تراجع سن الجريمة إلى 15 عامًا.. الشاذلي يكشف الأسباب ويحذر من تقليد محتوى العنف
أكد اللواء خالد الشاذلي، الخبير الأمني ومساعد وزير الداخلية الأسبق، أن مواجهة الجريمة لم تعد مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما أصبحت معركة مجتمعية متكاملة تتطلب التعامل مع الأسباب والجذور التي تقف وراءها، مشيرًا إلى أن الجريمة بمفهومها الشامل ليست مجرد مخالفة للقانون أو واقعة جنائية تستوجب الضبط والعقاب، وإنما ظاهرة اجتماعية تتداخل في تشكيلها عوامل اقتصادية وثقافية ودينية وأسرية وسلوكية، وهو ما يجعل مواجهتها بحاجة إلى رؤية شاملة تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.
وأوضح الشاذلي أن أي محاولة جادة للحد من معدلات الجريمة تبدأ من التشخيص الصحيح لأسبابها، مؤكدًا أن التعامل مع النتائج دون البحث عن مسبباتها قد يحقق نجاحًا مؤقتًا، لكنه لا يقضي على الظاهرة من جذورها، مضيفا أن الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلامية والفنية، إلى جانب أجهزة الدولة المختلفة، جميعها أطراف رئيسية في منظومة الوقاية من الجريمة وترسيخ السلوك القويم داخل المجتمع.
عوامل اجتماعية واقتصادية وراء الجريمة
وقال الشاذلي إن أسباب الجريمة متعددة ومتشابكة، وتشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والدينية، فضلًا عن غياب الوعي والقدوة الحسنة داخل بعض الأسر، لافتًا إلى أن البيئة المحيطة بالفرد تلعب دورًا مؤثرًا في تشكيل شخصيته وطريقة تعامله مع المجتمع.
وأضاف أن ضعف الرقابة الأسرية وغياب الحوار والتوجيه السليم قد يفتح الباب أمام بعض الشباب للانجراف وراء سلوكيات خاطئة، خاصة في ظل سهولة الوصول إلى محتوى يحمل أفكارًا أو نماذج سلبية عبر وسائل التواصل الحديثة.
وأشار الخبير الأمني إلى أن انتشار المخدرات يمثل أحد أخطر العوامل التي تؤثر في السلوك العام، لما لها من انعكاسات مباشرة على وعي الفرد وقدرته على التحكم في تصرفاته، مؤكدًا أن مواجهة هذه الظاهرة يجب أن تسير بالتوازي مع الجهود الرامية إلى مكافحة الجريمة بمختلف صورها.
حرب فكرية تستهدف النسيج الأخلاقي
وشدد مساعد وزير الداخلية الأسبق على أن المجتمع يواجه ما وصفه بحالة من الحرب الفكرية الداخلية والخارجية، تستهدف التأثير على منظومة القيم والأخلاق، مؤكدًا أن الحفاظ على وعي الشباب بات ضرورة أساسية في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وأوضح أن المواجهة لا تقتصر على ضبط الجريمة بعد وقوعها، وإنما يجب أن تبدأ بالوقاية منها من خلال بناء وعي حقيقي لدى الأجيال الجديدة، وتعزيز قيم الانتماء والمسؤولية واحترام القانون، إلى جانب تقديم نماذج إيجابية يمكن للشباب الاقتداء بها.
سرعة الاستجابة الأمنية ومواجهة الجريمة
وفيما يتعلق بمعدلات الجريمة، أوضح الشاذلي أن وزارة الداخلية تعتمد بدرجة كبيرة على نظم الإحصاء والمتابعة العلمية في رصد وتحليل الظواهر الإجرامية، بما يساعد الأجهزة المعنية على تحديد أنماط الجرائم ومناطق انتشارها والتعامل معها بصورة أكثر دقة.
وأشار إلى أن بعض جرائم العنف والبلطجة ربما شهدت زيادات نسبية، خاصة في ظل التطور التكنولوجي وسرعة انتشار الوقائع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن ذلك يقابله تطور كبير في قدرات الأجهزة الأمنية وسرعة استجابتها للبلاغات والوقائع.
ولفت إلى أن الأجهزة الأمنية، مدعومة بجهود الإدارة العامة لمباحث تكنولوجيا المعلومات وشبكات كاميرات المراقبة المنتشرة على مستوى الجمهورية، أصبحت قادرة في العديد من الوقائع على تحديد هوية مرتكبي الجرائم وضبطهم خلال ساعات، ومن ثم تقديمهم إلى جهات التحقيق والعدالة، وهو ما يعكس – بحسب تعبيره – مستوى مرتفعًا من الكفاءة والردع وسرعة التعامل مع الخارجين على القانون.
لماذا يتراجع سن ارتكاب جرائم البلطجة؟
وكشف اللواء خالد الشاذلي أن الفئة العمرية الأكثر تورطًا في جرائم استعراض القوة والبلطجة تتركز بصورة أكبر بين 15 و20 عامًا، معتبرًا أن تراجع سن ارتكاب بعض الجرائم يمثل مؤشرًا يحتاج إلى دراسة مجتمعية متأنية، خاصة أن هذه المرحلة العمرية تتسم بالتأثر السريع بالمحيط والرغبة في إثبات الذات.
وأوضح أن هناك عاملين رئيسيين وراء هذه الظاهرة، يأتي في مقدمتها تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتيح انتشار مقاطع العنف بصورة واسعة وفي وقت قصير، بما قد يؤدي لدى بعض المراهقين إلى نشوء ثقافة التقليد الأعمى ومحاولة محاكاة السلوكيات التي يرونها عبر الإنترنت.
الدراما والسوشيال ميديا تحت المجهر
وأضاف الشاذلي أن بعض الأعمال الدرامية التي تقدم نماذج سلبية للعنف والبلطجة يمكن أن تسهم، في بعض الحالات، في تطبيع هذه السلوكيات لدى فئات من الشباب، خاصة عندما يتم تقديم الشخصيات الإجرامية في صورة جذابة أو باعتبارها نموذجًا للقوة والنجاح.
وأكد أن هذه القضية كانت محل اهتمام سابق من القيادة السياسية، التي شددت على أهمية مواجهة الظواهر الهدامة، وإعادة صياغة الرسالة الإعلامية والفنية بما يتناسب مع احتياجات المجتمع، ويسهم في بناء وعي حقيقي لدى الأجيال الجديدة.
المواجهة تبدأ من المجتمع
وأوضح أن مواجهة الجريمة تحتاج إلى تكامل الأدوار بين أجهزة الدولة والأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلام والفن، مشددًا على أن الأمن قادر على ضبط مرتكبي الجرائم وتطبيق القانون، لكن القضاء على مسببات الجريمة يتطلب تدخلًا مجتمعيًا واسعًا يستهدف بناء الإنسان قبل وقوع الجريمة.
وأكد أن الاستثمار في وعي الشباب، وتوفير القدوة الحسنة، وتعزيز دور الأسرة، ومواجهة المخدرات والمحتوى المحرض على العنف، تمثل جميعها خطوط دفاع أساسية لحماية المجتمع، بالتوازي مع استمرار التطوير الأمني والتكنولوجي في مواجهة الجريمة وملاحقة مرتكبيها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض