جولة كوشنر وميلادينوف.. هل تنجح القاهرة في تقريب وجهات النظر؟
تتجه الأنظار مجددًا إلى التحركات الدبلوماسية المرتبطة بمستقبل قطاع غزة والمرحلة الثانية من خطة السلام، في ظل استمرار الخلافات بشأن الترتيبات الأمنية والسياسية التي يفترض أن تحكم المرحلة المقبلة.
وتأتي الجولة المرتقبة لمبعوثَي السلام الأمريكيين جاريد كوشنر ونيكولاي ميلادينوف إلى تل أبيب والقاهرة في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتداخل خلالها الملفات المتعلقة بنزع سلاح حركة حماس، والانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وترسيم الخطوط الأمنية، إلى جانب البحث عن صيغة يمكن من خلالها الانتقال إلى المرحلة التالية من الخطة دون أن تتحول الخلافات القائمة إلى عقبة أمام تنفيذ الترتيبات المتفق عليها.
وتحمل اقتصار الجولة على تل أبيب والقاهرة، وفق قراءة سياسية، دلالات تتجاوز مجرد عقد لقاءات مع الأطراف المعنية، إذ تعكس محاولة أمريكية لاختبار مدى متانة العلاقة مع الجانب الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه الاستفادة من الدور المصري باعتباره طرفاً رئيسياً في إدارة الملف الفلسطيني، كما تفتح الجولة الباب أمام جهود لتقريب وجهات النظر بين التصور الأمريكي بشأن المرحلة المقبلة والمطالب الإسرائيلية المتعلقة بالأمن ونزع السلاح.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، أن اقتصار الجولة المرتقبة لمبعوثَي السلام الأمريكيين جاريد كوشنر ونيكولاي ميلادينوف على تل أبيب والقاهرة يهدف إلى اختبار متانة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، إلى جانب محاولة تقريب وجهات النظر بين التصورين الأمريكي والإسرائيلي بشأن المرحلة الثانية من خطة السلام.
الخلاف حول نزع السلاح والانسحاب:
وأوضح سلامة أن هناك خلافاً معلناً بين التصور الأمريكي بشأن التعامل مع سلاح حركة حماس وبين الموقف الإسرائيلي، موضحاً أن الرؤية الأمريكية تربط بين حصر وتخزين السلاح والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، بينما يشترط الجانب الإسرائيلي نزع السلاح بصورة «كاملة» وشاملة.
واعتبر أستاذ العلوم السياسية أن الاشتراط الإسرائيلي بالنزع الكامل للسلاح يمثل، من وجهة نظره، شرطاً زمنياً تعجيزياً، يمكن استخدامه كذريعة لاستمرار الاحتلال والتواجد الإسرائيلي داخل قطاع غزة، خاصة إذا لم يتم التوصل إلى آلية واضحة ومحددة لتنفيذ عملية النزع والانسحاب في إطار زمني متفق عليه.
ويعكس هذا الخلاف واحدة من أبرز نقاط التباين بين التصورات المطروحة للمرحلة الثانية، إذ يرتبط مستقبل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع بشكل مباشر بملف السلاح والترتيبات الأمنية، وهو ما يجعل التوصل إلى صيغة توافقية بشأن هذه القضية أمراً محورياً أمام أي تقدم في تنفيذ الخطة.
مساعٍ للتوفيق بين المواقف:
وأشار حسن سلامة إلى أن جاريد كوشنر يسعى من خلال الجولة إلى التوصل إلى صيغة توافقية تقوم على النزع والانسحاب التدريجيين، بما يسمح بالتعامل مع الملفات الأمنية والسياسية بصورة متوازنة، بدلاً من ربط جميع الخطوات بشرط واحد يتمثل في إتمام عملية نزع السلاح بصورة كاملة قبل البدء في الانسحاب.
وأوضح أن فكرة التدرج قد تمثل محاولة لتقليل مساحة الخلاف بين الأطراف، من خلال تنفيذ التزامات متبادلة على مراحل، بحيث يرتبط كل تقدم في ملف نزع السلاح بخطوة مقابلة في مسار الانسحاب وإعادة ترتيب الأوضاع داخل القطاع.
ولفت إلى أن ترسيم الخطوط الأمنية الميدانية داخل قطاع غزة يمثل جانباً مهماً من الترتيبات الجاري بحثها، مشيراً إلى أن هذه الخطوط قد تستهدف فرض ترتيبات أمنية جديدة تتقاطع مع الأوضاع والتطورات الجارية في الضفة الغربية.
وتكتسب هذه الترتيبات أهمية خاصة في ظل ارتباط الوضع الأمني في غزة بالتصورات الأوسع بشأن مستقبل الأراضي الفلسطينية، حيث لا تقتصر التحركات الحالية على معالجة الوضع داخل القطاع فقط، وإنما تتصل أيضًا بمسار القضية الفلسطينية بشكل عام.
القاهرة محور إدارة الملف الفلسطيني:
وفيما يتعلق باختيار القاهرة ضمن الوجهات الرئيسية للجولة، أكد أستاذ العلوم السياسية أن مصر تمثل المرتكز الأساسي والمحوري في إدارة ملف القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن اختيار القاهرة دون غيرها يعكس أهمية الدور المصري في أي تحرك يستهدف التوصل إلى ترتيبات جديدة بشأن قطاع غزة.
وأوضح أن مصر تمتلك قدرًا من المصداقية والموثوقية لدى مختلف الأطراف، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على طرح حلول واقعية يمكن أن تراعي تعقيدات المشهد، مع الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني وصون الأمن القومي المصري.
وأضاف أن الدور المصري لا يرتبط فقط بالجانب السياسي والدبلوماسي، وإنما يمتد إلى التعامل مع الملفات الأمنية والإنسانية المرتبطة بقطاع غزة، وهو ما يجعل القاهرة طرفاً لا يمكن تجاهله عند مناقشة مستقبل القطاع أو الانتقال إلى مرحلة جديدة من خطة السلام.
اختبار للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية:
وتشير قراءة حسن سلامة إلى أن الجولة المرتقبة تحمل بعداً آخر يتعلق بالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، إذ إن محاولة تقريب وجهات النظر بين واشنطن وتل أبيب بشأن المرحلة الثانية من الخطة تعكس وجود نقاط خلاف تحتاج إلى معالجة سياسية قبل الانتقال إلى خطوات تنفيذية جديدة.
وفي الوقت الذي تتمسك فيه إسرائيل بموقف أكثر تشدداً بشأن نزع السلاح، تسعى الرؤية الأمريكية، بحسب التحليل المطروح، إلى إيجاد مساحة للتدرج تسمح بتحقيق الانسحاب بالتوازي مع تنفيذ الترتيبات الأمنية. وبين الموقفين، تبدو مهمة المبعوثين الأمريكيين مرتبطة بإيجاد صيغة تقلل الخلافات وتمنع تعطيل المرحلة المقبلة.
ترتيبات جديدة أمام مشهد معقد:
ومع استمرار النقاش حول نزع السلاح والانسحاب وترسيم الخطوط الأمنية، تبدو المرحلة المقبلة محكومة بمجموعة من الملفات المتشابكة التي يصعب فصل أحدها عن الآخر، فالتقدم في ملف قد يتوقف على التوافق بشأن ملف آخر، وهو ما يجعل أي تسوية بحاجة إلى آلية واضحة لتنفيذ الالتزامات بصورة متبادلة ومتدرجة.
وفي هذا السياق، يظل الدور المصري أحد العناصر الرئيسية في أي تحرك سياسي يتعلق بقطاع غزة، خاصة مع امتلاك القاهرة قنوات اتصال وخبرة متراكمة في إدارة الملفات المرتبطة بالقضية الفلسطينية. كما أن قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف تمنحها موقعاً مهماً في أي جهود تستهدف تقريب وجهات النظر.
وتأتي الجولة المرتقبة في ظل مشهد سياسي وأمني بالغ التعقيد، يجعل نجاحها مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على تجاوز الخلاف حول مفهوم نزع السلاح، والاتفاق على ترتيبات عملية للانسحاب، إلى جانب ضمان عدم تحول الترتيبات الأمنية إلى واقع دائم يكرس استمرار التوتر داخل القطاع.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض