بدون رتوش
فى زمن تتسارع فيه العلاقات، وتزدحم فيه دوائر المعرفة، يظل الإنسان فى حاجة إلى علاقة صادقة تمنحه الأمان، وتجعله يشعر بأن فى الحياة من يفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، ويقف إلى جواره حين تشتد الأزمات. وليس من الضرورى أن يكون هذا الإنسان شقيقًا تجمعه بنا رابطة الدم، فقد يكون الصديق الوفى أقرب إلى القلب من قريب فرّقت بيننا وبينه مسافات المشاعر.
فالقرابة رابطة عظيمة، جعل لها الدين مكانتها، وأمر بصلة الأرحام والإحسان إليهم، لكنها ليست المعيار الوحيد للمحبة والوفاء. وقد يصدق فى حياتنا القول المأثور: «رُبَّ أخٍ لم تَلِدْه أمُّك»، حين نجد صديقًا يخلص لنا فى غيابنا، وينصحنا دون تجريح، ويستر عيوبنا، ويدفعنا إلى الخير، ويقف معنا فى الشدة قبل الرخاء.
ولنا فى السيرة النبوية مثال خالد على الصداقة الصادقة، فى علاقة النبى صلى الله عليه وسلم بأبى بكر الصديق رضى الله عنه. فلم تجمعهما رابطة قرابة، وإنما جمعهما الإيمان والمحبة والثقة والمواقف. وقد سجّل القرآن الكريم مشهدًا بالغ الدلالة عندما قال النبى- صلى الله عليه وسلم- لصاحبه فى الغار: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» (التوبة: 40)، فكانت الصحبة فى تلك اللحظة عنوانًا للأمن والثبات.
كما ضرب الإسلام أروع الأمثلة فى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، حينما جعل الإيمان رابطة تتجاوز حدود النسب والقبيلة. يقول تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (الحجرات: 10)، ويقول سبحانه: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى» (المائدة: 2). أى أن الأخوة هنا ليست مجرد كلمة تقال، وإنما مسئولية ومساندة ورحمة وتعاون على كل ما ينفع الناس.
ولعل هذا ما نشهده فى حياتنا اليومية، حيث تتجلى هذه المعانى فى مواقف قد تبدو بسيطة، لكنها تكشف معدن الإنسان الحقيقي، فصديق يتذكرنا فى وقت المحنة، أو يساندنا فى غيابنا، أو يفرح لنجاحنا دون حسد، قد يكون أقرب إلينا من كثير ممن تجمعنا بهم صلة الدم. فالإنسان لا يُقاس بعدد الأقارب من حوله، وإنما بصدق من يحيطون به، وبالمواقف التى تثبت أن المحبة الحقيقية أفعال لا أقوال وكلمات، وأن الوفاء معيار أخلاقى قبل أن يكون رابطة اجتماعية.
وقد نبّه الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى أثر الصديق فى حياة صاحبه فقال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، وهو حديث يضع أمامنا مسئولية اختيار من نمنح له ثقتنا ووقتنا ومشاعرنا. كما قال صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب»، فى إشارة إلى عمق أثر المحبة والصحبة فى الإنسان.
إن الصديق الحقيقى ليس من يشاركنا الضحك فقط، بل من يشاركنا مسئولية الحياة، ويعيننا على تجاوز الخطأ، ويذكرنا بالله، ويقوم بتشجيعنا على العمل والنجاح، ولا يتخلى عنا عندما تتبدل الظروف. ولذلك، فإن من أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان أن يحسن اختيار أصدقائه، وأن يبحث عن الصديق الذى يكون عونًا له على الخير، وسندًا له فى وقت الشدة، وأمينًا عليه فى الغياب، وناصحًا له فى الحضور.
ولهذا نقول ليس كل قريبٍ قريبًا، وليس كل بعيدٍ غريبًا، فكم من صديقٍ لم تلده أمك، لكنه ولد فى قلبك وفاءً ومحبةً، فصار أخًا بالمعنى الأجمل للكلمة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض