بين السطور
بالأمس القريب كتبت هنا عن خبائث الشائعات، واليوم أكتب مرة أخرى عن الشائعات وهى التى دارت مع تناول البعض لواقعة مقتل عروس بورسعيد على منصات التواصل الاجتماعى وبعض الفضائيات لإحدى القضايا منذ وقوعها وحتى صدور الحكم فيها من محكمة جنايات بورسعيد منذ عدة ساعات. فبعد أن طل علينا الفيسبوك ومنصات التواصل الاجتماعى خرجت من خلالهما ظاهرة لا تمت للقانون ولا للانسانية بصلة، وإنما تجد بعض أصحاب المنصات منذ أن تقع أى حادثة أو جريمة يبدأون فى التنظير والتأويل ويحيطونها ببعض الشائعات التى تذهب بالعقول بعيدًا عن مسار القضية الطبيعى ودورنا أو دورى أنا كصحفية حوادث وقضايا وأتابع جميع القضايا من سنوات طوال ان أقدم النصح لهؤلاء على المنصات بان لا يتدخلوا فى أى قضية قانونيًا أو استباق صدور أحكامهم على أى جريمة وينصبوا أنفسهم مصدرى أحكام أو تناولها بأى شكل من الأشكال وهى قيد التحقيق أو أثناء تداولها فيه قاعات المحاكم، فتلك القضايا لا تحتاج لتأويل وإنما تنظرها المحاكم بتفحص وتمحص من خلال الأوراق وجمع الأدلة والمستندات والتقارير الفنية وخلافه من شهادة الشهود ومعاينات واعترافات المتهمين وهكذا، وكان من بين ما أعنيه هذه القضية المعروفة اعلاميا باسم مقتل عروس بورسعيد منذ ان وقعت احداثها فى رمضان الماضى بمقتل العروس داخل مسكن خطيبها حيث ذهبت هى ووالدتها إلى منزل الخطيب بأحد مناطق بورسعيد لتناول الأفطار هناك حتى قامت زوجة شقيق خطيبها بخنقها بطرحتها اثر مشاجرة وقعت بينهما للخلاف على الشقة التى قيل لهم انها سوف تشارك المجنى عليها فى السكن بشقة واحدة ببيت خطيبها مع شقيقه وزوجته المدانة بقتلها، واخذ البعض يدلى بدلوه بمنطق العالمين ببواطن الأمور ويلقي بالاتهامات جذافًا على فلان وفلانة وينظر على المتهمة بأن بنيتها لاتستطيع ارتكاب الجريمة بمفردها وغير ذلك بكثير، وآخر يشكك واخريات يشتركن فى تفنيد بنود من خيالاتهن. حتى جاء الموعد الفصل لتصدر هيئة المحكمة حكمها فى القضية ولكن قبل ان تصدر حكمها ألقت كلمتها برسائل حاسمة قبل النطق بالحكم وقد كان من واجبى ان أنقلها هنا حتى يفهم أولو الألباب. فقد تحدث رئيس المحكمة المستشار بركات عبدالحليم الفخرانى قائلا: إن المحكمة نظرًا لما شاب هذه الواقعة من سخط ولغط على الشاشات والمنصات فإن المحكمة تشير إلى انه بين ضجيج الشاشات وصمت الأوراق فإنه تتوارى الحقيقة حينا لكنها لا تموت فليس كل ما يذاع يصدق وليس كل ما يروى يحقق ولا كل ما يشيع بين الناس يقيم حقيقة أو يهدمها، لقد سبقت منصات التواصل الاجتماعى إلى رواية احداث هذه القضية قبل ان تكتمل تحقيقها وأطلقت الأحكام قبل ان تفحص أدلتها واستبدلت هذه المنصات برهان الدليل ببريق التأويل وجعلت من الدم تجارة والشائعة صناعة لا غاية لها الا تحقيق المشاهدات واقتناص الإعجابات وان كان الثمن اغتيال الحقيقة أو تشويه العدالة وتضليل الرأى العام ولكن هيهات، وأكد رئيس المحكمة ان هيبة القضاء لا تهتز بصراخ أو عويل ولا تتأثر بعاطفة الترند أو الضجيج ولا تستجيب لصخب التعليقات أو لمحكمة تعقدها الهواتف أو تديرها الخوارزميات وإنما تستمد قوتها من صحيح القانون وما تنطق به الأوراق ولا سلطان الا للدليل ولا حكم الا باليقين ولا وزن الا ما استقر فى وجدان المحكمة بالحقائق الراسخة لا تبدلها الأهواء ولا تحركها الأصداء ولا صوت يعلو فوق صوت القانون ولا مجال أمام المحكمة لروايات مصدرها الشائعات. وأشار رئيس المحكمة فى كلمته السابقة على نطقه بالحكم. كم من رواية راجت ثم بادت وكم من شائعة علت ثم هوت وكم من حقيقة حاصرها الباطل فكشف القضاء وجهها، وأقام العدل على أركانها. فالعدالة لا تباع بالمشاهدات ولا تشترى بالاعجابات وإنما تقام بالدلائل والبينة ويعدلها قضاء لا يعرف الا الحق ولا يخشى الا الله. فقضاء المحكمة لا ينطق بلسان الجمهور بل يعلو فوق الضجيج إذا علا ويعلو على الهوى إذا طغى ويتمسك بالدليل إذا اضطربت الأقوال حتى لا يدان بريء بباطل أو ينجو جان من حق، وبعيدًا عن صخب الشاشات والضجيج الروايات فإن واقعة الجناية تبدأ من بيت ريفى يفترض فيه ان يكون موطنًا للأمان وبدأ رئيس المحكمة يشرح الواقعة انها جاءت بعد مشاجرة بين المجنى عليها وزوجة أخو خطيبها أدت إلى حدوث هذه الجريمة وقالت المحكمة انها اطمأنت إلى أن الجريمة لم تكن مقترنة بسبق الإصرار والترصد الموجب للإعدام، بل وقعت إثر مشادة كلامية آنية وخلاف مفاجئ حول شقة سكنية تطور إلى عنف غير مسبوق عقب علمهما بان الشقة مشاركة بينهما بين الأخوين وزوجتيهما ثم ارتكبت المتهمة جريمتها إثر هذه المشاجرة وحكمت المحكمة عليها بالسجن المؤبد وألزمتها المصاريف، وانتهت هذه القضية بصدور حكم محكمة الجنايات وتبقى كلمة ان كلمة المحكمة عن تلك الشائعات التى احاطت بهذه القضية واللغط والسخط الذى ذكرته المحكمة فهى بمثابة ناقوس يدق لكل من تسول له نفسه الخوض فى أى قضية محل تحقيق أو يتم تداولها بالمحاكم قبل ان يحكم فيها، حفظ الله البلاد والعباد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض