رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

همسة طائرة

في قطاع الطيران، لا تُقاس النجاحات بعدد الطائرات التي تحلق في السماء فقط، ولا بعدد الوجهات التي تُضاف إلى شبكة التشغيل، وإنما بقدرة الشركة على أن تتحول من مجرد ناقل جوي إلى كيان اقتصادي قادر على المنافسة، والنمو، وفتح أسواق جديدة، وصناعة قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني...ومن هذا المنظور، تبدو تجربة إيركايرو واحدة من أكثر التجارب المصرية التي تستحق التوقف أمامها، باعتبارها الذراع الاقتصادي منخفض التكلفة لقطاع الطيران المدني المصري، وأحد الأذرع التي تتحرك بقوة في سوق شديد التنافس، لا يعرف المجاملات ولا يرحم المترددين.

**،يا سادة..إن قصة إيركايرو ليست مجرد قصة شركة طيران توسعت في عدد طائراتها أو وجهاتها، وإنما هي حكاية تحدٍ مصرية تثبت يومًا بعد يوم أن امتلاك الرؤية والإرادة والقدرة على التنفيذ يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا في سوق الطيران..واللافت أن نجاح الشركة لم يعد يمر بهدوء على بعض منصات التواصل الاجتماعي فكلما حققت خطوة جديدة، أو أعلنت توسعًا، أو فتحت وجهة جديدة، أو عززت أسطولها، ظهرت حملات تشكيك وتساؤلات وانتقادات تتجاوز أحيانًا حدود النقد المهني إلى ما يشبه التربص بكل نجاح.

**يا سادة...هنا يجب أن نتوقف...النقد حق مشروع.. أما تحويل النجاح إلى تهمة فليس نقدًا.من حق أي صحفي أو متخصص أو مواطن أن يسأل عن أداء شركة طيران، وعن تكاليف التشغيل، وعن مستوى الخدمة، وعن معدلات الالتزام بالمواعيد، وعن الجدوى الاقتصادية لأي توسع. بل إن هذه الأسئلة ضرورية لحماية المال العام وتعزيز كفاءة المؤسسات...لكن النقد الحقيقي يبدأ من الأرقام والوثائق وينتهي إليها، وليس من منشور مجهول المصدر أو تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي...

**يا سادة...إيركايرو تعمل في واحدة من أكثر الصناعات تعقيدًا وحساسية في العالم. الطائرة التي تصل إلى وجهتها لا تحمل ركابًا فقط، وإنما وراءها منظومة متكاملة من أطقم جوية، وصيانة، وقطع غيار، وتشغيل أرضي، وسلامة، وتأمين، ومطارات، ورسوم، ووقود، وتخطيط شبكات، وتسويق، وإدارة للحركة الجوية، والتزام بمعايير دولية صارمة...ولذلك فإن الحكم على تجربة شركة طيران لا يمكن أن يكون من خلال صورة لطائرة على مدرج، أو تأخير رحلة واحدة، أو تجربة فردية لأحد الركاب، مهما كانت أهميتها.

**يا سادة...الشركات الكبرى تُقاس بالاتجاه العام للأداء، وبقدرتها على الاستمرار والنمو والتعامل مع الأزمات....وإيركايرو، بما حققته خلال السنوات الأخيرة من توسع في الأسطول والشبكة التشغيلية والأسواق، أصبحت رقمًا يصعب تجاهله في معادلة الطيران المصري، خصوصًا في سوق الطيران منخفض التكلفة الذي يمثل أحد أهم أدوات تنشيط السياحة وزيادة الحركة الجوية وربط المقاصد المصرية بالأسواق الخارجية.

** يا سادة.. وهنا تكمن أهمية التجربة..فمصر التي تستهدف زيادة أعداد الحركة السياحية الوافدة، وتعمل على تعزيز قدرتها على استقبال ملايين السائحين، تحتاج إلى شركات طيران قادرة على الوصول إلى أسواق جديدة، وتقديم منتج تنافسي، وزيادة السعات المقعدية، وربط المدن والمقاصد السياحية المصرية بالأسواق الدولية...ومن الصعب تحقيق ذلك دون ذراع قوية للطيران منخفض التكلفة.

** يا سادة..إيركايرو تقوم بهذا الدور، وتتحرك في مساحة مختلفة عن نموذج شركات الطيران التقليدية، وهو ما يجعل نجاحها ذا تأثير يتجاوز حدود الشركة نفسها إلى المنظومة السياحية والاقتصادية بأكملها...فكل رحلة إضافية تعني مقاعد جديدة، وكل وجهة جديدة تعني سوقًا جديدًا، وكل توسع في الشبكة يعني فرصًا أكبر أمام السياحة المصرية، ومزيدًا من الحركة في المطارات، ومزيدًا من النشاط للقطاعات المرتبطة بالطيران والسياحة...وهذا تحديدًا ما يجعل نجاح إيركايرو مهمًا لمصر، وليس للشركة وحدها.

