من تجاوز الخلافات إلى الشراكة الاستراتيجية
الاقتصاد والأمن والطاقة جسور جديدة للشراكة بين القاهرة وانقرة
شهدت العلاقات المصرية التركية خلال السنوات الأخيرة تحولا لافتا انتقلت خلاله القاهرة وأنقرة تدريجيا من مرحلة تجاوز الخلافات وإعادة بناء الثقة إلى مرحلة تقوم على توسيع مجالات التعاون وتنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وهو ما عكسته زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى القاهرة خلال اليومين الماضيين ومباحثاته مع وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي والتي تناولت عددا من الملفات الثنائية والإقليمية.
ويأتي هذا التقارب في ظل متغيرات وأزمات متلاحقة فرضت على البلدين إعادة النظر في أولوياتهما ومصالحهما المشتركة.
وبالتوازي مع التطور السياسي والأمني، يبرز الاقتصاد والطاقة والاستثمار باعتبارها محاور رئيسية في المرحلة الجديدة، مع توجه البلدين إلى تعظيم المصالح المتبادلة والاستفادة من الإمكانات التي يوفرها موقع كل منهما، بما يعزز فرص بناء شراكة استراتيجية طويلة المدى.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن العلاقات المصرية التركية لم تعد تدور فقط حول احتواء الخلافات السابقة وإنما تتجه نحو صياغة معادلة جديدة تقوم على المصالح المشتركة والتنسيق الإقليمي، بما قد يجعل القاهرة وأنقرة شريكين مؤثرين في ترتيبات الأمن والاستقرار في المنطقة.
يوسف كاتب أوغلو المحلل السياسي و عضو حزب العدالة و التنمية التركي أكد أن العلاقات المصرية التركية انتقلت فعليا من مرحلة تطبيع العلاقات وتجاوز الخلافات إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية، مشيرا إلى أن التطورات الإقليمية المتسارعة دفعت القاهرة وأنقرة إلى تعزيز التنسيق والتعاون في عدد من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.
وقال إن الرغبة التركية في انضمام مصر إلى التحالف الأمني الثلاثي الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان مؤخرا، تعكس إدراك أنقرة لأهمية مصر باعتبارها قوة إقليمية رئيسية، موضحا أن الباب مفتوح أمام القاهرة للانضمام إلى هذا التحالف، الذي وصفه بأنه دفاعي وردعي يستهدف دعم الأمن والاستقرار في المنطقة وليس موجهاً ضد دولة بعينها.
وأضاف أن زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى مصر عقب زيارته إلى ليبيا تعكس مستوى متقدما من التنسيق المصري التركي بشأن الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها ليبيا والسودان وغزة إلى جانب القضايا المرتبطة بأمن شرق المتوسط.
وأشار إلى أن تركيا تنظر إلى مصر باعتبارها دولة إقليمية كبرى وبوابة مهمة إلى القارة الأفريقية، فضلا عن موقعها الجيوستراتيجي وقناة السويس، وهو ما يجعل تعزيز العلاقات بين البلدين ذا أهمية استراتيجية لأنقرة.
وفيما يتعلق بالاقتصاد ، أوضح المحلل التركي أن الاقتصاد يمثل أحد أهم محاور الشراكة الجديدة بين مصر وتركيا، متوقعا اتخاذ خطوات لزيادة حجم التبادل التجاري والاستثمارات المتبادلة، والوصول بالتبادل التجاري إلى مستويات تتجاوز المعدلات الحالية.
ولفت إلى أن مصر تمثل سوقا جاذبة للشركات التركية في ظل توافر العمالة وتنافسية تكلفتها، فضلا عن موقعها الاستراتيجي الذي يجعلها بوابة للشركات التركية إلى الأسواق الأفريقية.
وأضاف كاتب أوغلو، أن المرحلة المقبلة قد تشهد توجيه مزيد من الاستثمارات التركية إلى مصر، خاصة في قطاعات النسيج والزراعة والبنية التحتية، بما يسمح باستخدام مصر قاعدة للتوسع في الأسواق الأفريقية.
وفيما يتعلق بملف الطاقة أشار إلى أن الطاقة تمثل مجالا واعدا للتعاون بين البلدين، موضحا أن هناك فرصا لدراسة التعاون المصري التركي في مجال التنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط، إلى جانب تبادل الخبرات والتكنولوجيا في هذا المجال.
وأكد أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، ومن بينها تداعيات أزمة مضيق هرمز، تفرض على دول المنطقة البحث عن مسارات بديلة للطاقة والتجارة، معتبرا أن موقع مصر وقناة السويس يمكن أن يلعبا دورا مهما في تطوير هذه المسارات وتعزيز حركة التجارة بين مصر وتركيا والمنطقة.
وفيما يتعلق بالتعاون العسكري ، أشار كاتب اوغلو إلى أن العلاقات المصرية التركية شهدت تطورا في المجال العسكري، مشيرا إلى عودة المناورات البحرية المشتركة بعد سنوات من التوقف، فضلا عن تنامي التنسيق الأمني والاستخباراتي بين البلدين بشأن عدد من الملفات الإقليمية.
وأكد أن هذا التعاون لا يقتصر على العلاقات الثنائية، وإنما يمتد إلى التعامل مع الأزمات الإقليمية، وعلى رأسها الحرب في غزة، والملف الإيراني، والتحديات الأمنية التي تواجه المنطقة.
واعتبر المحلل التركي أن مصر وتركيا تمتلكان مقومات شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو في مجال الطاقة، مشددا على أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدا من الخطوات العملية لترجمة التقارب السياسي بين البلدين إلى مشروعات واتفاقات تعاون طويلة المدى.
واختتم كاتب اوغلو بالقول إن مصر وتركيا انتقلتا من مرحلة تطبيع العلاقات إلى مرحلة بناء شراكة استراتيجية، وأن المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة باتت تمثل الأساس الذي تبنى عليه العلاقات بين البلدين في ظل التحديات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض