فى الجوانب الشخصية للمعلم الكبير فؤاد باشــا ســـراج الــديــن، ثمة مــلامــح وعــلامــات، تكشف كيف كان يقاوم تقلبات الزمن، وكيف حباه الله بقدرة عجيبة على المقاومة.. ليست السياسية فقط وإنما المقاومة الجسمانية أيضًا.
كان فؤاد سراج الدين يتمتع بذاكرة حديدية، وهــى ســلاح قوى للسياسيين، لــدرجــة أننى سمعت من قيادة أمنية كيف حفظ الباشا أسماء غالبية شباب الوفد المشاركين فى أحد المؤتمرات دون ورقة أو قلم.
كــان يــدخــن السيجار، بمعدل ٦ قطع فى اليوم الواحد، وكان يعشق أكل الحلوى متحديًا السمنة التى كانت واضحة عليه.. ورغم ذلك مات بعد التسعين، وهو لا يشكو من أمراض القلب، كما أكد لى حفيده السياسى الوفدى العريق فؤاد بدراوى.
كان الباشا يحب «الفواجيرا» كما حكى لى أستــاذى الكاتب الصحفى مجدى سرحان، وهى أكلة فرنسية فاخرة تصنع من كبد الإوز، غير عابئ بالكوليسترول.
وقد كتب فى ذلك الدكتور مصطفى الفقى
متعجبًا مــن قــدرة الباشا، على تــنــاول هذه الوجبة عندما كان على مشارف التسعين.
للسيجار مع فؤاد باشا، حكايات، إذا ارتبط به وأصبح فى ذلك ينافس الملك فاروق وونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا الأشهر.
كــان السيجار الــكــوبــى الــفــاخــر، هــو النوع المفضل لفؤاد سراج الدين.
وكما يحكى لى الأستاذ فــؤاد بــدراوى، فإن الباشا كان يستهلك ٦ قطع يوميًا، ولم يتخل عن هذه العادة، ولم تسبب له أمراضًا صدرية.
ويــــروى الحفيد كــيــف أحـــرج جـــده الملك فاروق بسبب السيجار، وربما تحديدًا مطلع على الخمسينيات، عندما دعــا الملك فـــاروق، النحاس باشا والحكومة الوفدية إلى إفطار فى قصر عابدين.
ثم جاء الخادم، يحمل صينية كبيرة، عليها سيجار لمن يرغب فى التدخين، وتناول الباشا، سيجارًا فوجده جافًا ومن النوع الردىء.فتعمد أن يسمع الملك نقده، ومال على أحد الــوزراء، وقــال: «هل يليق مثل هذا السيجار بجلالة الملك؟».
وشعر الملك فـــاروق بالحرج، فطلب يــاور القصر، ثم ما لبث أن عاد الياور ومعه خادم يحمل علبة فــاخــرة لــفــؤاد بــاشــا، بها قطعة ســيــجــار واحــــدة. وقـــال الــمــلــك: «اتــفــضــل.. السيجار ده مش موجود منه فى مصر إلا القطعة دى».
كانت المفاجأة، أن الباشا أمسك بالسيجار، وعرف نوعه، وأحرج الملك مرة أخرى، وقال: «إزاى جلالتك مفيش منه إلا القطعة دى، ونفس النوع عندى مرمى فى العربية؟».
وبالفعل أحضر الباشا من سيارته كمية من النوع نفسه، ليكتشف الملك، أن بائع السيجار فى ميدان طلعت حرب كان يملك صندوقين أعطى أحدهما للملك والثانى لفؤاد باشا، بينما ضحك على الملك وأخبره بأنه لا يملك
سوى صندوق سيجار واحد.
كان السيجار الكوبى ولا يزال هو الأغلى فى العالم.. وربما جاءت الخمسينيات برياح عاتية أخرجت الملك من مصر، وأخرجت الوفد من الحكم.
لكن شتان بين شخصية فــؤاد ســراج الدين وشخصية الملك فاروق.
فالباشا رغم ما تعرض له من تنكيل ومصادرة أملاكه، كان فى بعض الأوقــات يحمل قطعة خشب بنية على هيئة سيجار، لأنــه لم يكن يملك ثمن السيجار
ولــمــن لا يــعــرف، فـــإن ثــمــن بــعــض الأنـــواع
الفاخرة، مثل سيجار «هويو دى مونيترى دبل كورونا» وهو الذى كان يفضله الملك فاروق، يصل ســعــره حاليًا إلــى ٦٢ دولارًا للقطعة الواحدة.
أمــا الملك فـــاروق، فبعد تنحيه ذهــب إلى متجر «زيــنــو دافــيــدوف» فــى جنيف، وطلب ٤٠ ألــف قطعة سيجار، وكانت أكبر صفقة لصاحب المتجر فى تاريخه.
مات فاروق فى إيطاليا، بينما ظل الباشا فى مصر، يقاوم ظلم الأنظمة وتقلب الأيام، حتى عاد بقوة فى السبعينيات والثمانينيات ليؤكد أن الحق والكرامة هما طريق النجاح.
رحم الله الباشا فؤاد سراج الدين
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض