رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

 

في زمنٍ تزدحم فيه الأصوات كأنها سباق لا نهاية له، صار الهدوء عملة نادرة، وأصبح الإنصات إلى الذات رفاهية تكاد تُنسى. نحن أبناء عصرٍ يتحدث أكثر مما يُصغي، ويركض أكثر مما يتأمل، ويُضيع في زحمة السرعة معنى الخطوة نفسها. نصحو على إشعارات تصرخ في هواتفنا، ونفتح نوافذ العالم قبل أن نفتح نوافذنا الداخلية، فنمضي كمن يعيش خارج جسده، تحركه الأخبار لا الأفكار. ومع الوقت، يعلو ضجيج الخارج حتى يُسكت نداء الداخل.

نتحدث كثيرًا عن التقدم والإنجاز والمستقبل، لكننا نادرًا ما نتحدث عن أنفسنا، يا صديقي القارئ. عن ذلك الصوت الخافت الذي نحاول تجاهله كل يوم باسم الانشغال. وهناك، في المسافة الضائعة بين ما نريده حقًا وما يُفرض علينا، تبدأ الفلسفة. لا في الكتب الثقيلة ولا في المصطلحات المعقدة، بل في لحظة وعي صافية تسأل فيها نفسك بصدق: من أنا وسط هذا الصخب؟

في لحظة الصمت تبدأ الرحلة الحقيقية. الصمت ليس هروبًا من الواقع كما يظن البعض، بل عودة إليه من باب أعمق. حين نسكت، نسمع العالم بطريقة مختلفة، ونرى أنفسنا كما لم نرها من قبل. كل إنسان في تلك اللحظة يتحول إلى فيلسوف صغير، يتأمل يومه ويسأل: هل أعيش كما أريد... أم كما يريدون لي؟

الفلسفة لا تُمارس في قاعات الجامعات وحدها، يا عزيزي، بل في تفاصيل الحياة اليومية. في القرار الذي نتخذه حين نختار الصواب بدل السهل، في لحظة التوقف قبل كلمة جارحة، في سؤال صغير يوقظ وعينا من غفلة التكرار. إنها حضور العقل حين ينام الجميع داخل العادة.

العالم اليوم لا يمنحنا فرصة للتفكير، بل يُغرقنا في دوامة لا تنتهي من المحتوى والضجيج. نعيش زمن الإفراط في الوجود الرقمي، حيث تُقاس القيمة بعدد المتابعين لا بعدد اللحظات الصادقة التي نعيشها مع أنفسنا. وهنا يأتي دور الفلسفة كضوء خافت في زوايا العتمة، يذكرنا بأن الوعي ليس رفاهية... بل ضرورة إنسانية.

الفيلسوف الحقيقي ليس من يكتب النظريات فقط، بل من يعيش الحياة بأسئلة مفتوحة. من يرى في الأشياء العادية دهشة تستحق التأمل، ومن يعرف أن الصمت أحيانًا أبلغ من ألف خطاب. في زمن تُقاس فيه النجاحات بالسرعة، يصبح التأمل شكلًا من أشكال الشجاعة. أن تتوقف لتفكر... هذا من أجرأ ما يمكن أن تفعله اليوم.

قد لا نستطيع إيقاف ضجيج العالم، لكننا نملك أن نعيد ترتيب نغمتنا الخاصة داخله. أن نختار متى نتكلم، ومتى نصمت، ومتى نصغي لأنفسنا. فالصمت ليس فراغًا، بل امتلاء خفي بالمعنى. هو المساحة التي نستعيد فيها قدرتنا على الحب، والفهم، والاختيار.

كل إنسان يحتاج، يا صديقي، إلى لحظة صمت يومية يسترد فيها ملامحه التي بعثرها العالم. لحظة لا يُطلب فيها شيء، ولا يُنتظر منها شيء، سوى أن يكون كما هو. تلك اللحظة البسيطة قد تنقذ الإنسان من التفتت.

الصخب لن ينتهي، والعالم لن يتوقف قليلًا من أجلك. لكن من يعرف طريقه إلى نفسه، لا يضيع مهما ازدحمت الأصوات. ويبقى السؤال الأصعب: إذا سكت ضجيج الخارج أخيرًا... هل تستطيع احتمال ما سيقوله داخلك؟ هذا ما سنتركه للأسبوع القادم.

 

بقلم/ محمد جادالله

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]