرى وإقليمية؛ الولايات المتحدة والغرب من جهة، وإيران من جهة أخرى، بينما تقف الدول العربية في قلب العاصفة، تدفع ثمن الصراع سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

واليوم، لا يدور الصراع الأمريكي الإيراني في فراغ. فمضيق هرمز، والخليج، وأسواق الطاقة، والقواعد العسكرية، وأمن الملاحة، كلها أصبحت أدوات ضغط في مواجهة مفتوحة تهدد بتغيير توازنات المنطقة. وما زال التوتر بين واشنطن وطهران قائمًا، بينما أعلنت إيران تمسكها بإغلاق مضيق هرمز إلى حين تحقيق شروطها، الأمر الذي يضع أمن الطاقة والتجارة العالمية أمام اختبار خطير.

والأخطر أن الدول العربية لم تعد مجرد متفرج على هذا الصراع. فإيران تهدد مصالح دول الخليج، بينما تعتمد دول عربية أخرى على المظلة الأمنية الأمريكية، في الوقت الذي بدأت فيه بعض الدول تبحث عن ترتيبات إقليمية جديدة لحماية أمنها ومصالحها.

ولعل التطور الأبرز في هذا السياق هو اتجاه السعودية وتركيا وباكستان إلى إنشاء إطار دفاعي جديد، في ظل شعور متزايد لدى بعض دول المنطقة بأن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية لم يعد كافيًا لحماية أمنها.

وهنا نعود إلى التاريخ، فالمشكلة لم تكن يومًا في أن يكون للعرب أصدقاء أو حلفاء من خارج المنطقة، وإنما في أن يصبح القرار العربي مرهونًا بإرادة الآخرين.

فكما كانت المنطقة قديمًا ساحة صراع بين الروم والفرس،  يمكن أن تتحول اليوم إلى ساحة صراع بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل وقوى دولية وإقليمية أخرى، إذا لم يمتلك العرب مشروعًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا يحمي مصالحهم.

والدرس الأهم من التاريخ ليس أن العرب انتصروا يومًا على الفرس والروم، وإنما أن العرب عندما امتلكوا وحدة القرار والقوة والتنظيم والمشروع الحضاري أصبحوا طرفًا فاعلًا في صناعة التاريخ، وليس مجرد جسر تعبر فوقه الإمبراطوريات.

أما اليوم، فالعرب يمتلكون الثروة والموقع الجغرافي والأسواق والطاقة والممرات البحرية والقوة البشرية، لكن هذه العناصر لا تتحول بالضرورة إلى قوة سياسية موحدة.

من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن العراق وسوريا إلى ليبيا ومصر، تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية فوق أرض عربية. وكل طرف تقريبًا يبحث عن مصالحه، بينما لا تزال مسألة بناء منظومة عربية مشتركة للأمن والدفاع والاقتصاد والسياسة تراوح مكانها.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح بوضوح هو: هل يريد العرب أن يكونوا مرة أخرى مجرد منطقة نفوذ تتصارع عليها الإمبراطوريات، أم يريدون أن يكونوا طرفًا مستقلًا في صناعة النظام الإقليمي الجديد؟

ليس المطلوب الدخول في حرب مع إيران، ولا الانحياز الأعمى إلى الغرب، ولا تحويل المنطقة إلى ساحة مواجهة دائمة. المطلوب هو امتلاك قوة عربية قادرة على الردع، ودبلوماسية عربية قادرة على التفاوض، واقتصاد عربي قادر على الصمود، وقرار عربي لا يكتب في عواصم الآخرين.

فالتاريخ لا يعيد نفسه بالحرف، لكنه يعيد طرح الأسئلة ذاتها. قبل الإسلام كان العرب بين الفرس والروم، واليوم، يقف العرب مرة أخرى وسط صراع القوى الكبرى والإقليمية؛ لكن الفارق أن العرب اليوم لا يفتقرون إلى الإمكانات التي كانت تنقصهم قبل أربعة عشر قرنًا؛ بل يملكون من الموارد والموقع والثروة والقوة ما يؤهلهم لأن يكونوا أحد أقطاب النظام الدولي.

المشكلة إذن ليست في غياب القوة، وإنما في كيفية تحويل القوة المتفرقة إلى إرادة سياسية مشتركة، وهذه هي المعركة الحقيقية التي ينبغي أن يخوضها العرب: ألا يكونوا طرفًا في صراع الآخرين، بل أن يصبحوا أصحاب مشروع ومصلحة وقرار. فمن لا يصنع توازناته بنفسه، سيجد الآخرين يصنعونها له والتاريخ بين الفرس والروم شاهد على ذلك.