هيئة بلا رأس وعام من القائم بالأعمال.. إرجاء معرض العلمين يكشف خللا بهيئة الكتاب
كان من المفترض أن يكون الأول من أغسطس موعدًا لولادة حدث ثقافي جديد؛ أول معرض للكتاب في مدينة العلمين الجديدة، يمتد لستة أسابيع، ويجمع بين الكتب والندوات وورش الأطفال في واحدة من أحدث المدن المصرية. لكن الأبواب لم تُفتح، ولم يبدأ المعرض، فقد أعلن اتحاد الناشرين المصريين تأجيل انطلاق المعرض، إلى موعد لاحق "لحين استكمال الترتيبات" وجاء ذلك من خلال بيان مقتضب.
لم يكن الخبر في حد ذاته هو الأكثر إثارة، وإنما التوقيت. فقبل أيام قليلة فقط، كانت صفحة "الباب الثقافي" قد طرحت في زاوية "علامة استفهام" مجموعة من الأسئلة حول المعرض، بعدما أثار خبر انطلاق المعرض استياء بعض المهتمين بالشأن الثقافى، متسائلين؛ لماذا يمتد ستة أسابيع؟ من يتحمل هذه التكلفة؟ هل توجد دراسة حقيقية للجمهور المستهدف؟ وما الجدوى من تجربة بهذا الحجم في مدينة يغلب عليها الطابع الموسمي؟ وقد نوهنا أننا عقب المعرض سوف نعود من جديد لنسأل؛ عن عدد زوار المعرض، والأرباح المادية والمعرفية التى حققها المعرض، وهل تفوقت على تكلفته التشغيلية وإقاماته ولجانه، أو حتى تساوت بها، أم لا؟.
لم تكن تلك الأسئلة اعتراضًا على إقامة معرض جديد للكتاب، فكل توسع في الخريطة الثقافية يستحق الترحيب، لكنها كانت محاولة لقراءة مشروع بدا مختلفًا عن التجارب السابقة. وجاء قرار التأجيل ليعيد طرح هذه الأسئلة من جديد، لا باعتبارها جدلًا صحفيًا، وإنما باعتبارها مدخلًا للتفكير في طريقة إدارة المشروعات الثقافية الكبرىوالجهات المنظمة لها وبالتالى المسئولة عن نتائجها.
لكن بيان التأجيل لم يقدم تفسيرًا تفصيليًا، بل اكتفى بالإشارة إلى "استكمال الترتيبات" و"إتاحة الفرصة للناشرين" وتهيئة الظروف لخروج المعرض في صورته المناسبة. وهي صياغة تترك مساحة واسعة للتأويل، لأنها لا تحدد طبيعة الترتيبات المقصودة، ولا تكشف ما إذا كانت العقبات لوجستية وتنظيمية أم مالية وإدارية. وهي لغة اعتادت المؤسسات استخدامها عندما ترغب في تأجيل الإجابة أكثر من رغبتها في شرح الأسباب. فكلما ازدادت عمومية البيان، اتسعت مساحة الأسئلة. وربما تنتهى هنا مشكلة تنظيم معرض العلمين الأول للكتاب، ونكتفى مؤقتًا بقرار إرجائه إلى أجل غير مسمى.
لكن للأسف خبر تنظيم هذا المعرض وخبر إرجائه أيضًا، قد فتحا بابًا من الأسئلة، أظنه لا يٌغلق بسهولة، لأن المعرض لم يكن هو المشكلة، إنما المشكلة تكمن في المؤسسة المنوط بها تنظيم الحدث. وفي مثل هذه الحال، يصبح من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى تلك المؤسسة، بحثًا عن تفسير أوسع من البيان المختصر.
