في زمن الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكان شاب من قرية صغيرة أن يتعلم من أكبر جامعات العالم بضغطة زر، وأن ينافس أبناء العواصم من أمام شاشة موبايله لكن يبدو أن هناك شيئاً واحداً لم يتغير بالسرعة نفسها "الواسطة والمحسوبية".
ما زال السؤال الذي يسبق الكفاءة في أماكن كثيرة: "إنت ابن مين؟"
وما زال هناك من يفتح له الباب لأن والده صاحب منصب، أو لأن عائلته تملك المال والنفوذ والعلاقات، بينما يقف شاب آخر على الباب طويلًا، ليس لأنه أقل كفاءة، وإنما لأنه ببساطة لا يملك واسطة.
هل انتهى زمن المحسوبية فعلًا؟ أم أننا فقط غيرنا أسماءها؟
هل ابن العامل البسيط، لو كان متفوقًا، يستطيع أن يصبح مستشاراً؟هل ابن الفلاح يستطيع أن يصل إلى موقع قيادي؟هل ابن الموظف الغلبان يستطيع أن يدخل عالم السياسة، أو الرياضة، أو الإدارة، دون أن يبحث أولًا عن شخص "يعرفه"؟
الإجابة التي نتمناها: نعم، وبكل تأكيد.
لكن الواقع أحياناً يقول لنا إن الطريق لا يزال أطول أمام أبناء الطبقات البسيطة.
وهنا لا نتحدث عن الحقد على الناجحين، ولا عن رفض أن يدخل أبناء المسؤولين أو رجال الأعمال الحياة العامة.
من حق أي إنسان أن ينجح، لكن ليس من حق أحد أن يحول النجاح إلى امتياز عائلي ينتقل من جيل إلى جيل.
في" كرة القدم" المفروض أن الملعب هو المكان الأكثر عدلًا، لا يهم من أبوك، ولا يهم كم تملك، ولا يهم من تعرف.
الكرة أمامك، والـ90 دقيقة هي الحكم.
ومع ذلك، كم من موهبة في قرى مصر ماتت قبل أن تصل إلى أول اختبار حقيقي، كم طفلًا كان يمكن أن يصبح نجماً، لكن ظروف أسرته أو مكانه الجغرافي أو غياب العلاقات أغلقت أمامه الطريق؟
محمد صلاح خرج من قرية مصرية ووصل إلى العالمية، وأصبح واحداً من أهم سفراء الرياضة المصرية في العالم.
كم محمد صلاح آخر موجود في قرى مصر ولم يحصل على فرصته.
المشكلة ليست أن صلاح وصل، المشكلة أننا يجب أن نخلق نظاماً يسمح لآلاف المواهب بأن تصل، لا أن ننتظر "صلاحاً واحداً" كل عدة سنوات.
أما "السياسة" فهنا السؤال أكثر حساسية
الحياة الحزبية والسياسية يجب أن تكون مفتوحة أمام المواطن البسيط، أمام الشاب الذي لديه فكرة، والعامل الذي لديه تجربة، والفلاح الذي يعرف مشاكل قريته، والموظف الذي يعرف معاناة الناس.
لكن عندما يتحول النفوذ والمال والعلاقات إلى بوابة للترشح والمناصب، تصبح السياسة شيئاً آخر.
وأحياناً نرى العائلة الواحدة حاضرة بقوة في المشهد"أب.. وأبناء.. وزوجة.. وأقارب"
مرة أخرى، لسنا ضد أحد لمجرد أنه ابن فلان أو زوجة فلان، لكن السؤال المشروع
هل نختار الأشخاص لأنهم الأكفأ؟ أم لأن أسماءهم تسبقهم؟
لأن السياسة ليست ملكية خاصة، والحزب ليس شركة عائلية، والمقعد النيابي ليس ميراثاً، والعمل العام ليس "تركة" تنتقل من الأب إلى الابن، نريد عدالة الفرص، لا عدالة الشعارات
مصر لا ينقصها الأذكياء، ولا ينقصها أصحاب المواهب، ولا ينقصها الشباب القادر على القيادة.
الذي ينقصنا هو أن نضمن لهم فرصة عادلة
أن يصبح ابن القرية قادراً على الوصول مثل ابن العاصمة، وأن يستطيع ابن العامل منافسة ابن رجل الأعمال، وأن يدخل ابن الفلاح الجامعة والمجال العام والرياضة والسياسة بعلمه وكفاءته، وليس ببطاقة توصية.
نحن لا نريد أن نحارب الناجحين، نريد فقط أن نعرف "هل النجاح أصبح متاحاً للجميع"؟
وهل أصبح الطريق إلى القمة مفتوحاً أمام من يستحق، أم ما زال يحتاج إلى "واسطة" تفتح الباب؟
في عصر الـAI، العالم كله يتغير بسرعة مذهلة، لكن أخطر شيء أن نمتلك أحدث تكنولوجيا في أيدينا بينما تظل عقولنا أسيرة قاعدة قديمة: "إنت ابن مين؟"
نريد أن يأتي يوم يكون السؤال فيه: "إنت بتعرف تعمل إيه؟"
يومها فقط نستطيع أن نقول إننا غيرنا قواعد اللعبة.
فالسؤال ما زال مطروحاً:هل بدأنا نغير مجرى النهر؟ أم ما زلنا نسير مع النهر نفسه؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض