لعبة الكراسي.. حمادة إمام يكشف تطور أدوات التجسس في كتاب جديد
يأتي كتاب «لعبة الكراسي: تسريبات وراءها صراعات» للكاتب الصحفي حمادة إمام، والصادر عن دار كنوز للنشر والتوزيع، ليقدم تشريحًا استثنائيًا وبليغًا لآليات الصراع على السلطة والنفوذ في الشرق الأوسط والعالم.
وفي ظل مشهد سياسي وإعلامي تتداخل فيه الحقائق بالأوهام، وتتحول كواليس الحكم إلى مسارح مفتوحة للمعارك الخفية، يقع الكتاب في 249 صفحة من القطع الكبير، ويتخذ من الفكرة البسيطة للعبة الكراسي الموسيقية مدخلًا فلسفيًا وسياسيًا عميقًا لتفكيك شبكات المصالح التي تحرك الدول والمؤسسات من خلف الأستار.
ولا يتوقف حمادة إمام عند حدود التوثيق الصحفي المجرد، بل يغوص في العمق الإنساني والنفسي للعبة السلطة. فلعبة الكراسي، ببساطتها الظاهرة وقواعدها الشائعة، تتجاوز في جوهرها كونها مجرد نشاط حركي مسلٍ؛ إذ التحمت بالمجاز السياسي لتصبح رمزًا بارزًا لثقافة الإقصاء والتجريد.
في هذه اللعبة، لا يتحقق النجاح عبر الاستحقاق المجرد، وإنما يرتبط بمدى قدرة اللاعب على المناورة، وإزاحة المنافسين، واقتناص المقعد الوحيد المتبقي عند انقطاع النغمات.
الموسيقى والكرسي
الموسيقى في اللعبة، كما يراها الكاتب، ليست إلا تعبيرًا رمزيًا عن العشوائية والتحكم الخارجي؛ فهي القوة الغامضة التي تحدد حركة اللاعبين وتملي عليهم إيقاع الركض، حتى إذا ما صمتت فجأة، بدأت المعركة الحقيقية على المقعد.
أما الكرسي، بمدلوله الفلسفي والتاريخي، فهو تجسيد للهيبة والمكانة والسيطرة. ومن هنا، فإن التحالف بين النغمة والكرسي يختصر فلسفة الصراع السياسي.
من الكاميرات الخفية إلى الذكاء الاصطناعي
يتتبع المؤلف عبر فصول الكتاب العشرة التحولات الهيكلية في أساليب الصراع والسيطرة، موضحًا كيف تطورت أدوات التجسس والتسريب مع تطور التكنولوجيا.
فقد كانت البدايات تعتمد على الصورة الفاضحة والوسائل التقليدية للتصنت والتصوير باستخدام أجهزة ضخمة نسبيًا، قبل أن تشهد الأدوات تطورًا لافتًا، فتختبئ الكاميرات والميكروفونات في أجزاء لا تثير الشكوك، مثل أزرار القمصان، وعلب السجائر، وأقلام الكتابة، وعلب الكبريت.
ومع الثورة التقنية، انتقلت هذه الأدوات إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، وصولًا إلى العصر الحديث الذي دخل فيه الذكاء الاصطناعي على خط الصراع، ليغير قواعد اللعبة ويحول التسريبات والتجسس من أدوات استثنائية إلى أسلحة استراتيجية يومية، تُدار بها الحروب الباردة، وتُستخدم في إسقاط الحكومات والمؤسسات وإعادة تشكيل موازين النفوذ.
تتوزع محاور الكتاب عبر عشرة فصول، تشكل في مجموعها خريطة متكاملة لكواليس الحكم والتأثير، وتكشف جوانب مختلفة من صراعات السلطة والنفوذ.
«مخرج الثورة»
يتناول الفصل الدور الخفي لصناع المشاهد ومخرجي التحولات السياسية، ويحلل كيف يمكن توجيه الحراك الشعبي والتغييرات الكبرى من خلال مهندسين يعملون في الظل، يحددون توقيت الصعود والهبوط، ويرسمون الكادر الذي يرى الجمهور من خلاله الثورة.
يرصد الكتاب التداخل المعقد بين المشاعر الشخصية والعاطفة وبين حسابات الحكم والوراثة السياسية، موضحًا كيف يمكن للعلاقات العاطفية أن تتحول إلى ثغرات أمنية وسياسية تطيح بشرعيات راسخة، أو تتسبب في إحداث انقسامات داخل أروقة أسر الحكم ومراكز القرار.
يفرد الكاتب هذا الفصل لتحليل ظاهرة الاحتكار السياسي وآليات ترسيخ الهيمنة المطلقة، متناولًا الطرق التي تعتمدها شبكات النفوذ في تجريف الحياة السياسية وإبعاد الكفاءات، لضمان عدم وجود منافسين على الكراسي الرئيسية.
«عملية جونسون»
يقدم الكاتب قراءة توثيقية لإحدى العمليات السياسية والاستخباراتية المعقدة، مستعرضًا كيف تُصنع الأزمات وتُدار عبر الحدود الدولية لتحقيق أهداف مرحلية ترتبط بتوازنات القوى العظمى.
ويغوص الكاتب في تقاطع الدين بالسياسة، وكيف تُستغل الرموز الفكرية والدينية في صراعات النفوذ، موضحًا كيف تتحول الأفكار إلى أسلحة، وكيف تتشكل اللعنات السياسية عندما تتضارب المصالح بين السلطة التنفيذية والمؤسسات الدينية أو الفكرية.

يكشف الكاتب عن المثلث الشائك الذي يربط بين العمل الاستخباراتي والتغطية الصحفية والنشاط التجسسي، موضحًا كيف يمكن استخدام الصحافة والإعلام كواجهة لبث التسريبات وتوجيه الرأي العام، وكيف يخترق المخبرون والجواسيس البيئات الإعلامية لصناعة التأثير.
التسريبات.. الوجه الآخر لمعركة الكراسي
تتجلى بلاغة الكتاب في قدرته على الربط بين الفلسفة النظرية والواقع العملي اليومي؛ فاللعبة ليست مجرد تسلية، والتسريبات ليست مجرد حوادث فردية، وإنما هي منظومة كاملة تضمن استمرار الصراع، وتحدد من يجلس على الكرسي ومن يُستبعد منه.
ومن خلال هذا المنظور، يقدم حمادة إمام قراءة تتجاوز الحكايات المنفردة إلى محاولة فهم آليات السلطة ذاتها؛ كيف تُصنع التحالفات، وكيف يُدار الصراع، وكيف تتحول المعلومات إلى قوة، والتسريبات إلى أدوات ضغط، والكرسي إلى هدف تتصارع من أجله مراكز النفوذ.
وهكذا تتحول «لعبة الكراسي» من لعبة طفولية بسيطة إلى استعارة سياسية واسعة، تكشف أن المعركة الحقيقية لا تبدأ عندما تتوقف الموسيقى فحسب، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، خلف الستار، حيث تُرسم التحالفات، وتُحدد الأدوار، ويجري الإعداد للحظة التي يتوقف فيها اللحن ويبدأ الصراع على المقعد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







