رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

 

 

 

 

 

فى كل فيلم جديد، يثبت المخرج الأمريكى من أصول بريطانية «كريستوفر نولان» جدارته كأحد أبرع صناع السينما فى الألفية الجديدة وأحد أبرز مفكريها. فنولان -56 عاما - لم يكن يقتصر دوره، على الإخراج فقط، بل هو أيضا كاتب للسيناريو وبمعاونة زوجته المنتجة البريطانية «إيما توماس» أنتج معظم أفلامه، التى تجاوزت عشرة أفلام روائية فضلا عن أفلامه القصيرة. وفى فيلمه الأخير «الأوديسا» المعروض الآن فى أنحاء دول العالم، والذى تجاوزت أرباحه مئات الملايين بعد المليار دولار، يستتر نولان خلف الأسطورة الإغريقية الشهيرة الأوديسة، لكى يشتبك مع الحاضر والعالم المعاصر، منتقدا فكرة البطولة المطلقة المغلفة بالعنجهية والاستبداد، ومفندا بشكل فنى فريد فى الرؤية البصرية والتمثيل والجمل الحوارية والموسيقى التصويرية، جوانب انحطاط هذا الحاضر، التى تمثلت فى حروب لا تبارح عالمنا، وبات مشعلوها لا يكفون عن إعلاء قيمة القوة الغاشمة التى تهدر بالغرور والطغيان والتجبر، كل القيم الإنسانية، وهى ترفع كذبا شعارات نبيلة. ولم تكن الساحرة سيرسى -سامانثا مورتون- وهى تستجيب لجنود أوديسيوس لكى تطعمهم فى جزيرتها النائية، ببعيدة عن هذا المعنى، وهى تحولهم فى رمزية ملهمة، إلى خنازير!

ويحكى فيلم «الأوديسا» المستمد من الملحمة التى ألّفها بالاسم نفسه الشاعر الإغريقى «هوميروس» رحلة العشرين عاما التى استغرقها الملك البطل «أوديسيوس» -مات ديمون- للعودة إلى وطنه بعد انتهاء حرب طروادة. فقد سعى البطل الإغريقى بكل ما أوتى من ذكاء وخبرة وقوة وحيلة، لكى يكسب الحرب ويهزم طروادة، لكنه فى رحلة العودة إلى الوطن يكتشف أن أحدا لم يسلم من أذى الحرب الذى انتصر فيها. وهو يقول بأسى: انتهكنا كل ما هو مقدس بين الناس، وحولنا القتال إلى مطاردة. حتى هو نفسه، لم يسلم من الأذى، فيسقط ضحية لشعور عميق بالندم والخجل، حينما تغمره مشاعر الخيبة والحسرة، والألم بنصر غدا بالنسبة له بطعم الهزيمة، لاسيما واختراعه الحربى لحصان طروادة الخشبى الشهير، قد حقق له النصر، لكن على بحار من الجثث والدماء لنساء وأطفال وشيوخ، وعلى أشلاء مدن ونهبها، وعلى خراب ودمار للحجر والبشر، أهلك حتى جنوده ومرافقيه.

عبء أخلاقى وندوب فى نفس الملك المنتصر، الذى قاده غرور القوة، لأن يترك خلفه زوجته المحبة الوفية بينيلوبى -آن هاثاوى- وابنه تيلماخوس -توم هولاند- وهما يقاومان معا ببسالة فى غيبته التى طالت، الدسائس والخيانة ومؤامرات ومناورات الصراع على السلطة والاستيلاء على العرش وعلى الزوجة، التى تخوض معارك الصمود فى وجه أعداء وطنها وزوجها وتقول: أريد أن أذكرهم بمن يملك الخمر الذى يشربونه فى هذا العالم. والابن الذى لا يتوقف عن البحث عن مصير أبيه وهو لا يعرف حتى ملامحه.

توقيت صدور الفيلم الأمريكى مهم مع كل أنواع الحروب التى تشنها الولايات المتحدة فى أنحاء المعمورة. ويشكل التوقيت مع حكايته الرسالة التى ينطوى عليها، وتتجلى فى نبذ الحروب، فضلا عن القيم الإنسانية العليا التى يسمو بها كالتضحية والوفاء وشجاعة مواجهة النفس ومحبة الأوطان، بالإضافة إلى الفلسفية التى يبعث بها كريستوفر نولان إلى العالم وتقول: إن الحروب العدوانية تشوه النفس البشرية، وتخل بميزان الكون، وأن لا شىء يحدث فى الحياة، نصرا أم هزيمة نجاحا أو فشلا دون ثمن، وما لا يستطيع الإنسان الحصول عليه، هو ما كان يمتلكه ولم يحفظه فخسره، وبأنه لا دخل للآلهة بمصائر البشر، فالبشر يختارون ما يقدمون عليه، وأن الغطرسة تودى بأصحابها إلى التهلكة، فياليت من بيدهم الأمور ينصتون إلى حكمته.