المناطق التجريبية.. رهان واشنطن لسلام طويل الأمد بين لبنان وإسرائيل وسط تصعيد دموي في الجنوب
تتصاعد المخاوف من عودة المواجهة المفتوحة بين لبنان وإسرائيل، بالتزامن مع تجدد الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان وسقوط 11 قتيلاً، بينهم 3 أطفال، في حصيلة هي الأعلى منذ اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في يونيو الماضي، فيما تتمسك الولايات المتحدة بمسار المناطق التجريبية باعتباره الآلية العملية القابلة للتنفيذ للانتقال من وقف القتال إلى ترتيبات أمنية أكثر استدامة، وصولاً إلى سلام شامل بين البلدين.
ويأتي التصعيد في وقت حساس للغاية، إذ لا تزال بيروت وتل أبيب تعملان على تنفيذ الاتفاق الإطاري الذي جرى التوصل إليه في 26 يونيو 2026 برعاية ودعم أمريكي، والذي يستهدف وضع مسار تدريجي لإنهاء الصراع، وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها، وانسحاب القوات الإسرائيلية تدريجياً، بالتوازي مع نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية.
11 قتيلاً في تصعيد هو الأخطر منذ اتفاق يونيو
شهد جنوب لبنان في 15 أغسطس موجة من الغارات الإسرائيلية أسفرت، وفق التقارير المتداولة، عن مقتل 11 شخصا، بينهم ثلاثة أطفال، وإصابة 19 آخرين، في أكثر الأيام دموية منذ اتفاق وقف إطلاق النار في يونيو، واستهدفت الغارات منازل في بلدتي أنصار ودير الزهراني، إضافة إلى دراجة نارية في منطقة النبطية.
وجاء التصعيد بعدما أعلنت إسرائيل أن حزب الله نفذ هجوما أدى إلى إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين بجروح خطيرة، معتبرة أن الهجوم يمثل انتهاكاً للترتيبات القائمة. وفي المقابل، أدانت بيروت التصعيد الإسرائيلي، معتبرة أن استمرار العمليات العسكرية يهدد جهود تثبيت الهدوء ويفاقم المخاطر الأمنية والإنسانية في الجنوب.
ويكشف هذا التطور عن هشاشة التهدئة الحالية، في وقت يفترض أن تشكل المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل مدخلاً لتثبيت ترتيبات أكثر استقراراً، وليس نقطة انطلاق لجولة جديدة من التصعيد.
واشنطن تتمسك بالمناطق التجريبية
في قلب التصور الأمريكي لإنهاء الأزمة، تأتي آلية المناطق التجريبية، التي نص عليها الاتفاق الإطاري باعتبارها آلية مرحلية لاختبار قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها الأمنية على الأرض.
وينص الاتفاق على أن يتولى الجيش اللبناني تدريجياً المسؤولية الأمنية الكاملة والفعالة في مناطق تجريبية متفق عليها، بما يسمح بإعادة انتشار القوات الإسرائيلية بصورة مرحلية وقابلة للتحقق، وبعد التأكد من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية في تلك المناطق، يتولى الجيش اللبناني السيطرة الكاملة، تمهيداً لبدء جهود إعادة الإعمار وعودة المدنيين.
وبدأت واشنطن في يوليو الإعلان عن تشغيل مناطق تجريبية في جنوب لبنان، شملت بلدات فرون وصريفا وزوطر الغربية، تحت إشراف مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان. كما بدأ الجيش اللبناني الانتشار في زوطر الغربية ضمن هذه الآلية.
غير أن تنفيذ الخطة واجه منذ البداية خلافات بشأن توقيت الانسحاب الإسرائيلي، وآلية التحقق من خلو المناطق من أسلحة حزب الله، وما إذا كان الانتشار اللبناني والانسحاب الإسرائيلي يجب أن يتمّا بصورة متزامنة.
مسؤول أمريكي: نزع سلاح حزب الله جزء أساسي من العملية
وتعتبر الإدارة الأمريكية أن معالجة ملف سلاح حزب الله تمثل شرطاً أساسياً لإنجاح الترتيبات الجديدة.
ونقلت تقارير عن مسؤولين أمريكيين أن الجيش اللبناني سيتولى مسؤولية المناطق التجريبية والعمل على إزالة أسلحة حزب الله والبنية التحتية التابعة له، على أن تخضع العملية للتحقق قبل الانتقال إلى المرحلة التالية. كما لا تزال آلية التحقق النهائي من خلو المناطق من الأسلحة موضع نقاش بين لبنان وإسرائيل.
ويعكس هذا التصور جوهر الاتفاق الإطاري، الذي يربط بين استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الأمنية على الأرض، ونزع سلاح الجماعات المسلحة، وبين إعادة انتشار القوات الإسرائيلية خارج الأراضي اللبنانية. وبذلك، لا تنظر واشنطن إلى المناطق التجريبية باعتبارها مجرد ترتيبات ميدانية مؤقتة، وإنما كاختبار تدريجي يمكن توسيعه لاحقاً ليشمل مناطق أخرى.
واشنطن تحمل حزب الله مسؤولية استمرار الوجود الإسرائيلي
وفي لهجة أمريكية شديدة الوضوح، اعتبر مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية أن حزب الله يمثل، من وجهة نظر واشنطن، العقبة الرئيسية أمام تعافي لبنان اقتصادياً واستعادة الاستقرار، محملاً الحزب المسؤولية عن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية.
ويأتي هذا الموقف ضمن رؤية أمريكية تعتبر أن إنهاء التهديد الذي تمثله الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وعلى رأسها حزب الله، هو الطريق إلى إنهاء المبررات الأمنية التي تستند إليها إسرائيل في استمرار وجودها العسكري داخل الأراضي اللبنانية.
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد أكد في يونيو التزام واشنطن بدعم أمن لبنان واستقراره، مشدداً على ضرورة نزع سلاح حزب الله وفرض سيطرة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، بالتوازي مع استمرار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.
الاتفاق الإطاري.. انسحاب إسرائيلي مقابل بسط سلطة الدولة
ويقوم الاتفاق الذي توصلت إليه الأطراف الثلاثة في 26 يونيو على معادلة أساسية: توسيع سيطرة الدولة اللبنانية ونزع سلاح الجماعات المسلحة مقابل إعادة الانتشار الإسرائيلي والانسحاب التدريجي من الأراضي اللبنانية.
ويؤكد الاتفاق أن نجاح تطبيقه سيمهد الطريق أمام علاقة مستقرة وسلمية بين لبنان وإسرائيل، كما يهدف إلى إنهاء حالة الصراع بين البلدين ومعالجة أسبابه، وصولاً إلى اتفاق شامل للسلام والأمن.
كما ينص على أن المناطق التجريبية ستكون أداة لتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي بصورة تدريجية وقابلة للتحقق، وليس انسحاباً شاملاً وفورياً. وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تسمح للأطراف باختبار الترتيبات الأمنية على نطاق جغرافي محدود قبل توسيعها.
لكن هذه المعادلة تظل موضع خلاف أساسي بين بيروت وتل أبيب؛ فلبنان يطالب بانسحاب إسرائيلي واضح ومتزامن مع انتشار الجيش اللبناني، بينما تربط إسرائيل انسحابها بإثبات نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية.
يضع التصعيد الأخير هذا المسار أمام اختبار صعب، إذ يأتي في وقت تعمل فيه الولايات المتحدة على تثبيت آلية الاتفاق الإطاري، بينما لا يزال ملف الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حزب الله من أكثر الملفات حساسية في المفاوضات.
وكانت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية قد ركزت خلال الجولات السابقة على كيفية تنفيذ المناطق التجريبية، وآلية انتشار الجيش اللبناني، والجهة التي ستتولى التحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية.
وفي المقابل، يرفض حزب الله الإطار الذي يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاحه، فيما انتقد الحزب مسار المفاوضات والاتفاق، معتبراً أن المناطق التجريبية تمثل تنازلاً عن السيادة اللبنانية.
كما أبدى رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في وقت سابق اعتراضه على صيغة المناطق التجريبية، مطالباً بانسحاب إسرائيلي كامل ومتزامن مع انتشار الجيش اللبناني، وهو ما يعكس حجم الخلاف الداخلي اللبناني حول آلية تنفيذ الاتفاق.
الجيش اللبناني في قلب المعادلة
ويعد الجيش اللبناني الطرف التنفيذي الأبرز في الخطة الأمريكية إذ يفترض أن ينتقل تدريجياً إلى المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، وأن يتولى وحده المسؤولية الأمنية فيها بعد التحقق من إزالة الأسلحة والبنية التحتية التابعة للجماعات المسلحة.
وبالفعل، بدأ الجيش اللبناني في يوليو الانتشار في إحدى المناطق التجريبية، في خطوة اعتبرتها واشنطن جزءاً من تنفيذ الاتفاق الإطاري، إلا أن طبيعة الانتشار أثارت أيضاً جدلاً، خصوصاً أن بعض البلدات المدرجة ضمن المرحلة الأولى لم تكن تحت السيطرة الإسرائيلية وقت بدء التنفيذ.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المسار الدبلوماسي لم ينجح بعد في إنهاء المعادلة الأمنية التي حكمت الحدود اللبنانية الإسرائيلية لسنوات.
فإسرائيل ترى أن استمرار قدرات حزب الله العسكرية يمثل تهديداً مباشراً لأمنها، بينما ترى بيروت أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي يمثل انتهاكاً لسيادتها وعقبة أمام الاستقرار، في حين يرفض حزب الله التخلي عن سلاحه وفق الصيغة التي تطرحها واشنطن وتل أبيب.
وتحاول الولايات المتحدة الجمع بين هذه المطالب المتعارضة عبر مسار تدريجي: نزع السلاح، والتحقق، وانتشار الجيش اللبناني، ثم الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار.
لكن التصعيد الذي أوقع 11 قتيلاً في الجنوب يوضح أن أي إخفاق في إحدى حلقات هذه السلسلة يمكن أن يعيد المنطقة سريعاً إلى دائرة العنف.
يضع التصعيد الأخير في جنوب لبنان مسار المناطق التجريبية أمام لحظة حاسمة، فبينما ترى واشنطن أن هذا المسار هو الطريق العملي نحو استعادة الاستقرار وتهيئة الظروف لسلام طويل الأمد، لا تزال عناصر أساسية في المعادلة غير محسومة، وفي مقدمتها نزع سلاح حزب الله، وآلية التحقق، وتوقيت الانسحاب الإسرائيلي، وضمان عدم تجدد العمليات العسكرية.
ومع اقتراب جولة جديدة من المفاوضات، سيكون نجاح المرحلة المقبلة مرهوناً بقدرة الأطراف على منع التصعيد الميداني من تقويض المسار السياسي، وتحويل المناطق التجريبية من مجرد صيغة تفاوضية إلى نموذج فعلي لانسحاب إسرائيلي تدريجي، وانتشار كامل للجيش اللبناني، وإعادة السكان وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







