رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

وانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ مِن عِظَمِ.. نص خطبة الجمعة القادمة

خطبة الجمعة القادمة
خطبة الجمعة القادمة

كشفت وزارة الأوقاف المصرية عن نص خطبة الجمعة القادمة، والتي تأتي بعنوان: وانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ مِن عِظَمِ، ويكون الهدف المراد توصيله إلى جمهور المسجد هو الحث على اغتنام شهر مولد النبي صلى الله عليه وسلم بتجديد محبته، وتعظيم قدره، واستحضار سيرته وهديه، وتحويل هذه المحبة إلى اقتداءٍ بأخلاقه ورسالته، ونشرها رحمةً وخيرًا للناس أجمعين.

نص خطبة الجمعة القادمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فإن الأمة الإسلامية تحتفل وتحتفي بذكرى مولد سيد الخلق، ورحمة الله للعالمين، نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، فتستحضر في هذه المناسبة العطِرة صفحات من سيرته المضيئة، وتستعيد معاني الرحمة والمحبة والاقتداء، وتجدّد صلتها بنبيٍّ أكرم الله به الإنسانية، وأخرج به الناسَ من ظلمات الجهل إلى نور الهداية.

وقد اعتنى المسلمون عبر العصور بذكرى المولد النبوي الشريف، فجعلوها موسمًا لقراءة السيرة والمدائح النبوية، وإطعام الطعام، والتصدق على الفقراء والمحتاجين، وإظهار الفرح بنعمة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما في ذلك من إحياء لمعاني المحبة والشكر، وربط الأجيال بسيرة نبيها الكريم وأخلاقه العظيمة، ولنا في ذلك وقفات:

خصوصية شهر ربيع الأول
جعل الله شهر ربيع سجلا حافلا بأحداث خاصة بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان فيه المولد، وفيه البعثة، وفيه الهجرة، وفيه مفتتح الوحي (الرؤيا الصادقة) وفيه الوفاة، قَالَ ابن الحاج: فإن قيل: ما الحكمة في كونه عليه الصلاة والسلام خُصَّ مولدُه الكريم بشهر ربيع الأول ويوم الاثنين ولم يكن في شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفيه ليلة القدر، ولا في الأشهر الحرم ولا في ليلة النصف من شعبان ولا في يوم الجمعة وليلتها؟ فالجواب من أربعة أوجه:

الأول: ما ورد في الحديث من أن الله خلق الشجر يوم الاثنين، وفي ذلك تنبيه عظيم، وهو أن خلق الأقوات والأرزاق والفواكه والخيرات التي يتغذى بها بنو آدم ويحيون ويتداوون وتنشرح صدورهم لرؤيتها.

الثاني: أنَّ في لفظة ربيع إشارة وتفاؤلا حسنا بالنسبة إلى اشتقاقه، وقد قال أبو عبد الرحمن الصقلي: لكل إنسان من اسمه نصيب.

الثالث: أن فصل الربيع أعدل الفصول وأحسنها، وشريعته أعدل الشرائع وأسمحها.

الرابع: أن الحكيم سبحانه أراد أن يشرف به الزمان الذي ولد فيه، فلو ولد في الأوقات المتقدم ذكرها لكان قد يتوهم أنه يتشرف بها [الحاوي للفتاوي نقلا عن المدخل].

وقال أيضًا: "فإن قال قائل: فهذا الشهر لم نجد فيه زيادة في الأعمال كما نجد في غيره من الشهور والليالي والأيام الفاضلة.

فالجواب: أن تلك الأزمنة حصلت لها الفضيلة بزيادة الأعمال الفاضلة فيها، وهذا الشهر حصل له التشريف بظهور من جاءت الأعمال والخيرات التي حصلت بها الفضيلة لتلك الأوقات على يديه وبسببه صلى الله عليه وسلم هذا وجه ظاهر بين لا يرتاب فيه" [المدخل].

ميلاده نور ورحمة
كان ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ثمرة اصطفاء إلهي ممتد، شاءت به الحكمة الربانية أن يخرج إلى الوجود أطهر الخلق نسبًا، وأزكاهم أصلًا، وأعظمهم قدرًا، حاملًا إلى البشرية نور الهداية، ورسالة الرحمة، ومنهجًا يعيد للإنسان فطرته السوية، وللحياة ميزانها القائم على الحق والعدل والإحسان.