وهنا يبرز اسم الهيئة المصرية العامة للكتاب، بوصفها إحدى أهم المؤسسات الثقافية في مصر، وصاحبة التاريخ الطويل في النشر وتنظيم المعارض. فالمسألة لا تتعلق بجهة حديثة التجربة، وإنما بمؤسسة لعبت دورًا محوريًا في تشكيل المشهد الثقافي لعقود، وأسهمت في تقديم آلاف العناوين، وإتاحة الكتاب بأسعارمناسبة، وتنظيم واحد من أكبر معارض الكتاب في المنطقة. فالهيئة المصرية العامة للكتاب ليست مؤسسة صغيرة أو حديثة العهد. إنها الجهة التي تتولى شأن نشر قطاع عريض من الثقافة فى مصر،وتدير شبكة واسعة من الأنشطة الثقافية. ومع ذلك، فإنها تُدارمنذ عام بصيغة "القائم بالأعمال"، وهو وضع إداري يطرح تساؤلات حول قدرة المؤسسة على اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى أو تحمل مسؤولية مشروعات مكلفة وطويلة الأمد. وفي مؤسسات بهذا الحجم، يصبح غياب صاحب القرار أكثر من مجرد تفصيلة إدارية. فالقرارات الكبرى لا تحتاج فقط إلى توقيع، بل إلى مسؤول يتحمل نتائجها، نجاحًا أو إخفاقًا. وعندما يغيب هذا الدور، يصبح التأجيل هو الخيار الأكثر أمانًا، ليس لأنه الحل الأفضل، وإنما لأنه الأقل كلفة على من يدير المشهد. لكن حجم المؤسسة وتاريخها لا يمنعان من طرح الأسئلة حول واقعها الحالي، فهذا الوضع الإداري، مهما كانت مبرراته، يثير تساؤلات حول مدى تأثيره في سرعة اتخاذ القرار، وقدرة المؤسسة على إطلاق مشروعات كبيرة تحتاج إلى رؤية واضحة ومسؤولية مباشرة عن نتائجها.
وهنا يظهر التباين بين خطاب الهيئة عن نشاطها وخطاب الوسط الثقافي عن تأثيرها على أرض الواقع، فالخطاب الرسمي يركز، في الغالب، على الأرقام، عدد العناوين الصادرة، وعدد الفعاليات، والمعارض، والمنافذ، والمبادرات. وهي مؤشرات مهمة بلا شك، لكنها تظل مؤشرات نشاط، لا مؤشرات أثر، أما الخطاب الذي يتردد بين كثير من الكتّاب والناشرين والمتابعين، فينشغل بأسئلة مختلفة، هل تصل الكتب التى تتكلفها الهيئة إلى قرائها؟ أم يلقى بها فى المخازن، نتيجة لعدم وجود خرائط توزيع احترافية؟ هل تفتح السلاسل أبوابها لأصوات جديدة؟ أم يختار القائمون على الأمر الأقرب من دوائرهم حتى لا يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن مواهب جديدة، ربما تكون أقوى؟ هل تواكب الإصدارات التحولات الفكرية والثقافية الحادثة فى العالم؟أم أنهم يكتفون بالسباحة على الشاطئ؟ وهل تتحول الفعاليات التى تقام بشكل روتينى وآلى إلى تأثير حقيقي، أم تبقى مجرد أرقام في التقريرالسنوي كل عام؟.
ولا تعني هذه الملاحظات التقليل من الجهود التي تبذلها الهيئة، أو تجاهل دورها في دعم النشر وإتاحة الكتاب، لكنها تؤكد أن المرحلة الحالية تحتاج إلى نقاش أوسع حول مفهوم النجاح الحقيقى. فالمؤسسة الثقافية لا تُقاس فقط بعدد ما تنشره، وإنما بقدرتها على صناعة أثر مستدام،وتوسيع دائرة القراءة، وبقدرتها على صناعة قارئ، واكتشاف كاتب، وإطلاق فكرة، وخلق حوارعام، وهذه الفجوة بين الأرقام وأثر هذه الأرقام على الفرد هي جوهر الأزمة فى نشاط الهيئة العامة للكتاب.
