رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الحائز على جائزة النيل في الآداب في حواره للوفد

د.يوسف نوفل: حياتنا الأدبية تُدار بالشائعات والأدب انتصر لفلسطين أكثر من جامعة الدول

بوابة الوفد الإلكترونية

الدكتور أحمد هنو لم يُمنح الفرصة كاملة لإنفاذ مشروعه الثقافي
سبب تراجع المسرح الشعري هو غياب الدعم المادي من الدولة
مقولة "زمن الرواية" خاطئة ومضللة.. وأختلف مع طه حسين وجابر عصفور
الشعر سيبقى ديوان العرب وثورة ١٩ وثقت عن طريق الشعر

استقلتُ من لجنة الشعر بالمجلس الأعلى احتجاجا على محاولة تمرير عمل راسب!
أطالب بـ "فلاشة موثقة" لكل متقدم لجوائز الدولة منعًا للادعاءات واللغط
بورسعيد معشوقتي الأولى.. ومأساة غزة والتهجير جرح إنساني يدمي القلوب
 إذا تسربت المجاملة أو النفعية إلى النقد.. فهو ليس نقدًا بل ادعاء
أطالب ببرامج رقمية تكشف نصوص "الذكاء الاصطناعي" لحماية حقوق الملكية الفكرية 
التواضع والضمير.. وصية الأستاذ للأجيال

 

​للحظات، شعرت أن الزمن يمكن أن يتراجع إلى الوراء، وأن أكثر من عشرين عامًا ليست بالضرورة مسافة بعيدة كما نظن. عدت إلى كلية البنات بجامعة عين شمس، إلى قسم اللغة العربية الذي تركت فيه جزءًا من سنواتي الأولى، ودخلت المكان هذه المرة وفي داخلي دهشة العائد إلى بيت قديم يعرفه جيدًا، لكنه لم يعد كما كان.
تغيرت أشياء كثيرة. تبدلت ملامح المكان، وتفاصيل القاعات والممرات، وربما تبدلت أنا أيضًا دون أن أشعر. لم أعد تلك الطالبة التي كانت تحمل أسئلتها عن الأدب والنقد، وتدخل إلى مكتب أستاذها وفي ذهنها ما استغلق عليها فهمه. هذه المرة كنت أدخل المكتب صحفية، أحمل أسئلتي معي، وأجلس في الجهة الأخرى من الحوار.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير، كان د.يوسف نوفل كما عرفته منذ أكثر من عشرين عامًا؛ بالهدوء نفسه، والتواضع نفسه، وذلك الحضور الإنساني الذي لا تصنعه الألقاب ولا تحجبه السنوات. وأنا أعبر العتبة التي عبرتها طالبةً عشرات المرات، شعرت فجأة أن المسافة بين الأمس واليوم قد اختفت، وأنني، رغم كل ما تغير، مازلت تلك الطالبة التي تشعر برهبة جميلة وهي تجلس أمام أستاذها، فأنا لم أذهب فقط لأحاور واحدًا من أساتذة الأدب والنقد العربي، وإنما عدت إلى شخص ترك أثرًا في سنوات تكويني الأولى، ذلك أن ما يبقى من بعض الأساتذة لا يكون في دفاترنا، وإنما في الطريقة التي ننظر بها إلى المعرفة والحياة.

ومن هنا بدأتُ حواري مع الأستاذ الدكتور يوسف نوفل، الحائز على جائزة النيل في الآداب لهذا العام، وأستاذ النقد الأدبي بجامعة عين شمس وعضو المجمع العلمي المصري، وفي داخلي شعور مزدوج؛ امتنان التلميذة القديمة، وفضول الصحفية.
​والدكتور يوسف نوفل ليس مجرد قامة أكاديمية، بل تاريخ حافل وعلم نقدي شامخ؛ وُلد في الأول من أكتوبر عام 1938 بمدينة بورسعيد الباسلة، فتشرّب منذ طفولته روح المقاومة والصمود، قبل أن ينتقل إلى القاهرة عام 1960 لاستكمال دراسته بكلية دار العلوم، حيث حصل على الليسانس ثم الماجستير والدكتوراه في الدراسات الأدبية، وتدرج حتى نال درجة الأستاذية عام 1985.
امتدت مسيرته الأكاديمية إلى مواقع علمية وقيادية عديدة؛ فكان العميد المؤسس لكلية التربية ببورسعيد، وأسهم في تأسيس أقسام اللغة العربية بعدد من كليات التربية، وتولى رئاسة أقسام اللغة العربية في مصر والسعودية والإمارات، كما أشرف وناقش أكثر من مائتي رسالة ماجستير ودكتوراه في جامعات مصرية وعربية. وامتدت مشاركاته العلمية والثقافية من الجامعات العربية إلى عواصم العالم، فيما ظل حاضرًا في المشهد الثقافي عضوًا بالمجمع العلمي المصري، وعضوًا مؤسسًا باتحاد كتاب مصر، ورئيسًا لمؤتمر الأدباء لعدة دورات، وعضوًا في لجان التحكيم والترقيات والجوائز.
وتُوّجت هذه المسيرة مؤخرًا بـجائزة النيل في الآداب، لتكتمل رحلة طويلة من العطاء والتكريم، بدأت مبكرًا حين حصد، وهو طالب عام 1961، خمس جوائز في ليلة واحدة في القصة والشعر والرواية والمقال والبحث، في إشارة مبكرة إلى مشروع عالم وأديب استثنائي.
وإلى نص الحوار...
 

د.يوسف نوفل 
د.يوسف نوفل 

 تُوّجت بجائزة النيل في الآداب لهذا العام. في ظل اللغط الدائر مؤخرا حول جوائز الدولة، كيف ترى آليات الترشيح والتصويت؟
 

_ جوائز الدولة تمر بمراحل فلترة متعددة: مرحلة أولى تنتقي 4 مرشحين، ومرحلة ثانية (اللجنة الأعلى) تنتقي مرشَحَيْن، والمرحلة النهائية يختار فيها المجلس الأعلى للثقافة فائزا واحدا. والمفاضلة تكون بين ممتازين، ولا تقلل من شأن من لم يحالفه التوفيق.
ولحل أزمات الشروط والملفات، أطرح مقترحا إجرائيا، وهو إلزام كل متقدم بتقديم "فلاشة" تحتوي على سيرة ذاتية موثقة بالصور لكل مشواره الأدبي وإنتاجه الفكري؛ لتكون معروضة بوضوح أمام المحكمين؛ حملا للشفافية وقطعا لأي لغط.

 

 قضيتَ عقودا في بناء مشروع نقدي رصين، هل ترى أن هناك فجوة بين النقد الأكاديمي بنظرياته الصعبة وبين القراءات الانطباعية المنتشرة على منصات مثل (Goodreads) وغيرها؟

 

_ الفجوة موجودة بالفعل، وسببها يرجع إلى طبيعة تكوين الناقد الأكاديمي نفسه ونوعه. فالنقاد الأكاديميون ينقسمون في رأيي إلى نوعين: النوع الأول هو الناقد الأكاديمي المنعزل، وهو الذي ينكفئ داخل صومعة البحث الجامعي، ويقتصر كل نشاطه على الإشراف الأكاديمي والأبحاث الجامعية الصارمة. هذا النوع يكون نتاجه غزيرًا وعلميًا بلا شك، ولكنه للأسف غير ملتحم بالواقع الأدبي الحي وبنبض الشارع الأدبي، أما النوع الثاني فهو الأكاديمي المبدع، وهو الذي يجمع بين الرصانة الأكاديمية العلمية والعيش في قلب الحياة الأدبية؛ فتجده يتردد على الندوات والمقاهي الأدبية، ويتابع الشعراء والأدباء المعاصرين ويتحاور معهم، أمثال فاروق شوشة، والدكتور علاء عبد الهادي، والشهاوي.