فقد شاء الله تعالى منذ الأزل أن يصطفي نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، فاختار له من الآباء والأجداد خيرَهم، ومن البطون أكرمها، فوُلد من أبوين كريمين، في نسب طاهر محفوظ من أدران الجاهلية، وفي ذلك إشعار بمكانة هذا النبي المصطفى، ورفعة منزلته، وعناية الله تعالى به قبل أن تشرق شمس مولده على الدنيا.

وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِی ٱلسَّٰجِدِینَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]، أنه قال: «ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه» [دلائل النبوة للأصبهاني]، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ، وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ لَمْ يُصِبْنِي سِفَاحُ الْجَاهِلِيَّةِ» [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه].

وهذا المعنى تؤكده جملة من الأحاديث الصحيحة التي تبين عناية الله تعالى باصطفائه صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ، قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِنَ القَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ» [رواه البخاري]، وقال صلى الله عليه وسلم مبينًا تدرج الاصطفاء في نسبه الشريف: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» [رواه مسلم].

اجتمع في ميلاده الشريف نور النسب ونور الرسالة؛ نورٌ مادي تمثل في طيب الأصل وشرف المنبت، ونورٌ معنوي هو نور النبوة والهداية والرحمة، وما كان ذلك الاصطفاء إلا تمهيدًا للرسالة العظمى التي أشرقت بها الدنيا، قال تعالى: ﴿قَدۡ جَاۤءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورࣱ وَكِتَٰبࣱ مُّبِینࣱ﴾ [المائدة: ١٥] ، وقال سبحانه في وصف رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].

مولد النبي صلى الله عليه وسلم آيات وبشائر
كان مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم فجرًا جديدًا أطلَّ على الدنيا، وأشرقت معه بشائر النبوة، وتوالت الآيات التي تحمل إلى القلوب معنى العناية الإلهية بهذا النبي الكريم، وتكشف عن عظيم شأنه ورفيع منزلته، فقد سبقت مولدَه الشريف بشاراتُ الأنبياء، وأحاطت به أنوارٌ وإشراقاتٌ تُنبئ عن الرسالة العظمى التي سيحملها إلى العالمين.

فعَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَأَبِي مُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي آمِنَةَ الَّتِي رَأَتْ وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ، وَأَنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ لَهُ نُورًا أَضَاءَتْ لَهَا قُصُورُ الشَّامِ» [رواه أحمد]

فلم يكن النور الذي رأته آمنة رضي الله عنها إلا بشارةً بميلاد من سيحمل إلى البشرية نور الوحي والهداية، ويخرج بها من ظلمات الشرك والجهل إلى رحاب التوحيد والإيمان، وكأن الآفاق يومئذٍ كانت تستقبل ضيفًا كريمًا، وتتهيأ لاستقبال الرسالة التي ستبدل وجه التاريخ.

ورافقت هذه البشائر طفولته المباركة، فقد روت حليمة السعدية رضي الله عنها ما كان من شأنه حين وقع حادث شق صدره الشريف، ففزعت عليه، وعادت إلى أمه آمنة رضي الله عنها، وكان جوابها يحمل يقينًا عميقًا بأن لهذا الغلام شأنًا عظيمًا.

فقالت آمنة رضي الله عنها: «كَلَّا وَاللَّهِ، إِنَّ لِابْنِي هَذَا شَأْنًا، أَلَا أُخْبِرُكُمَا عَنْهُ؟ إِنِّي حَمَلْتُ بِهِ، فَلَمْ أَحْمِلْ حَمْلًا قَطُّ، كَانَ أَخَفَّ عَلَيَّ، وَلَا أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ نُورًا كَأَنَّهُ شِهَابٌ خَرَجَ مِنِّي حِينَ وَضَعْتُهُ، أَضَاءَتْ لَهُ أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى...» [رواه ابن حبان في صحيحه].