**يا سادة..الأغرب أن بعض من يرفعون راية الدفاع عن الاقتصاد الوطني لا يتوقفون طويلًا أمام هذه المعادلة، بينما ينشغلون بالبحث عن أي تفصيلة يمكن استخدامها لتقويض صورة تجربةناجحة...والسؤال هنا: ليس لماذا تنتقدون إيركايرو؟...السؤال الأكثر مهنية هو: هل النقد يستند إلى معلومات موثقة؟..إذا كانت هناك مخالفة، فلتُطرح بالأرقام والوثائق...وإذا كان هناك قصور، فليُكشف عنه بوضوح ومسؤولية.
وإذا كانت هناك ملاحظة على الخدمة، فلتكن موضع تحقيق وتصحيح....أما إطلاق الأحكام العامة، وتضخيم الوقائع الفردية، وتحويل أي نجاح إلى مادة للهجوم، فهذا لا يخدم صناعة الطيران المصرية، بل يضر بها...فمن حق الشركة أن تُحاسب، كما أن من حقها أيضًا أن يُنصف نجاحها...والإنصاف هنا لا يعني المجاملة، وإنما يعني وضع الأمور في سياقها الصحيح.

**يا سادة..إيركايرو ليست فوق النقد، لكنها أيضًا ليست هدفًا مفتوحًا للتشويه..وهناك فارق كبير بين الاثنين...إن أخطر ما يمكن أن نفعله في مرحلة تحتاج فيها مصر إلى تعظيم قدراتها في صناعة الطيران هو أن نقتل روح النجاح لدى المؤسسات التي تحاول أن تكبر وتنافس وتفتح أسواقًا جديدة..فالطيران صناعة شديدة الحساسية تجاه السمعة والثقة. وأي صورة سلبية يتم تداولها دون تدقيق قد تنعكس على قرار مسافر، أو شركة سياحة، أو شريك أجنبي، أو سوق جديد...ولهذا فإن الكلمة في مجال الطيران ليست مجرد رأي عابر.الكلمة مسؤولية.
والذين يتربصون بكل نجاح مصري، ربما لا يدركون أنهم لا يهاجمون شركة بعينها بقدر ما يوجهون ضربة إلى صورة قطاع كامل يسعى إلى المنافسة إقليميًا ودوليًا.

** أما الفاشلون، فمشكلتهم مع النجاح ليست في تفاصيله، وإنما في وجوده...فالنجاح يزعج من اعتادوا أن يروا المشهد من زاوية واحدة، ويكشف أن هناك مؤسسات تستطيع أن تتغير، وأن تتطور، وأن تنافس، وأن تصنع لنفسها مكانًا في سوق لا يعترف إلا بالأداء...

**همسة أخيرة **

**يا سادة...من هنا تصبح إيركايرو حكاية تحدٍ مصرية تستحق أن تُقرأ بعيدًا عن الضجيج.
حكاية شركة بدأت من موقع، ثم قررت أن تتحرك إلى الأمام...وحكاية قطاع يملك القدرة على صناعة أذرع اقتصادية جديدة...وحكاية دولة تحتاج إلى كل جناح مصري قادر على التحليق أعلى في سماء المنافسة الدولية.
ولذلك فإن المطلوب ليس أن نصفق لإيركايرو لمجرد أنها شركة وطنية، كما أنه ليس من المهنية أن نهاجمها لمجرد أنها حققت نجاحًا.
المطلوب ببساطة هو أن نراقب، ونحلل، وننتقد عندما يستحق الأمر النقد، ونشيد عندما يستحق النجاح الإشادة..أما أن يصبح كل نجاح مناسبة للتربص، وكل توسع سببًا للتشكيك، وكل خطوة إلى الأمام فرصة للهجوم عبر مواقع التواصل، فهذه ليست مهنية، ولا نقدًا، ولا دفاعًا عن المصلحة العامة....إن صناعة الطيران المصرية تحتاج اليوم إلى عقول تبني، وأقلام تراقب بضمير، ومؤسسات تطور أداءها باستمرار، وإعلام يضع الحقيقة قبل الإثارة.

**يا سادة...في النهاية، ستظل السماء مفتوحة للجميع...لكن ليس كل من يرى طائرة تحلق يستطيع أن يدرك حجم الجهد الذي جعلها تصل إلى السماء...وهنا تحديدًا تكمن حكاية إيركايرو...حكاية تحدٍ مصرية يخشاها الفاشلون، ويحترمها أصحاب الرؤية، ويجب أن يحكم عليها التاريخ والأرقام لا ضجيج مواقع التواصل....