رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الناصية

لم تكن الحروب يومًا نزهة للمحاربين، ومآسى ما بعد الحرب، أشد قسوة من الحرب نفسها.. وقد أراد المخرج كريستوفر نولان فى ملحمته السينمائية الجديدة «الأوديسة»(The Odyssey - 2026)؛ عن ملحمة الشاعر الإغريقى هوميروس، نزع الغطاء الذهبى عن مفهوم «النصر المظفر»، ليغوص فى الأعماق المظلمة لمأساة تمتد آثارها لتلتهم الشجر، والحجر، والأرواح التى خاضت المعارك!

ولأننا تحت وابل من الأخبار وأطنان من التقارير التليفزيونية المصورة عن حروب دائرة حاليًا فى العالم لا معنى لها وبلا نهاية وبلا انتصار.. يتجاوز نولان حدود الشاشة ليصنع معمارًا بصريًا وهندسيًا ينبض بالخراب الذى نعيشه حيث لم تكن طروادة وكل مدينة منهدمة على سكانها مجرد حطام لمدينة سقطت، بل تجسيدًا لكارثة إنسانية شاملة لكل الدول وشعوبها!

 يعرض الفيلم بذكاء وقسوة كيف تحوّل الحروب المجتمعات المستقرة إلى أطياف ممزقة؛ تشرّد الأسر، وتستنزف الثروات، وتترك الشعوب تغرق فى فقر وألم لا ينتهى بانتهاء المدافع والصواريخ.. الحروب فى رؤية نولان لا تخلق غالبًا ومغلوبًا، بل تخلق ضحايا على جانبى جبهة القتال، وتترك الدول أثرًا بعد عين!

وكما انهار مخترع القنبلة الذرية روبرت أوبنهايمر رغم نجاح اختراعه، فى فيلم كريستوفر نولان الأخير «أوبنهايمر»، وسقوطه فى دوامة الجدل الأخلاقى للعلم ومسئوليته فى استخدامه لقتل عشرات الآلاف من المدنيين، يركز فيلم «الأوديسة» كذلك على «عقدة المنتصر».. ففى اللحظة التى يفترض أن تبدأ فيها الأفراح بعد النصر على طروادة والعودة إلى الوطن؛ فالملك أوديسيوس (الذى يجسد شخصيته ببراعة الممثل مات ديمون) والجنود الذين معه لا يعودون كأبطال، بل كأرواح معذبة تسقط فى متاهات تكابد فيها صدمات الحرب!

لم تكن البحار فى الفيلم مجرد مساحة مائية، بل كانت تمثيلًا بائسًا ورمزيًا للشتات الداخلى. وللوحوش التى يواجهها أوديسيوس- من الكايلوبس ذات العين الواحدة إلى نداءات الحوريات القاتلة- ليست سوى تجسيد لمخاوف الجنود، وشعورهم بالذنب، والخطايا التى ارتكبوها باسم «الواجب والوطنية» فإنهم يقاتلون أشباحهم قبل أن يقاتلوا أمواج البحر!

حرب طروادة لا تختلف كثيرًا عما جرى من إبادة جماعية فى غزة، ولا عن مآسى الحرب الروسية /الأوكرانية ولا الحرب الامريكية/ الإسرائيلية/ الإيرانية.. وستظل مصائر كل المشاركين فيها معلقة ما بين موت وعذاب بلا نهاية.. وبطل فيلم كريستوفر نولان «أوديسيوس» لا يختلف كثيرًا عن رؤساء وقادة دول ورطوا بلدانهم وشعوب فى حروب هم خاسرون فيها حتى ولو خرجوا منها منتصرون!

وفيلم «الأوديسة» الذى أخرجه وكتب السيناريو له كريستوفر نولان، وشارك فى بطولته مع مات ديمون، آن هاثاواى، وتوم هولاند، وروبرت باتينسون، وزندايا، وتشارليز ثيرون، قد تم تصوِيره بالكامل بكاميرات IMAX، وهو نظام تصوير سينمائى فائق الدقة يعتمد على أشرطة أفلام ضخمة بقياس 65/70 ملم، حيث توفر هذه الكاميرات دقة وضوح ومجال رؤية هائلين، ما يمنح المشاهد تجربة سينمائية غامرة وغير مسبوقة مقارنة بالكاميرات الرقمية العادية فى سابقة هى الأولى لفيلم روائى طويل. ولذلك يستحق الفيلم المشاهدة والاستمتاع برؤية سينمائية مبتكرة تستخدم الزمن المتشابك والموسيقى التصويرية المتوترة، فى ملحمة بصرية يقدم نولان من خلالها تفكيكًا ذكيًا لمفهوم البطولة التقليدى وللقائد الفذ الذى يتحول من بطل أسطورى إلى حطام انسان تطارده أرواح جنوده الموتى؛ وهو يحاول العثور على طريقه إلى المنزل، ليكتشف أن «الوطن» نفسه قد تغير، وأن الشخص الذى غادره لم يعد موجودًا.. مثلما يكتشف المتفرجون بعد مشاهدة فيلم «الأوديسة» بأنه مرآة سينمائية حادة تعكس واقع عالمنا المعاصر، وكأنه بيان ضد الحرب، يخبرنا بصوت مدوٍّ أن أبشع ما فى المعارك ليس الهزيمة، بل العودة منها حتى ولو كنت منتصرًا محملًا بجثث ذكرياتك، لتكتشف أن الحرب لم تنتهِ يوم وضعت أوزارها، بل بدأت للتو داخل روحك!

 [email protected]