ولم تقتصر البشائر المصاحبة لمولد النبي صلى الله عليه وسلم على ما رآه أهل بيته من الأنوار، بل تذكر كتب السيرة والدلائل جملةً من الأحداث العجيبة التي عُدَّت من إرهاصات مولده الشريف، وإشاراتٍ سبقت بعثته، وكأن صفحات الكون كانت تتهيأ لاستقبال عهد جديد تُشرق فيه أنوار التوحيد والنبوة، فقد أورد الإمام البيهقي جملةً من هذه الأخبار، فقال في وصف ما رُوي من إرهاصات مولده صلى الله عليه وسلم: «خمود نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وسقوط شرفات إيوان كسرى، وغيض ماء بحيرة ساوة، ورؤيا الموبذان، وانتكاس الأصنام المعبودة وخرورها لوجوهها من غير دافع لها عن أمكنتها، وسائر ما روي في الأخبار المشهورة من ظهور العجائب في ولادته وأيام حضانته وبعدها إلى أن بعث نبيًّا» [دلائل النبوة للبيهقي].

الفرح بمولده الشريف صلى الله عليه وسلم
إن القرآن الكريم يأمرنا بالفرح وإظهاره، قال تعالى: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].

فرسولنا صلى الله عليه وسلم أعظم رحمة للعالمين، وقد ورد عن حبر الأُمة وترجمان القرآن سيدنا ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال: "فَضْلُ اللَّهِ: الْقُرْآن، وَرَحْمَته: رسول الله صلى الله عليه وسلم" [جامع البيان عن تأويل آي القرآن].

فالفرح به مطلوب في كل وقت وفي كل نعمة، وعند كل فضل، ولكنه يتأكد كل يوم اثنين، وفي كل عام في شهر ربيع الأول؛ لقوة المناسبة، وحصول تمام المنة والفضل.

﴿وَذَكِّرۡهُم بِأَیَّىٰمِ ٱللَّهِۚ﴾ [إبراهيم: ٥]، ومن أيام الله عز وجل على أهل الأرض مولده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي رفع الله به عن البشرية الجهل، والظلام، والضلالة ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ إِذۡ بَعَثَ فِیهِمۡ رَسُولࣰا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ یَتۡلُوا۟ عَلَیۡهِمۡ ءَایَٰتِهِۦ وَیُزَكِّیهِمۡ وَیُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبۡلُ لَفِی ضَلَٰلࣲ مُّبِینٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].

قال شيخ الإسلام ابن حجر: "فيستفاد من فعل ذلك شكرًا لله تعالى على ما مَنَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله تعالى يحصل بأنواع العبادات والسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي الكريم نبي الرحمة في ذلك اليوم؟ وعلى هذا فينبغي أن يتحرّى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء" [حسن المقصد في عمل المولد للسيوطي].

سنَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الشريفة جنس الشُكرِ لله على مِيلاده، فقد صح أنه كان يَصوم يوم الإثنينِ؛ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ؟ قَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ- أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ-» [رواه مسلم].

قال المباركفوري: "وفي الحديث دلالة على أن الزمان قد يتشرف بما يقع فيه وكذا المكان، وعلى أنه يستحب صوم يوم الاثنين، وأنه ينبغي تعظيم اليوم الذي أحدث الله فيه على عبده نعمة بصومه، والتقرب فيه" [مرعاة المفاتيح].

وقال الشيخ أبو موسى الزّرهونيّ: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فذكرت له ما يقوله الفقهاء في عمل الولائم في المولد فقال صلى الله عليه وسلم: «من فرح بنا فرحنا به» [سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد].

ولا شك أن الفرح الحقيقي بمولد سيدنا رسول الله ﷺ أن نظهر الفرح والشوق والحنين إليه صلى الله عليه وسلم، وأن تتحول سيرته إلى منهج حياة، وأن يكون الاحتفاء به احتفاءً برسالته، والعمل بسنته، والاقتداء بهديه، حتى نكون من الذين قال الله فيهم: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِی رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ﴾ [الأحزاب: ٢١].

محبة النبي صلى الله عليه وسلم
إن الحب الحقيقي لسيدنا المصطفى عليه السلام له صور عديدة، منها: إظهار الشوق والحنين إليه، وتمني رؤيته، واللهج بذكره وبمدحه بين العالمين، فمن علامة صدق المحب أن يكثر من ذكر محبوبه، ولما نزل قول الله تعالى: ﴿وَمَن یُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰۤئِكَ مَعَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِیِّۦنَ وَٱلصِّدِّیقِینَ وَٱلشُّهَدَاۤءِ وَٱلصَّٰلِحِینَۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰۤئِكَ رَفِیقࣰا﴾ [النساء: ٦٩]، قالوا: نَزَلَتْ فِي ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لَهُ، قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ، وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَنَحِلَ جِسْمُهُ، يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «يَا ثَوْبَانُ مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي مِنْ ضُرٍّ وَلَا وَجَعٍ غَيْرَ أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ، وَاسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ، وَأَخَافُ أَنْ لَا أَرَاكَ هُنَاكَ، لِأَنِّي أَعْرِفُ أَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَأَنِّي وإن دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلِ الْجَنَّةَ فَذَاكَ أَحْرَى أَنْ لَا أَرَكَ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ"[أسباب النزول للنيسابوري].

وقد جعل سبحانه وتعالى سبب العطاء محض الفضل الإلهي لقلب محب صادق حيث قال بعدها: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِیمࣰا﴾ [النساء: ٧٠]، أي: إنما كان ذلك لا لشدة عبودية ولا لكثرة عمل، وإنما رحمة من الله تعالى بقلب محب صادق في محبته.

وقد أظهر الصحابة صورًا من المحبة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تجعلنا نتصاغر أمام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعَنْ سيدنا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ لِلْعَبَّاسِ رضي الله عنه: إنْ تُسْلِمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُسْلِمَ الْخَطَّابُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم.

وَعَنِ ابن إِسْحَاق أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قُتِلَ أبُوها وأخُوها وَزَوْجُهَا يوم أحُدٍ مَعَ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قَالُوا خَيْرًا هُوَ بِحَمْدِ اللَّه كَمَا تُحِبّينَ قَالَتْ: أَرونيه حَتَّى أنْظُرَ إليْهِ، فَلَمّا رَأَتْهُ قَالَتْ: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ.

وَسُئِلَ سيدنا عَلِيّ بن أَبِي طَالِب رضي الله عنه كَيْفَ كَانَ حُبُّكُمْ لِرَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: كَانَ والله أَحَبَّ إِلَيْنَا من أَمْوَالِنَا وَأَوْلادِنَا وَآبَائِنَا وأُمَّهَاتِنَا وَمِنَ المَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الظَّمَأ..".

وَرُويَ أَنَّ عَبْد اللَّه بن عُمَرَ خَدِرَتْ رجْلُهُ فَقِيلَ لَهُ اذْكُرْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْكَ يَزُلْ عَنْكَ فَصَاحَ يَا مُحَمَّدَاهُ فانْتَشَرَتْ [الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض].

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَقُومُوا لَهُ إذَا مَرَّ بِهِمْ فَمَرَّ يَوْمًا بِحَسَّانَ رضي الله عنه فَقَامَ وَأَنْشَدَ:

قِيَامِي لِلْعَزِيزِ عَلَيَّ فَرْضٌ * * * وَتَرْكُ الْفَرْضِ مَا هُوَ مُسْتَقِيمُ

عَجِبْت لِمَنْ لَهُ عَقْلٌ وَفَهْمٌ * * * يَرَى هَذَا الْجَمَالَ وَلَا يَقُومُ

مدح النبي صلى الله عليه وسلم والمبالغة في مدحه علامة من علامات المحبة.
لا شك أن مدح النبي صلى الله عليه وسلم مشروع بعموم أدلة القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿لِّتُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ﴾ [الفتح: ٩]، ومدحه صلى الله عليه وآله وسلم من مظاهر تعظيمه وحبه.

قال القاضي عياض: "اعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقا في حبه، وكان مدعيا.

فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم مَن تظهر علامة ذلك عليه... ومن علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم كثرة ذكره له.. فمن أحب شيئا أكثر من ذكره..." [الشفا بتعريف حقوق المصطفى].

وعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ مَدَحْتُ اللَّهَ بِمَدْحَةٍ، وَمَدَحْتُكَ بِأُخْرَى، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَاتِ، وَابْدَأْ بِمَدْحَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [مسند أحمد].

ومن الدعاوى المغلوطة أن المبالغة في مدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام، وهذا غير صحيح، فإن العلماء مقرُّون بأن المبالغة ليس لها إلا صورة واحدة، وهي أن ترفعه إلى وصف لا يليق به كأن تصفه بالألوهية أو التصرف المطلق بغير إذن الله تعالى، ودليله ما جاء عَنْ سيدنا عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» [رواه أحمد في مسنده].