هل نجح النقد العربي في "تبيئة" المصطلح الغربي فكريًّا، أم اكتفينا بنقله وتطبيقه شكليًّا؟ وكيف يتعامل الناقد مع النص المُولَّد بالذكاء الاصطناعي؟

_ نحن أمام نمطين: نمط فهم المصطلح في بيئته الأصلية (فرنسية، إنجليزية، ألمانية) ونقله بدقة، ونمط آخر نقل المصطلح بعجلة واستعراض أكاديمي دون استيعاب. وهنا أستحضر السجال الشهير بين الدكتور عبد العزيز حمودة (في ثلاثيته: المرايا المقعرة، المرايا المحدبة، والتيّه) والدكتور جابر عصفور؛ حيث انتقد حمودة التطبيق المائل للبنيوية ودعا لفهمها من أصولها. وأنا شخصيا أؤمن بالنقد التحليلي والمزج بين تراثنا البلاغي العظيم (كعبد القاهر الجرجاني) والفكر الإنساني الحديث، دون الاكتفاء بالزخرفة اللفظية. والنقد الحقيقي يكتشف النصوص الفاقدة للروح، لكننا بحاجة لبرمجيات دقيقة تكشف نسب التخليق الرقمي لحماية الملكية الفكرية، كما نطبق في الجامعات نسبة 20% كحد أقصى للاقتباس في رسائل الماجستير والدكتوراه.

د. يوسف نوفل أثناء حواره مع محررة الوفد
د. يوسف نوفل أثناء حواره مع محررة الوفد


في كتابك التأسيسي "فن القصة القصيرة في مصر"، رصدت رحلة هذا الفن من الهواية إلى التقعيد على يد جيل يحيى حقي ويوسف إدريس. اليوم، هل تمر القصة القصيرة بانقراض تدريجي، وهل نعيش حقا "زمن الرواية" كما قال د. جابر عصفور؟

_ مقولة الراحل الدكتور جابر عصفور بأننا في "زمن الرواية" هي مقولة خاطئة ومضللة غير صائبة بالمرة! وقد رددتُ عليها ليس بمقال بل بكتاب كامل أصدرته بعنوان: "الشعر سيد الأنواع الأدبية.. لا لزمن الرواية".
إن خطأ الدكتور جابر عصفور هنا يرجع إلى محاولته نقل مقولة للناقد العراقي محسن جاسم الموسوي الذي تحدث عن "ازدهار الرواية" بفضل السينما والتلفزيون؛ لكن جابر عصفور تطرف في مقولته وهمّش الشعر تماماً! والتاريخ العربي ينطق بأن «الشعر ديوان العرب» وسجل مآثرهم وتاريخهم كما قال أبو علي الفارسي في القرن الرابع الهجري. فإن ألغينا الشعر فقد ألغينا الوجود الحضاري للأمة العربية، وهو عين ما تسعى إليه الصهيونية!
ولعل هذا يُذكرنا بما وقع فيه الدكتور طه حسين عام 1926م في كتابه "في الشعر الجاهلي" بتأثير من مشرفه الفرنسي اليهودي "دوركهايم" والشرق الأوسطيين الذين وجهوه بحسن نية منه لتشكيك العرب في جذورهم التاريخية. وأنا مع احترامي لعبقرية طه حسين وجابر عصفور، أرفض منهجيهما في هذين الكتابين رفضا أكاديميا قاطعا؛ فثورة 1919م مثلاً سجلها الشعر قبل أي فن آخر.
أما عن القصة القصيرة، فأنا ضد القائلين باضمحلال السرد. القصة القصيرة اليوم لم تنقرض بل تنوعت وتولدت منها قوالب حديثة متناهية الصغر مثل (القصة القصيرة جداً، الإبيجرام، والقصة من سطر واحد). ولقد كتبتُ دراسة نقدية في ثلاث صفحات للتعليق على قصة قصيرة مكثفة من سطر واحد! هذا التكثيف اللغوي دليل حيوية وازدهار، فالأدب العربي بخير وتجدد مستمر.


رصدت كيف نجح المسرح الشعري (عند شوقي وصلاح عبد الصبور) في تشكيل دراما ذهنية وفلسفية، كيف ترى أسباب الغياب التام للمسرح الشعري اليوم؟

_ الريادة الفنية للمسرح الشعري ستظل لأحمد شوقي؛ فالعبرة بالقيمة الفنية لا بالسبق التاريخي الشكلي. لقد شهد المسرح الشعري عصره الذهبي مع وجود المسرح القومي ورموزه العمالقة تمثيلا وإخراجا وتأليفا (مثل كرم مطاوع وغيره).
أما اليوم، فالسبب الرئيس لاضمحلال المسرح عموما، والمسرح الشعري خصوصا، هو غياب الدعم المادي من الدولة. المسرح فن مكلف للغاية؛ يحتاج إلى إضاءة، وديكورات، وخشبة مسرح، وأجور، بخلاف القصة والرواية اللتين تحتاجان فقط إلى حبر وورق. وعندما تخلت الدولة عن التمويل الضخم، تراجع المسرح. وأصبح الرمق المتبقي منه مرهونا بمبادرات فردية لشعراء يطبعون مسرحياتهم على نفقتهم الخاصة في ظل ارتفاع أسعار الورق وضيق منافذ النشر، وهو وضع مأساوي يظلم المبدع والناقد على حد سواء.

عاش الأدب عصره الذهبي حين كان المورد الأساسي للسينما والتلفزيون (محفوظ، إحسان، حقي). اليوم هناك عزلة بين الرواية والشاشة لصالح سيناريوهات تجارية. فما السبب؟
 

_ العامل المادي يفرض نفسه هنا بقوة، لكن الأزمة تمتد أيضا إلى تراجع الدور النقدي وصعوبة عملية التلقي. إن العمل الأدبي المبدع يقوم على الرمز، والتلميح، والأقنعة؛ وهنا يأتي دور الناقد ذي الثقافة العميقة ليقوم بفك هذه الشفرات وتبسيطها للمتلقي، كما قال لي الشاعر الراحل فاروق شوشة يوماً: "أنت أوصلت رسالتي للجمهور بمقالك".
ومع ذلك، يجب أن نكون صرحاء: الحياة النقدية في مصر اليوم ليست بخير، فهي تفتقد في كثير من جوانبها إلى الموضوعية المطلقة والتجرد النزيه، وسادتها المجاملات والتوازنات التي أضرت بالعمل الأدبي وبقدرته على الوصول للجمهور والشاشة.


 هل أضر هوس الروائيين بالترجمة والمجاملات النقدية بالأدب العربي؟


_ الكتابة بعين غربية طلبا للترجمة أسلوب مرفوض؛ فالأدب الحقيقي يجب أن يحمل طابعه المحلي والبيئي ليصل إلى العالمية، كما هو الحال في الأدب الفرنسي أو الأمريكي. أما عن المجاملات والشللية، فإنني أؤكد: إذا تسربت المجاملة أو النفعية إلى النقد فهو ليس نقداً بل ادعاء. الناقد الحقيقي قاضٍ يتجرد تماما من الأهواء ويمتلك ثقافة تفوق ثقافة المبدع.

 

نشأتَ في بورسعيد التي عاشت تجربة التهجير وصمود المقاومة، ووثقت ذلك في دراساتك عن أدب المقاومة في مدن القناة. كيف تقرأ اليوم محاولات تصفية القضية الفلسطينية ومخططات التهجير القسري لأهل غزة؟

_ كان من حسن حظي أنني نشأت في بورسعيد، معشوقتي التي لا تغار منها زوجتي، تلك المدينة التي ارتبط تاريخها بالنضال والتضحيات، من العدوان الثلاثي عام 1956 إلى نكسة 1967، وكنت من أبناء مدن القناة الذين عاشوا مأساة التهجير. لقد عشنا المقاومة رأي العين منذ الصغر، ورأينا بطولات أبناء المدينة، ومن بينها بطولة الصبي نبيل الوقاد الذي استُشهد بعد أن أحرق معسكرًا للاحتلال.
ومن هذا التجسيد البطولي في بورسعيد، أنتقل إلى المأساة على أرض فلسطين، التي لم تبدأ اليوم أو في ٧ أكتوبر، بل بالعودة إلى أوائل القرن العشرين عندما بدأت جرثومة الصهيونية تتغلغل في الجسد العربي، إلا أن ما نشهده في غزة من بشاعة الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أمريكي، يفوق كل تصور. وأستحضر هنا تجربة إنسانية تمسني شخصيًا؛ فقد أشرفت وشاركت في تخريج نحو سبعة باحثين حصلوا على الدكتوراه من جامعة بيت المقدس في غزة، وكان من بينهم تلميذي الدكتور سلمان معلا، الذي كان يدعوني إلى بيته المطل على البحر، ثم أصبح اليوم يعيش في خيمة، يبحث بين أنقاض بيته فلم يجد سوى رسالة الماجستير الخاصة به.
أي مأساة أكبر من أن يتحول البيت والذكريات والعلم إلى أنقاض؟ إنها مأساة الوطن العربي كله، ونحن جميعًا شركاء في ألمها ومسئوليتها.

أثناء تسلم د.يوسف خمس جوائز من يوسف السباعي 
أثناء تسلم د.يوسف خمس جوائز من يوسف السباعي 

هل استطاع النص الأدبي والنقدي العربي، تقديم سردية مضادة تليق بحجم الإبادة في غزة؟


_ أستطيع القول بجرأة وصراحة: إن الأدب العربي الحديث شعرا ونثرا قام بواجبه الوطني والتاريخي تجاه القضية الفلسطينية على نحو يفوق ما قامت به جامعة الدول العربية! 
ففي الشعر، صدرت دواوين كاملة وقصائد خالدة وثقت المأساة منذ عام 1948م حتى اليوم، ويكفي أن نتذكر قصيدة علي محمود طه التي غناها عبد الوهاب: «أخي جاوز الظالمون المدى ... فحقَّ الجهادُ وحقَّ الفدا»، وعلى صعيد السرد، هناك أعمال مسرحية وروائية وقصصية لا تُحصى لروائيين كبار من مصر والعالم العربي (مثل الطيب صالح وغيره) تناولت كافة أبعاد القضية. الخلاصة أن الأدب المعاصر قام بدور نضالي وتوثيقي يفوق أداء المؤسسات السياسية والعسكرية والمدنية الرسمية، بل يفوق ما قامت به جامعة الدول العربية ذاتها.

 من واقع إشرافك على جائزة إحسان عبد القدوس لسنوات، وتحكيمك في جوائز أخرى، كيف تقيم الجوائز الخاصة في مصر؟

_ الجوائز الخاصة أنواع: منها ما يقوم على النزاهة المطلقة، ومنها ما يدخله ما لا ينبغي.
وأروي هنا واقعة تاريخية؛ حيث كنتُ عضوا في لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، ومعي الراحلان فاروق شوشة وسيد حجاب. وفاز ديوان مستحق بالجائزة التشجيعية بعد رصد الدرجات. لكن أحد الأعضاء أراد مجاملة شاعر راسب، فأمر السكرتيرة بصوت عالٍ بإحضار نسخ من الديوان الراسب لندب "محكم رابع" بهدف إنجاحه! فاحتججتُ بشدة على هذا التزوير، ولما لم أجد استجابة، توجهت لمكتب الأمين العام، وعلى الباب كتبتُ استقالتي الفورية من اللجنة وتركتها!
هكذا قدمتُ استقالتي لقيام أحد الأعضاء بالتزوير لإنجاح راسب.. واليوم ألوم نفسي لأنني لم أواجه المزوِر في حينه وأقطع عليه طريق التدليس!.

بصفتك شاهدًا على السياسات الثقافية لمصر؛ هل الثقافة بحاجة بالفعل لوزير؟ وما المواصفات التي يجب توفرها فيمن يتولى هذه الحقيبة؟ 

_ مرت على وزارة الثقافة عصور ذهبية؛ كعصر الدكتور ثروت عكاشة (المؤسس الأول)، والأديب يوسف السباعي الذي رعى المواهب (وأذكر أنه سلمني عام 1961م خمس جوائز في ليلة واحدة)، ثم فترة فاروق حسني المزدهرة.
واليوم، أشيد بجهود الوزير الأسبق الدكتور أحمد هنو وتواضعه؛ وأقولها بوضوح: «الدكتور أحمد هنو لم يُمنح الفرصة كاملة، ولو منح الفرصة كاملة لأبدع ولنفذ مشروعه الثقافي المزدهر»
وعن مواصفات الوزير الناجح فهي: التواضع وقوة الذاكرة، الفهم الدقيق لمهمة المؤسسات الثقافية، والتواصل المباشر مع قيادات اللجان والمجلس الأعلى للثقافة، أن يكون جزءا من الوسط الأدبي والثقافي وعلى علم بتفاصيله.

 

بعد أكثر من عشرين عامًا على لقائنا الأول في قسم اللغة العربية بكلية البنات، تعود تلميذتك القديمة إليك اليوم، لكن هذه المرة وهي تحمل إليك أسئلة صحفية لا أسئلة طالبة. ماذا يبقى في ذاكرة الأستاذ من طلابه بعد كل هذه السنوات؟ وهل ثمة لحظة يشعر فيها أن ما زرعه في طلابه كان أهم من أي كتاب أو بحث كتبه؟
 

_ فعلاً صدقتِ وأصبتِ يا ابنتي العزيزة. ها أنا أغيّر موقعي من السائل الممتحن إلى المتلقي، وأرى أن آثاري في تلامذتي، خاصة في كلية البنات وجامعات مصر والخليج، أهم وأبقى من كتبي وأبحاثي. ويسعدني أن أراهم اليوم في مواقع بارزة، سواء في الجامعة أو الصحافة والإعلام، وأخصك بالذكر، تلميذتي اللامعة التي أثبتت حضورها في الصحافة.
فحين قرأت لك منذ سنوات، سعدت أن أرى تلميذة كانت متميزة بين زميلاتها، كما كنت ألمح في مناقشاتها وحواراتها، وقد تنبأت لها بيني وبين نفسي بمستقبل مميز. ويبقى اعتزازي الأكبر وأنا أرى اسمك لامعًا بين تلامذتي في عالم الصحافة، بهذا الحوار العميق الذكي الذي فاق عشرات الحوارات التي أجريت معي من قبل.

 

 ختاما، إذا طلب منك كتابة وصية نقدية للأجيال القادمة، فما القواعد الثلاث الأساسية لممارسة نقدية حقيقية؟


_ وصيتي للأجيال القادمة تتلخص في:
الالتزام بالضمير النقدي: فالناقد قاضٍ عليه التزام العدل.
التمهل وعدم التسرع: لا تتعجل لقب "شاعر" أو "ناقد" حتى تتراكم أعمالك ويشهد لك الأدباء.
التواضع المطلق: مهما بلغتَ من النجاح أو الجوائز (فنجيب محفوظ فاز بـ "نوبل" ولم يغيره الغرور وبقي بسيطاً كما عرفناه).
التثقف المستمر والموضوعية.

 

غادرتُ مكتب أستاذي وفي يدي كنز حقيقي: تسجيل بصوته يحمل بعضًا من أفكاره ورؤاه النقدية، أطبقتُ عليه بيدي كأنني أحمل وثيقة تتجاوز حدود الزمن. وقبل أن أبتعد، التفتُّ بامتنان وإجلال إلى أستاذي الجليل، بابتسامته الأبوية الدافئة، وإلى هذا الصرح الأكاديمي الذي شهد أولى خطواتي؛ كلية الآداب، صاحبة الفضل في صياغة حرفي وإعدادي لأكون صحفية وفية لجذورها ومنابع علمها الأولى.


 

مع د.حامد جوهر
مع د.حامد جوهر
أثناء تسلم جائزة شاعر مكة
أثناء تسلم جائزة شاعر مكة
عضوية المجمع العلمي المصري 
عضوية المجمع العلمي المصري