من الهجرة إلى الإنتاج.. كيف تتحول القرى الطاردة للعمالة إلى مناطق جذب اقتصادي؟
تظل الهجرة غير الشرعية واحدة من أبرز الظواهر التي تستنزف الطاقات البشرية وتعرض حياة المهاجرين لمخاطر جسيمة، ما يفرض البحث عن حلول اقتصادية مستدامة تتجاوز المواجهة الأمنية والتوعية بمخاطر الرحلات غير الآمنة، وفي هذا السياق، تبرز أهمية دعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر كأداة لخلق فرص عمل حقيقية، وزيادة دخول الأسر، وتحويل القرى والمناطق الطاردة للعمالة إلى مجتمعات منتجة توفر للشباب بدائل آمنة ومستدامة عن الهجرة غير الشرعية.
دعم المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر
قال الدكتور ياسر حسين سالم، المحاضر بالجامعات الخاصة والدولية والخبير الاقتصادي والمالي الدولي، إن مواجهة الهجرة غير الشرعية تتطلب التعامل مع جذورها الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها نقص فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة وضعف الدخول، مؤكدًا أن توفير بدائل اقتصادية حقيقية للشباب يمثل أحد أهم محاور مكافحة الظاهرة، موضحًا أن الهجرة غير الشرعية تستنزف جزءًا من الطاقات الشبابية والكفاءات البشرية المنتجة، فضلًا عن المخاطر التي يتعرض لها المهاجرون من فقدان الأرواح والاستغلال والاتجار بالبشر والعمل القسري، إلى جانب الملاحقات القانونية والترحيل، مشيرًا إلى أن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى تكامل الجهود الأمنية والتوعوية مع سياسات التنمية الاقتصادية.
وأشار "سالم"، إلى أن مصر اتخذت عددًا من الإجراءات لمواجهة الهجرة غير الشرعية، من بينها إنشاء اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية عام 2016، وإصدار القانون رقم 82 لسنة 2016، إلى جانب إطلاق مبادرات للتوعية وتوفير البدائل الآمنة للشباب، وعلى رأسها مبادرة «مراكب النجاة»، مؤكدًا على أن المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر تمثل أحد أهم الحلول الاقتصادية المستدامة لمواجهة الهجرة غير الشرعية، باعتبارها قادرة على خلق فرص عمل بأقل قدر من رأس المال، واستيعاب شرائح متنوعة من العمالة، فضلًا عن إمكانية انتشارها في القرى والمدن والمناطق الساحلية والصحراوية.
وأضاف الخبير الاقتصادي، إلى أن التوسع في هذه المشروعات يمكن أن يعيد مفهوم «القرية المنتجة» من خلال دعم الصناعات والحرف المحلية والتصنيع الزراعي والإنتاج الحيواني والصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف، بما يوفر مصادر دخل للشباب والأسر داخل مجتمعاتهم، ويحد من دوافع الهجرة الداخلية والخارجية، لافتًا إلى أن المشروعات الصغيرة لا تقتصر أهميتها على توفير فرص العمل، وإنما تمتد إلى زيادة الإنتاج المحلي وتلبية احتياجات السوق، وتقليل الاعتماد على الواردات، وفتح المجال أمام زيادة الصادرات، بما يعزز الناتج المحلي ويدعم تنافسية الاقتصاد المصري.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أهمية دعم المشروعات الفنية والحرفية، مثل أعمال الكهرباء والسباكة والنجارة وإصلاح السيارات والأجهزة والمعدات، مؤكدًا أن هذه الأنشطة يمكن أن تساهم في خلق جيل جديد من الفنيين المهرة، والحفاظ على المهن والحرف من الاندثار، فضلًا عن توفير فرص عمل سريعة للشباب، مشددًا على ضرورة تطوير منظومة متكاملة لدعم أصحاب المشروعات تبدأ من التمويل والتدريب والتأهيل، مرورًا بالتراخيص والتسويق، وصولًا إلى مساعدة المشروعات على الوصول إلى الأسواق المحلية والخارجية، بما يضمن استمراريتها وعدم تحول التمويل إلى مجرد أداة مؤقتة، مؤكدًا على أن مصر بحاجة إلى جعل بيئة الأعمال أكثر جذبًا للشباب، وتشجيع ثقافة العمل الحر وريادة الأعمال، مع الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في توظيف المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر كأداة للتنمية وخلق فرص العمل.
واختتم "حسين"، أن الحد من الهجرة غير الشرعية لا يتحقق فقط بمنع الرحلات الخطرة، وإنما من خلال خلق سبب حقيقي يجعل الشاب يختار البقاء داخل وطنه، وذلك عبر توفير فرصة عمل ودخل مستدام وإمكانية حقيقية للنمو الاقتصادي، معتبرًا أن دعم المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر يمكن أن يمثل أحد أهم المسارات لتحقيق هذا الهدف.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض