رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

المعارضة لا تعني أن نرفض كل شيء، كما أن الإشادة بأداء مسؤول لا تعني التنازل عن حق الصحافة في النقد والمساءلة. الصحافة في جوهرها موقف من الحقيقة؛ ترى الخطأ فتقول إنه خطأ، وترى ما يستحق التقدير فتقول ذلك أيضًا، دون حسابات مسبقة.

ومن هذا المنطلق، فإن أداء المهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، يستحق قراءة هادئة بعيدًا عن المبالغة أو المجاملة. فهناك اختلاف في أسلوب الإدارة يستحق الرصد، وهناك حضور ميداني لافت لا يمكن تجاهله، لكن في المقابل هناك ملفات ثقيلة تنتظر حلولًا حقيقية، لا مجرد تحركات أو حملات مؤقتة.

الإسكندرية ليست محافظة عادية. هي مدينة لها تاريخها وشخصيتها وخصوصيتها، ومحافظها الحالي هو في الأساس ابن لهذه المدينة؛ وُلد وتربى فيها، وعاش شبابه بين أحيائها، ودرس الهندسة في جامعة الإسكندرية.

هذه الخلفية تمنحه معرفة لا تأتي من التقارير وحدها. من عاش الإسكندرية يعرف شوارعها ومداخلها ومخارجها، ويعرف كيف يمكن لمشكلة صغيرة في شارع أن تتحول إلى أزمة في منطقة كاملة.

ويضاف إلى ذلك أنه مهندس معماري، وهي خلفية مهمة في مدينة لها طابع عمراني وتاريخي وبصري يحتاج إلى رؤية تتجاوز مجرد رصف الطرق وإقامة المشروعات.

لكن أكثر ما يلفت النظر في أداء المحافظ هو حضوره في الشارع.

الرجل كثير الحركة، يتابع المشروعات بنفسه، ويتنقل بين الأحياء، ويتفقد أعمال الرصف والإشغالات والخدمات، ولا يكتفي بما يصله من تقارير. كما أن الجولات المفاجئة، وفي أوقات مختلفة، ومنها زيارات ليلية لبعض المنشآت الخدمية، تعكس رغبة في رؤية الواقع كما هو.

وهذه نقطة تحسب له؛ لأن المسؤول الذي يرى المشكلة بنفسه ويستمع إلى المواطن في موقع المشكلة، يكون أقرب إلى فهمها من المسؤول الذي يعرفها من خلال ملف على مكتبه.

واللافت أيضًا إيمانه بفكرة المشاركة المجتمعية، من خلال طرح بعض الأفكار والمشروعات للاستماع إلى آراء المواطنين بشأنها. وقد تكون هناك اعتبارات فنية وقانونية واقتصادية تحكم القرار النهائي، لكن إشراك المواطن في النقاش يظل خطوة إيجابية، لأن المدينة في النهاية ليست ملكًا للإدارة وحدها، وإنما لأهلها أيضًا.

لكن كل ذلك لا يمثل سوى نصف الصورة.

فإذا كان أيمن عطية يريد بالفعل أن يترك بصمة في الإسكندرية، فإن السؤال لم يعد: هل المحافظ يتحرك؟

الإجابة أصبحت واضحة.

السؤال الآن: ماذا سيتغير نتيجة هذه الحركة؟

وهنا تأتي أهمية التحقيق الميداني الذي أجرته «الوفد»، وشارك فيه أكثر من مائة مواطن من مختلف الأعمار والمهن والأحياء، تحت سؤال بسيط: «لو بقيت محافظًا للإسكندرية ليوم واحد.. ما أول قرار ستتخذه؟».

الإجابات كانت واضحة ومتشابهة إلى حد كبير، وتركزت في ملفات يعرفها المواطن جيدًا: التوكتوك، والأسواق العشوائية، والإشغالات، والنظافة، والمرور، والأرصفة، والبحر، وأداء الأحياء، وتطبيق القانون.

وهذه الملفات في رأيي تمثل جدول أعمال المواطن السكندري الحقيقي.

الإسكندرية لا تحتاج فقط إلى إزالة الإشغالات، وإنما تحتاج إلى حلول تمنع عودتها.

ولا تحتاج فقط إلى إزالة الأسواق العشوائية، وإنما إلى أسواق بديلة تحفظ للناس أرزاقهم وكرامتهم.

فهناك بائع بسيط قد تكون «فرشته» مصدر دخله الوحيد، وهناك سائق توكتوك قد تعيش أسرته كاملة من هذا العمل. ومن ثم فإن تنظيم الشارع لا يجب أن يتحول إلى قطع أرزاق.

الحل يحتاج إلى أفكار ذكية.

لماذا لا يكون لكل حي سوق بديل منظم، تحت إشراف المحافظة، يحصل فيه البائع على مكان قانوني واضح، ويدخل من خلاله إلى الاقتصاد الرسمي، ويلتزم بالنظافة والقواعد، وفي المقابل يحافظ على مصدر رزقه وكرامته؟

بهذه الطريقة يمكن أن نحقق النظام دون أن نصنع أزمة اجتماعية جديدة.

والتوكتوك يحتاج إلى التفكير نفسه: ترخيص، وخطوط سير محددة، وضوابط واضحة، وتشديد العقوبات على المخالفين، مع توفير بدائل حقيقية قبل اتخاذ قرارات تؤثر على آلاف الأسر.

أما البحر، فهو الملف الأكثر حساسية.

البحر ليس مجرد مورد للاستثمار، وإنما جزء من هوية الإسكندرية وذاكرة أهلها. ومن حق المواطن أن يراه وأن يصل إليه، كما أن من حق الدولة أن تستثمر في شريطها الساحلي وفق القانون.

ولهذا فإن أي تحرك لإزالة المنشآت المخالفة، ومراجعة أوضاع المنشآت التي تتعارض مع القانون، وإعادة فتح المجال أمام رؤية البحر والوصول إليه، يستحق التقدير إذا تم في إطار قانوني واضح ومتوازن.

الإسكندرية لا تريد وقف الاستثمار، لكنها أيضًا لا تريد أن تصبح مدينة محاصرة خلف الكافيهات والمنشآت.

المعادلة التي ينتظرها المواطن بسيطة: استثمار منظم لا يحجب البحر عن أهله.

وهنا يمكن أن تكون أمام المحافظ فرصة حقيقية لترك أثر مهم في المدينة؛ ليس فقط من خلال عدد الجولات التي يقوم بها، وإنما من خلال قدرته على تحويل هذا النشاط إلى حلول مستدامة.

فالإشادة بالأداء الجيد لا تعني أن مشكلات الإسكندرية انتهت، ولا تعني أن النقد سيتوقف.

على العكس، كلما ارتفع سقف الأداء، ارتفعت معه توقعات المواطنين.

المحافظ الذي يختار أن يكون في الشارع، ويتابع بنفسه، ويستمع إلى المواطنين، سيكون مطالبًا بأن تتحول هذه الحركة إلى نتائج يشعر بها الناس.

أن تتحول الإزالة إلى تنظيم، والسوق العشوائي إلى سوق حضاري، والشكوى إلى قرار، والقرار إلى نتيجة.

النشاط يلفت النظر، لكن الأثر هو الذي يبقى.

ومن هنا فإن دور «الوفد» واضح: أن تراقب، وتنتقد عندما يكون هناك ما يستحق النقد، وتشيد عندما ترى أداءً يستحق الإشادة، وتضع أمام المسؤول صوت المواطن دون تجميل أو خصومة مسبقة.

فالصحافة ليست مع المسؤول أو ضده.

الصحافة مع الحقيقة.

وفي النهاية، المواطن السكندري لا يريد المستحيل. يريد مدينة أكثر تنظيمًا، وشارعًا أفضل، ورصيفًا آمنًا، ونظافة مستمرة، وقانونًا يطبق على الجميع، وبحرًا مفتوحًا لأهله.

وعندها فقط لن يكون السؤال: ماذا يفعل المحافظ على الأرض؟

بل سيكون السؤال الأهم: ماذا ترك على الأرض؟