ربما لذلك؛ كان إلإعلان عن إطلاق معرض العلمين ثم ارجائه، أكثر من مجرد قرارتنظيمي لمعرض إقليمى؛ لكنه كان مؤشرًا على خلل في آلية صناعة القرار نفسها. فالمؤسسة التي تملك تاريخًا طويلًا وإمكانات كبيرة تحتاج إلى رؤية واضحة بقدر حاجتها إلى الإمكانات، وتحتاج إلى قيادة مستقرة بقدر حاجتها إلى الميزانية. فالثقافة ليست سلسلة من الفعاليات المتجاورة، وإنما مشروع طويل النفس، يقوم على التخطيط والتقييم والمراجعة.
قد يكون الكتاب قادرًا على تغيير المجتمع، لكن ذلك يبدأ دائمًا من مؤسسة تعرف لماذا تطبع، ولمن تطبع، وكيف تقيس أثر ما تطبع. وما لم يتحول هذا السؤال إلى أولوية، سيظل كل معرض جديد معرضًا لاحتمال التأجيل.
وربما يكون تأجيل المعرض فرصة لإعادة النظر في الفكرة؛ هل تحتاج الهيئة إلى معرض جديد أولًا، أم إلى رؤية جديدة؟ وهل يكفي أن تتسع خريطة المعارض، إذا ظلت خريطة القرار نفسها تعاني الأثر على الورق وفى التقارير فقط؟.
لهذا يبقى السؤال الذي طرحه "الباب الثقافى " قائمًا، لكنه لم يعد يخص معرض العلمين وحده، إنما تمدد ليكون؛ كيف يمكن للمؤسسات الثقافية أن توازن بين الطموح والقدرة على التنفيذ؟ لأن نجاح أي مشروع لا يبدأ يوم افتتاحه، بل يبدأ يوم تُبنى فكرته على دراسة واضحة، وقرار مسؤول، ورؤية تعرف إلى أين تريد أن تصل، وقدرة على الوصول إلى الأثر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالأرقام : ماذا تقدم الهيئة المصرية العامة للكتاب؟
450 عنواناً جديداً : تصدر الهيئة سنوياً ما يقرب من 450 عنواناً جديداً في مختلف مجالات المعرفة والآداب.
1700 فعالية : تنظم الهيئة أكثر من 1700 فعالية ثقافية سنوياً تشمل ندوات وأمسيات وورش عمل ولقاءات فكرية.
55 معرضاً : تشارك الهيئة وتنظم نحو 55 معرضاً سنوياً داخل مصر وخارجها.
". منفذ بيع: تدير الهيئة 22 منفذ بيع في قرى مبادرة "حياة كريمة.
مبادرة "مكتبة لكل بيت": أطلقت الهيئة مبادرة "مكتبة لكل بيت" لتوفير إصدارات بأسعار مدعمة.
أكثر من 30 سلسلة: تصدر الهيئة أكثر من 30 سلسلة إصدارية من بينها: "آفاق عالمية"، "كتاب الهلال"، "إبداعات"، "مكتبة الطفل"، "مكتبة الشباب"، "تاريخ المصريين"، "دراسات " وأطلقت مؤخراً: "عقول"، "ديوان الشعر المصري"، "ما"."
200منشور وتعليق: تم رصد 200 منشور وتعليق على مواقع التواصل الاجتماعي خلال العام الماضي تناولت نشاط الهيئة وإصداراتها وفعالياتها، جاء أغلبها سلبًا.
أغسطس 2025: تاريخ استقالة آخر رئيس للهيئة وهو الدكتور أحمد بهي الدين العساسي.
يونيو 2026: تاريخ انتهاء ندب الدكتور خالد أبو الليل بصفته "القائم بأعمال رئيس الهيئة.
مديرين: تم إسناد تسيير الأعمال حالياً إلى مدير عام المكتب الفني ورئيس الإدارة المركزية للمعارض لحين تعيين رئيس جديد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض



