رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

هوامش

هناك مصر أخرى لا تظهر فى جداول التضخم، ولا فى بيانات النمو، ولا فى تقارير المؤسسات الدولية.. مصر التى تبدأ حساباتها الحقيقية أمام بائع الخضار، وفى فاتورة الكهرباء، وفى طابور المواصلات، وفى دفتر المصروفات الذى لم يعد راتب آخر الشهر يكفيه.

فى اقتصاد الجيب تختبر الحكومة كل أرقامها. فقد تقول البيانات إن مؤشرات الاقتصاد تتحسن، وإن التضخم يسير فى مسار يمكن السيطرة عليه، وإن الدولة قطعت شوطًا فى الإصلاح الاقتصادى، وكل ذلك قد يكون صحيحًا من الناحية الحسابية. لكن المواطن لا يعيش داخل جدول إحصائى، ولا يدفع فواتيره بالنسبة المئوية، ولا يشترى احتياجاته وفقًا لمؤشرات الاقتصاد الكلى.

المواطن يدفع جنيهًا حقيقيًا من دخله الحقيقى. وهنا تكمن المسافة بين اقتصاد تُقاس صحته بالأرقام، واقتصاد يُقاس بما يتبقى فى جيب المواطن آخر الشهر.

فقد ارتفع التضخم السنوى فى مصر إلى 14.9% فى يوليو، بعد أن سجل 14.3% فى يونيو، بالتزامن مع تطبيق زيادات جديدة على بعض شرائح الكهرباء خلال أغسطس. وقد تبدو هذه النسب محدودة لمن ينظر إليها من أعلى، لكنها بالنسبة لأسرة تعيد ترتيب احتياجاتها كل شهر ليست مجرد أرقام؛ بل تُترجم إلى طعام أقل، ودواء مؤجل، وملابس مؤجلة، وترفيه ملغى، واحتياجات أساسية يجرى حسابها أكثر من مرة قبل شرائها.

ليس المطلوب أن تنكر الدولة أرقامها، أو تتجاهل ما تحقق، أو تتعامل مع الإصلاح الاقتصادى باعتباره خطأ يجب التراجع عنه. فبناء اقتصاد قوى ومستقر، وزيادة الإنتاج، وجذب الاستثمار، وخفض الاختلالات المالية، أهداف لا خلاف عليها.

لكن السؤال الذى يجب أن يظل مطروحًا هو: متى يتحول تحسن الاقتصاد من خبر جيد فى نشرات الأخبار إلى إحساس حقيقى داخل البيوت؟

هذه ليست معركة بين الحكومة والمواطن، ولا دعوة إلى هدم ما تحقق، وإنما مطالبة بأن يكون الإنسان هو الغاية النهائية للإصلاح الاقتصادى، وليس مجرد الطرف الذى يتحمل تكلفته.

فالإصلاح لا يكتمل بمجرد تحسن المؤشرات. الإصلاح الحقيقى يبدأ عندما يستطيع الدخل أن يلاحق الأسعار، وعندما تستطيع الأسرة دفع فواتيرها دون التضحية باحتياجات أخرى، وعندما لا يصبح ارتفاع سعر سلعة أساسية سببًا لإعادة كتابة ميزانية الأسرة بالكامل.

فالأسعار لا تتعامل مع المواطن باعتباره رقمًا فى متوسطات الدخل. بائع الخضار لا يقول إن التضخم انخفض، وصاحب الصيدلية لا يبيع الدواء وفقًا لمعدل النمو، وسائق المواصلات لا يحسب أجرته بناءً على توقعات المؤسسات الدولية.

لذلك لا ينبغى أن يقاس نجاح السياسة الاقتصادية فقط بمؤشرات الاقتصاد الكلى، وإنما أيضًا بما يحدث فى الحياة اليومية: كم يدفع المواطن؟ وكم يتبقى له؟ وكم ارتفعت تكلفة احتياجات أسرته؟ وهل ما زال قادرًا على الادخار والتعليم والعلاج والسكن

وهنا تأتى مسئولية الدولة: أن تشرح للناس، لا أن تكتفى بإبلاغهم. فالمواطن يستطيع تحمل الصعب إذا فهم لماذا هو صعب، وإلى أين يقوده، ومتى يمكن أن يرى ثماره.

أما أن يسمع عن مؤشرات إيجابية بينما يشعر بأن حياته تزداد كلفة، فهذه فجوة خطيرة بين الخطاب الرسمى والتجربة الشعبية.

قد تتحسن مؤشرات التضخم والنمو والاستثمار والدين، لكن كل ذلك يجب أن تكون له ترجمة واضحة فى حياة المصريين. فالنمو الذى لا يخلق فرص عمل أفضل، والدخل الذى لا يلحق بتكاليف المعيشة، والاستثمار الذى لا ينعكس على الخدمات، تظل مؤشرات ناقصة من وجهة نظر المواطن.

الدولة تحتاج إلى اقتصاد قوى.. والمواطن يحتاج إلى حياة محتملة. ولا تعارض بين الاثنين.

لقد تحمل المصريون كثيرًا خلال سنوات الإصلاح، ودفعوا أثمانًا باهظة من أجل الاستقرار الاقتصادى. لكن التحمل ليس شيكًا على بياض ولا وعدًا أبديًا.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تصبح الدولة سعيدة بأرقامها، بينما يصبح المواطن خائفًا من فاتورته.

هناك اقتصاد تقوله الدولة.. وهناك اقتصاد يعيشه الناس. والحكمة تقتضى ألا نضع الاثنين فى مواجهة، وإنما أن نجعل الأول يخدم الثانى، أن يتحول النمو إلى دخل، والاستقرار إلى أمان، والإصلاح إلى عدالة، والأرقام إلى حياة.

وإلا ستظل هناك مصر فى التقارير.. ومصر أخرى تنتظر عند صندوق الدفع.

[email protected]