رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

عمال اليومية يدفعون ثمن عشوائية تطبيق قانون التصالح

بوابة الوفد الإلكترونية

في الوقت الذي تكثف فيه الدولة جهودها لمواجهة مخالفات البناء ووقف الأعمال غير المرخصة، والسماح بالتصالح في الحالات التي تنطبق عليها شروط القانون رقم 187 لسنة 2023، يجد آلاف العمال الذين يعتمدون على "الأجرة اليومية" أنفسهم أمام أزمة معيشية متزايدة، بعدما تراجعت فرص العمل في قطاع التشييد والبناء، الذي يمثل مصدر رزق رئيسيًا لشريحة واسعة من العمالة غير المنتظمة وأصحاب المهن الحرة.

وفي الأحياء الشعبية والمناطق ذات الكثافات السكانية المرتفعة، انعكست إجراءات وقف البناء بصورة مباشرة على مهن مرتبطة بالتشييد، من الحدادين والنجارين وعمال المحارة والنقاشة، إلى فنيي السباكة والكهرباء ونقل مواد البناء وعمال الخرسانة، بينما لم تختفي أعمال البناء المخالف بصورة كاملة، إذ تستمر في بعض المناطق بصورة سرية بعيدًا عن أعين أجهزة الحكم المحلي أو عن طريق فساد بعض عناصر الأجهزة نفسها، الأمر الذي يخلق مفارقة يدفع ثمنها العامل البسيط.

فالعمالة اليومية لا تمتلك راتبًا ثابتًا أو مصدر دخل بديلًا في كثير من الحالات؛ إذ يمثل يوم العمل بالنسبة للعامل دخلًا يوفر احتياجات أسرته الأساسية، بينما يتحول توقف العمل لأسابيع أو أشهر إلى أزمة اقتصادية يصعب تحملها.

حول ذلك، يقول (أشرف سمير)، مقاول باليومية، لـ"الوفد"، إن انخفاض حجم الأعمال في بعض المناطق انعكس بصورة مباشرة على حركة العمالة المرتبطة بقطاع البناء، بدءًا من العمال القائمين على نقل مواد البناء، وصولًا إلى الحرفيين المتخصصين في أعمال المحارة والكهرباء والسباكة.

ويضيف: "نعمل في مجال المقاولات وصب الأسقف الخرسانية بالعمارات السكنية في الأحياء الشعبية، ورغم صعوبة العمل ومشقته، فإنه يمثل مصدر الدخل الأساسي لنا ولأسرنا. لكن توقف أعمال البناء في عدد كبير من المناطق أدى إلى تراجع فرص العمل بشكل كبير، وأصبحنا ننتظر أيامًا طويلة حتى نحصل على شغل، بعدما كنا نعمل بصورة شبه يومية"، مشيرا إلى الإجراءات التعسفية التي تتخذها الأحياء ضد عمال اليومية تحت مسمى وقف البناء المخالف، مثل مصادرة أدوات ومعدات البناء وإغلاق تشوينات الرمل ومواد البناء، كل ذلك يؤثر بشكل مباشر على الحياة المعيشية للعمالة غير المنتظمة وأسرهم.

ويتابع: "المشكلة أن البناء المخالف ما زال قائمًا في بعض المناطق، بينما العمال الذين يعتمدون على العمل اليومي هم أول من يتضرر من توقف النشاط. نحن لا نطالب بالسماح بالمخالفات، لكن نريد حلولًا تضمن استمرار العمل بصورة قانونية ومنظمة، حتى لا نجد أنفسنا بلا مصدر دخل".

كما يشير عدد من العمال في أحياء شرق القاهرة (السلام - عين شمس ـ المرج - المطرية) إلى أن اعتراضهم لا يتعلق بمبدأ مواجهة البناء المخالف أو تطبيق القانون، وإنما بالآثار الاقتصادية المباشرة لإجراءات المنع والرقابة على فئات لا تملك قرار إنشاء المبنى أو الحصول على ترخيصه.

ويؤكد العمال أن توقف أعمال البناء الرسمية أو المرخصة في بعض المناطق لا يعني بالضرورة توقف جميع أنشطة التشييد، إذ قد تستمر بعض الأعمال المخالفة بصورة سرية، وهو ما يخلق معادلة غير متوازنة؛ فالعامل الذي يبحث عن فرصة في السوق القانونية يفقد مصدر دخله، بينما يجد النشاط المخالف أحيانًا طريقًا للاستمرار بعيدًا عن المسارات الرسمية.

ويرى خبراء، أن معالجة أزمة العمالة المرتبطة بقطاع البناء لا ينبغي أن تقتصر على وقف المخالفات وإزالتها، وإنما تحتاج إلى رؤية متكاملة توازن بين تطبيق القانون والحفاظ على فرص العمل المشروعة، حيث يقول اللواء الدكتور رضا فرحات، محافظ الإسكندرية الأسبق وخبير الإدارة المحلية، إن مواجهة البناء المخالف تمثل ضرورة للحفاظ على التخطيط العمراني، ورفع كفاءة المرافق، وحماية حقوق المواطنين، إلا أن نجاح هذه المواجهة يتطلب في الوقت نفسه مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها، خاصة في الأحياء الشعبية التي تعتمد شريحة واسعة من سكانها على أعمال البناء والتشطيبات والمهن المرتبطة بها كمصدر أساسي للدخل.

وأوضح فرحات، في تصريح خاص لـ"الوفد"، أن التعامل مع ظاهرة البناء المخالف يجب أن يقوم على معادلة متوازنة تجمع بين تطبيق القانون بحسم وعدم السماح باستمرار المخالفات، وبين حماية فرص العمل المشروعة للعمالة اليومية وأصحاب المهن الحرة، حتى لا يتحولوا إلى ضحايا لإجراءات التصحيح والتنظيم.

وأشار إلى أن وقف البناء المخالف لا يعني بالضرورة وقف النشاط الاقتصادي المرتبط بقطاع التشييد، وإنما يستلزم إعادة تنظيم هذا النشاط داخل إطار قانوني واضح، من خلال التوسع في مشروعات البناء المرخص، وتسريع إجراءات استخراج التراخيص وتبسيطها، وفتح مسارات قانونية أمام المواطنين الراغبين في توفيق أوضاع عقاراتهم وفقًا للقواعد المنظمة.

ولفت إلى أن جانبًا من المشكلة يرتبط بوجود فجوة بين احتياجات المواطنين وقدرتهم على الوصول إلى المسارات الرسمية، وهو ما يجعل إصلاح المنظومة الإدارية وتيسير الخدمات المحلية عنصرًا أساسيًا في الحد من المخالفات، وليس الاعتماد فقط على الإزالة أو وقف الأعمال بعد وقوع المخالفة.

وشدد محافظ الإسكندرية الأسبق على ضرورة أن تتضمن خطط مواجهة البناء المخالف بعدًا اجتماعيًا واضحًا، من خلال حصر العمالة غير المنتظمة وأصحاب الحرف المرتبطة بالتشييد في المناطق المتأثرة بقرارات وقف البناء، وربطهم ببرامج التدريب والتأهيل وفرص العمل المتاحة في المشروعات القومية والتنموية ومشروعات تطوير المناطق غير المخططة.

وأضاف أن الدولة تمتلك فرصة لتحويل الأزمة إلى مسار إيجابي، بحيث يصبح تنظيم سوق البناء مدخلًا لرفع كفاءة العمالة وتحسين جودة المهن والحرف، بدلًا من ترك هذه الفئات أمام خطر فقدان مصدر دخلها.

وأكد فرحات أن الإدارة المحلية مطالبة بالانتقال من مفهوم الرقابة التقليدية إلى الإدارة الاستباقية، من خلال المتابعة المبكرة، والرقمنة، والربط بين بيانات التراخيص والمرافق، وسرعة اكتشاف المخالفات قبل تفاقمها، إلى جانب تشجيع المواطنين على الالتزام بالقانون من خلال إجراءات واضحة وسريعة.

ودعا إلى تعزيز الحوار مع ممثلي الحرف والعمالة وأصحاب المهن الحرة في الأحياء الشعبية، للوصول إلى حلول عملية تراعي الواقع الاقتصادي والاجتماعي لكل منطقة، مؤكدًا أن الهدف النهائي لا يجب أن يكون فقط وقف المخالفة، وإنما بناء بيئة عمرانية منضبطة واقتصاد محلي أكثر تنظيمًا واستدامة.

وأكد فرحات أن تحقيق الانضباط العمراني والحفاظ على فرص العمل ليسا هدفين متعارضين، وإنما يمكن تحقيقهما من خلال سياسة متكاملة تقوم على سيادة القانون، وتيسير الإجراءات، وتوفير البدائل الاقتصادية، وربط التنمية العمرانية بالحماية الاجتماعية.

من جهته أكد الدكتور الحسين حسان خبير التنمية المحلية والتطوير الحضاري أن قرارات وقف أعمال البناء تنعكس بصورة مباشرة على العمالة اليومية، مؤكدًا أن مواجهة البناء المخالف يجب ألا تعني وقف مصدر رزق العامل.

وأضاف في تصريح لـ "الوفد" أن التوسع في وقف أعمال الإنشاء، بما فيها بعض الأعمال المرخصة، أدى في بعض المناطق إلى تعطيل النشاط الاقتصادي وتوقف أعمال صب الأسقف وغيرها من المهن المرتبطة بقطاع البناء، وهو ما يضع العمالة اليومية أمام أزمة حقيقية، خاصة أن العامل لا يمتلك راتبًا ثابتًا يمكنه الاعتماد عليه حتى نهاية الشهر.

وأشار إلى أن استمرار توقف أعمال البناء لفترات طويلة قد يؤدي إلى تراجع دخول العمال، وتوقف الصناعات والمهن الصغيرة المرتبطة بالقطاع، ودفع بعض العاملين إلى الاقتراض غير الرسمي، بما يزيد من هشاشة أوضاعهم الاقتصادية.

وشدد على ضرورة الانتقال من التعامل مع المشكلة باعتبارها «بناءً غير منضبط» إلى دعم «البناء القانوني» وفق ضوابط هندسية ورقابية واضحة، مع تشديد الرقابة على المخالفات بدلًا من تعطيل النشاط بصورة شاملة.

وطالب بإنشاء قاعدة بيانات للعمالة غير المنتظمة داخل الوحدات والإدارات المحلية، بحيث يمكن حصر العمال المتضررين من قرارات وقف البناء ووضع آليات لتشغيل من يفقدون أعمالهم أو توفير بدائل مؤقتة لهم، مؤكدًا أن العامل لا ينبغي أن يُعامل باعتباره جزءًا من المخالفة، وإنما باعتباره متضررًا من تداعياتها.