رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

ولكَوْني لستُ من أهل الحظوة الذين تربطهم علاقاتٌ وُثْقى بمن يُشكِّل لجان المراقبة في امتحانات الثانوية العامة؛ إذ لم أكن من الذين يقضون فراغهم في مقاهيهم المنتقاة مشاركاً الجلوس بالضحك المفتعل من نكاتهم،كان ذلك مطلع التسعينيات ، ولم يتوانوا هم أيضاً فأركبوني قطار الشرق وأعني به تكليفي بالتجول بين مراكز محافظة الشرقية ملاحظا في امتحانات الثانوية العامة فمررت بمراكز( منيا القمح، الإبراهيمية، ديرب نجم، صافور، ومركز الزقازيق بكثير من مدارسه)، وأنا أيضا لم يكن يهمني أين التكليف ولا مشاق الملاحظة في محافظة الشرقية إذا قورنت بمحافظة دمياط الهادئة مثلا من حيث الاحتكاك بالأهالي، أو إصرار الطلاب على النجاح بالطرق غير المشروعة... كنت أرى في ذلك التكليف قَدَرا لا يُفَر منه راغباً في الخروج منه بخسائر مادية فقط حيث لم تكن مكافأة الملاحظة تكفي كُلْفة الانتقال أو المواصلات الداخلية وكنا لا نحاول التجول ترجُّلا حتى لا يحدث ما لا يُحمد عقباه ؛ فنحن أدرى بمحاولات الغش الجماعي بمكبرات الصوت وصعود الأسوار، وكانت ورقة الامتحان تلقى خلسة بعد تكويرها ليتلقفها الأهالي وخلال ربع ساعة يتم الإجابة عنها تبرعاً من مدرسيهم ويتولوا إيصال الإجابات مشاعاً للجميع دون تمييز،وكان الأمر ينتهي سريعاً نظرا للصرامة التي كانت تبديها الدولة تجاه هذه السلوكيات الشائنة من خلال تشكيل لجان تصحيح خاصة لتلك اللجان، كما أنه كان لمفردة«عيب» مقعدها ووجودها في المجتمع...!!!
وفي أواسط التسعينيات بعد هوجة"حسين كامل بهاء الدين"من نظام التحسين وإمكانية أن يمتحن الطالب في أي لجنة يمر بها في عموم القطر المصري كنت أرى من المساخر ما لا يحصى،ومن محاولات شراء الذمم لتسهيل الغش لتتخطى المجاميع  105 % ويتجاوز دخول كليات الطب 101 % ليصبح الغش اليوم  مشروعاً لا يمكن مواجهته إلا بيد باطشة لقوانين معصوبة العين، وتتعدد الوسائل المعينة من هواتف وسماعات دقيقة بل وبعض ضعاف النفوس من الذين يُوكَل إليهم العمل باللجان ومن المفترض أن يكونوا أهلا للثقة لتتوالى توابع ذلك إذ لم تتجاوز نسب النجاح في الكثير من كليات الطب 23 % لتؤكد بما لايدع مجالا للشك أن دخول كليات القمة دون استحقاقٍ طريق مُمهَّد للفشل المركب وتصبح أزمة الثانوية العامة أزمة سنوية سواء من حيث صعوبة امتحانات المواد الدراسية أو سهولتها أو ما يشوبها من محاولات إفشالها بتسريبها أو ما يظهر من طرائف النتائج مثلما حدث في مدرسة فاقوس الرسمية للغات... هكذا الأزمة السنوية للثانوية العامة بما تثيره تطابق أيضا أزمة جوائز الدولة تشجيعية كانت أو تقديرية..!!

( أَسْدَلَ الليلَ وأغْفى.. وَدَعاني أن أُصحّيهِ إذا الصُّبْحُ صَحا/ عِندما أيقظتُُهُ..قامَ بإطفاءِ الضُّحَى!!!/ هُوَ كي يَغدو قَويّاً... يَدفَعُ التَّبريحَ عَنّي..إن زماني بَرَّحا/ أَكلَ القَمحَ..وألقى فَوقَ أكتافي الرَّحَى/ شَرِبَ الماءَ...وألقى في يَدَيَّ القَدَحا/ ثُمّ لمَّا جِئتُهُ مُستنجداً مِن زَمَني..لَمْ ألقَ إلاّ شَبَحا!!)

وتأتي قصيدة "الإصلاح من الداخل"للشاعر" أحمد مطر " لتفتح أبواب المفارقة وتبني نظاما رمزيا ساخرا عن واقعٍ مقلوب ، وتعلو نبرة الشاعر لتجمع بين السخرية السوداء، والمرارة، والاحتجاج، رغم أنني ما راقني عنوان القصيدة وبحثت كثيراً عن اسم آخر لها فلم أجد {طبعا الصحيح هو راقني وليس «راق لي»؛ لأن الفعل «راقَ» في المعاجم العربية فعل مُتعدٍ بنفسه بمعنى أعجبه أو سرّه، فلا يحتاج إلى حرف جر (اللام)} والعالم المقلوب الذي يؤسسه الشاعر:
فالصبح يجب أن يضيء، لكنه يطفئ الضُّحَى ويأكل القمح، ويلقي فَوقَ أكتاف الشاعر الرَّحَى ويشرب الماء، ثم يلقي في يَده القَدَح فارغا، وتتحول الأشياء التي يُفترض أن تكون مصادر للحياة  إلى أسباب للمعاناة...نعود إلى جوائز الدولة فهي كل عام ما تثير اللغط حول نائليها أيستحقونها أم لا؟!!! ولولا أن الأمر فيه ما فيه من أسباب ذلك ما تجرأ أحد على القدْح في استحقاق من نال أو في القواعد المتبعة في الاختيار كيف يعتمد الاختيار على التصويت فقط ..أليس ذلك مدعاةً للتربيطات الطاعنة في الجدارة خاصة إذا كان من نالها ليس له من الإبداع الكافي ما يخرس الألسنة سوى ترشيح أحد مراكز القوى في الاختيار أو أنه بصدد إصدار كتاب يواكب مسيرة أحد المؤثرين في الاختيار، وقد تم التنويه عن ذلك الإصدار حديثاً جدا، وكيف تستعيد جوائز الدولة عافيتها إذا ذهبت لمن ليس جديراً بها مما حدا بالشاعر الرائد"أحمد عبد المعطي حجازي"أن يتغيب عن جلسة التصويت ويعلن عدم رضاه مطالبا بوضع شروط محددة لابد أن تتوافر في المرشح حتى يستطيع أن يتقدم، لافتًا إلى أن ذلك يحقق عدالة أكثر بين المرشحين... ليكون الختام وختام قصيدة الإصلاح من الداخل للشاعر "أحمد مطر" الذي لا يدخر جهدا في تعرية ما يراه من أوجه الخداع ، ويصوّر زمناً ظنّ أنه سيأتي بالخلاص والقوة، لكنه ينقلب عليه ويزيد معاناته، حتى يصبح الزمن نفسه رمزاً للفساد والقهر.

(قُلتُ: أصلِحْ..إنّ أوزارَك طالَتْ..ومَحُيَّاكَ مِنَ الظلّم امّحى/ رَفَعَ الثّوبَ إلى بُلْعومهِ ..ثُمَّ التَحى!!/ يَومَ ميلادي.. عَوَى ..في يَوم عُرسي.. نَبَحا/ يَومَ مَوتي قَرَّر التّكفيرَ عمَّا قد بَدا مِنْهُ...فغَنّى فَرَحا!!/ لمْ يَدَعْ مِن بَسْمةٍ تَسلو عَن الدَّمعِ .. وَلا مِن ثَغرةٍ تَخلو مِن الشّمْعِ..وَلا مِن نأمَة..تَعلو على القَمْعِ..ولَمْ يترُكْ سَواداً فاتِحا!!/ أَفسَد الدُّنيا على أكملِ وَجْهٍ...آهِ..كَم كانَ فَساداً صالِحا !!!)