حين عادت رائحة الكتب.. «المشروع الوطني للقراءة» يستدعي ذاكرة «القراءة للجميع»
من امتلاك الكتاب إلى صناعة القارئ.. المشروع الوطني يعيد تعريف علاقتنا بالقراءة
1200 متسابق في الموسم الخامس.. جيل جديد يختار الكتاب وسط زحام الشاشات
د. عبده إبراهيم: الهدف تحويل القارئ إلى منتج للمعرفة
د. ضحى عاصي: نحتاج إلى إعادة التفعيل الميداني الشامل لـ«القراءة للجميع»
باسم خندقجي: مصر رائدة المعرفة وأتمنى نقل التجربة لأطفال فلسطين
الفرسان الصغار.. أطفال يقرأون مئات الكتب ويحلمون بتغيير العالم
بلال.. أصغر الفرسان وأكثر من مائة كتاب
هناك أشياء لا ندرك حجم فقدها إلا حين تعود أمامنا فجأة. رائحة كتاب جديد، غلاف ملون بين أيدي الأطفال، طابور طويل أمام مكتبة، أو ذلك الشعور القديم بأن الكتاب ليس ديكورًا يسكن رفوفًا أبعد من قامة الأطفال، وإنما شيء يمكن أن يصل إلى يدك بسهولة، ويصبح جزءًا من يومك وحكايتك.
حين ذهبت إلى أطفال المشروع الوطني للقراءة، كصحفية وأديبة مأخوذة بدواعي العمل الصحفي ويحركها الفضول، وجدتني أستعيد دون قصد زمنًا بعيدًا كانت فيه «القراءة للجميع» أكثر من شعار، وكانت «مكتبة الأسرة» موعدًا ثابتًا مع الكتب بأسعار تجعل اقتناءها ممكنًا، ومعرفة تجعل الحلم أكبر من حدود البيت والمدرسة.
أيام بدا فيها الكتاب ضيفًا دائمًا في البيوت المصرية؛ يدخلها في الصيف، وفي الإجازات، وعلى موائد العائلة، وبين أيدي أطفال لم يكونوا يعرفون بعد أنهم يتعلمون «صناعة القارئ». هكذا، فتحت الأسعار الزهيدة للكتب أبوابًا واسعة، فأتاحت المعرفة للطبقات كلها، كان يكفينا مصروف عدة أيام، لنشتري به أكثر من كتاب، فكانت مكتبة الأسرة تمنح القارئ إحساسًا بأن الثقافة ليست امتيازًا بعيدًا عن متناول اليد، وأن الكتاب يمكن أن يكون ملكًا له، لا مجرد كتاب يمر عليه في مكتبة المدرسة ثم يعيده.
ربما تغير الزمن كثيرًا منذ ذلك الحين. صار الهاتف أقرب إلى الطفل من الكتاب، وصارت الشاشة قادرة على ابتلاع ساعات طويلة من يومه، وتبدلت أشكال المعرفة وطرق الوصول إليها، وصارت أسعار الكتب تحتاج ميزانية مسبقة، وتوارت مكتبة الأسرة دون سبب مفهوم، لكن يبدو أن هناك أفكارًا لا تشيخ.
من هنا بدا لي المشروع الوطني للقراءة، في كثير من تفاصيله، وبمتسابقيه الذين تخطوا الألف من كافة الأعمار والمحافظات، وكأنه يستدعي روحًا قديمة بوسائل جديدة. فثمة تشابه في الإيمان بالكتاب، وفي محاولة توسيع دائرة القراء، وفي الوصول إلى الأطفال والشباب، وفي تحويل القراءة من فعل فردي صامت إلى مشروع له حضور ومنافسة وحافز. لكن المشروع اليوم يذهب خطوة أخرى؛ فهو لا يكتفي بأن يصل الكتاب إلى الطفل، وإنما يتابع أثر القراءة فيه، ويمنحه مساحة للمنافسة، ويضع أمامه حلمًا يمكن أن يسعى إليه.
ولعل أجمل ما في الحكاية أنني حين جلست إلى هؤلاء الأطفال، لم أشعر أنني أمام «متسابقين» بالمعنى التقليدي للكلمة. كنت أمام قراء حقيقيين، بعضهم في أعمار صغيرة جدًا، لكنهم يتحدثون عن الكتب بذاكرة مدهشة، ويستدعون الشخصيات والأفكار والتفاصيل بثقة تجعل الفارق بين عمر الطفل وعمر معرفته يبدو غريبًا.
كنت أستمع إليهم وأحاول أن أستوعب المفارقة الجميلة: وجوه صغيرة تحمل كل هذا العالم الكبير من الكتب.
كان واضحًا أنهم لم يقرأوا من أجل المسابقة وحدها. القراءة تركت أثرها في لغتهم، وفي طريقة تفكيرهم، وفي قدرتهم على الحديث عن أنفسهم وعن الكتب التي أحبوها. والأجمل أن وراء هذه المعرفة رغبة صادقة في الفوز. رأيت في عيونهم أن الفوز بالنسبة إليهم لم يكن مجرد لحظة تصفيق أو شهادة أو جائزة؛ كان اعترافًا بأن كل تلك الساعات التي قضوها مع الكتب كانت تستحق.
ثم اكتشفت أن المشروع لا يغلق أبوابه خلف الفائزين بمجرد إعلان النتيجة. وهذه، في رأيي، واحدة من أكثر أفكاره إنسانية. فالفائزون في المواسم السابقة يظلون جزءًا من الحكاية، يعودون ليشجعوا المشاركين الجدد، ويحكوا لهم عن تجربتهم، وينقلوا إليهم شيئًا من رهبة البداية وفرحة الوصول. كأن المشروع يقول لهم: لقد فزتم، لكن رحلتكم لم تنتهِ.
ويكتمل المشهد بحضور الأدباء والمثقفين المعروفين؛ أولئك الذين يأتون إلى الأطفال لا بوصفهم أسماء بعيدة على أغلفة الكتب، وإنما بشر يمكن أن يلتقوا بهم ويسمعوا أصواتهم ويحكوا لهم عن الكتابة والقراءة والحياة. وربما لا يدرك الطفل في لحظته هذه قيمة أن يقف أمام أديب كبير، لكن مثل هذه اللقاءات قد تظل في ذاكرته سنوات طويلة، وربما يصبح ذلك الأديب نفسه جزءًا من الحكاية التي دفعته يومًا إلى أن يفتح كتابًا آخر.
كل هذا يجعل المشروع جديرًا بأن يُرى أكثر، وأن يُحكى عنه أكثر. وهنا تحديدًا تبدو المفارقة المؤلمة: نحن أمام مشروع وصل إلى موسمه الخامس، واستطاع أن يجمع مشاركين من محافظات مصر المختلفة، وأن يصنع تجارب حقيقية مع الأطفال، ومع ذلك لا يزال حضوره الإعلامي أقل كثيرًا من حجم ما يحدث داخله.
ربما لو كان هؤلاء الأطفال يصلون إلى البيوت عبر الشاشات بالقدر نفسه الذي تصل به أخبار المسابقات الأخرى، لاكتشفنا أن هناك مصر أخرى تنمو بعيدًا عن الضجيج، تجلس إلى الكتب وتتنافس عليها، وتعرف أن الفوز ليس نهاية الطريق.
وفي قلب هذا الحراك الدافئ، الممتد بمشاركة 1200 متسابق من كافة المحافظات في موسمه الخامس، والذي شهدت تصفياته العاصمة الإدارية لثلاثة أيام متواصلة، دعونا نتعرف على تصريحات وشهادات القائمين والمبدعين والبراعم على هذا البعث المعرفي الجديد:

_ الهدف هو تحويل القارئ لمنتج للمعرفة:
أوضح مدير المشروعات التربوية بمؤسسة البحث العلمي د.عبده إبراهيم، أن المشروع ينطلق من خطة عشرية تتسق مع رؤية مصر 2030، مشتملاً على 4 أبعاد: (الطالب المثقف، القارئ الماسي للجامعات، المعلم المثقف، والمؤسسات التنويرية)، مضيفا أن الموسم الخامس شهد استحداث 3 مستويات قرائية (30، 50، و100 كتاب) استجابة للزخم القرائي، مما رفع عدد المتأهلين للنهائيات إلى 1100 متنافس، ووسع قاعدة الجوائز لتشمل 36 طالباً بالتعليم قبل الجامعي، 12 طالباً جامعياً، 15 معلماً، و5 مؤسسات مجتمعية.
وعن المؤسسات المشاركة، أكد أن المشروع يحظى برعاية وشراكة رئيسية من وزارة التربية والتعليم والأزهر الشريف منذ انطلاقه في مارس 2020، وانضمت إليها تباعا وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة الشباب والرياضة، ووزارة الثقافة.
ولفت إلى أن أبرز مستجدات هذا العام تتمثل في تبني المجلس الأعلى للجامعات للمشروع وتعميمه على كافة الجامعات المصرية، متابعا أن المشروع ضم 180 مؤسسة تعليم عالٍ بت من المجلس الأعلى للجامعات، إلى جانب 27 ألف مدرسة و11 ألف معهد أزهري، مع منح الطالب الحرية المطلقة في اختيار عناوين كتبه بشرط تنوعها عبر 5 مجالات معرفية، وتحت إشراف لجان تحكيم دولية تعزيزاً للنزاهة والشفافية.

_ إحياء صورة "الشيخ المستنير"
فيما أكدت الروائية والبرلمانية د.ضحى عاصي أن المشروع يخلق بيئة حاضنة تحمي النشء من السطحية، مشيدة بالتواجد الملموس لطلاب الأزهر الشريف الذي يعيد نموذج "العالم الأزهري المستنير" المنفتح على أدب العالم وعلومه، كاشفة عن تحركاتها البرلمانية للمطالبة بـ "إعادة التفعيل الميداني الشامل لمشروع القراءة للجميع" وتوفير الكتب بأسعار ميسرة في القرى والنجوع.

بينما أكد الروائي الفلسطيني باسم خندقجي (الحائز على جائزة البوكر 2024) أن مصر هي الشريان الحيوي للثقافة العربية، مشيراً إلى أن فصاحة الأطفال المشاركين تُعزز إيمان الكُتّاب برسالتهم، وأن الحراك الثقافي سلاح صامد لصون الهوية الفلسطينية بوجه العدوان والاستعمار، متمنياً نقل تلك التجربة لأطفال فلسطين.

_ السفراء والابتكار الميداني
شدد الباحث الأزهري تامر طه (سفير المشروع ومؤلف كتاب "تجربتي مع القراءة") على أن النجاح الحقيقي يكمن في تحويل القراءة إلى سلوك يومي، وفك الارتباط الشرطي في أذهان الطلاب بين القراءة الحرة والمقرر الدراسي الجاف.
بينما كشفت أ. علا بسيوني (مشرف المشروع بالفيوم) عن استراتيجية سحب الطلاب من الشاشات عبر إتاحة الكتب الرقمية (PDF) والمصورة بجانب الورقية، مع تطبيق أسلوب "مسرحة القصص" وربط القراءة بالأنشطة الرياضية والفنية.

_ الفرسان الصغار والنماذج الملهمة
*بلال محمد (أصغر متسابق): أذهل الحضور بقراءة وتلخيص أكثر من 100 كتاب في مجالات السياسة والاقتصاد والعلوم، معلنا حبه الشديد لكتاب "الأحياء البحرية"، وطموحه بأن يصبح طيارا، في حين قرر تخصيص مكافأته المادية لصيانة منزل أسرته.

*محمود الدسوقي (الصف الثالث الإعدادي): وصف القراءة بأنها "عملية جراحية لتطهير الوعي من زيف التكنولوجيا"، مستشهدا بكتب مالك بن نبي وإمبرتو إيكو وطه حسين، معلنا عزمه استخدام جوائزه لتأسيس أندية قراءة في القرى الأكثر احتياجا.


*جنى وجودي وفاطمة الزهراء:
بينما تألقت كل من جنى عبدالرحمن، جودي شعبان، فاطمة الزهراء زغلول، اشتركن بحصيلة قرائية تراوحت بين 30 و100 كتاب، مستشهدات بأشعار أحمد شوقي وشغفهن باللغة العربية، موفقات بين حلم التفوق العلمي (كطبيبات مستقبليات) وبين الطموح الأدبي كـ "سفراء للقراءة" وكاتبات للقصة القصيرة.

* لجان التحكيم: الهدف هو معرفة التأثير القرائي
فيما أكد عدد من أعضاء لجان التحكيم أن الحُكم ليس بعدد ما قرأ كل متسابق من كتب، بقدر ما يكون الأمر متوقفا على التأكد من تأثير هذه الكتب في نفس وتفكير المتسابق، وهو ما نفعله من خلال بعض الأسئلة التي تميز القارئ الحق من ذلك الذي يحفظ بعض الكلمات ليتلوها على لجنة التحكيم، مشيدين بمستوى المتسابقين من كافة الأعمار وثقافتهم الواضحة.
حين غادرت هؤلاء الأطفال، ظل في داخلي شيء من دهشتهم وإصرارهم. شعرت أنني لم ألتقِ فقط بأطفال يتنافسون على جائزة، وإنما التقيت بجيل صغير يحمل في يده خيطًا يصل حاضر القراءة بماضيها؛ خيطًا يمتد من ذاكرة «القراءة للجميع» ومكتبة الأسرة إلى مشروع جديد يحاول أن يقول لنا إن الكتاب، رغم كل الشاشات التي تحاصره، لم يغادر المشهد بعد.















تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض