ما شهده الشارع المصري في السنوات الأخيرة من خطاب إعلامي متصاعد، يتناول الضغوط المعيشية والارتفاع في أسعار السلع الأساسية، يمثل حالة صارخة من القطيعة الوجدانية والفكرية بين فئة تتحدث من أبراج عاجية وبين ملايين المواطنين الذين يصارعون لتأمين المعيشة. نلاحظ أن تصريحات هؤلاء الإعلاميين تركز على الدعوة إلى التقشف العنيف، وتكشف عن مشكلة في مفهوم المسؤولية الوطنية والإعلامية.
القضية لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر حول معالجة الأزمة الاقتصادية العالمية أو تقييم السياسات المالية المحلية، بل تجسدت في نبرة استعلاء تحاول تحميل طبقات المجتمع الضعيفة والمعدمة فاتورة أزمات ليست هي المتسببة فيها. فعندما تخرج إعلامية تتقاضى راتباً شهرياً يُقدر بالملايين، لتتشكى على الهواء من ارتفاع فاتورة الكهرباء في قصرها والتي تجاوزت عشرات الآلاف، ثم تلتفت في نفس الحلقة لتطلب من المواطن بسيط الدخل أن يطفئ الأنوار ويجلس بالملابس الداخلية ليتفادى تشغيل المروحة، فإننا لا نكون أمام نصيحة اقتصادية، بل أمام استخفاف بمعاناة المواطن.
و قد انخرط فى هذا الفكر الكثير من الشخصيات العامة وحتى بعض المنسوبين إلى الخطاب الديني -الرسمي وغير الرسمى- محاولين إضفاء صبغة دينية أو وطنية على معاناة الناس، مدعين أن الصبر على شظف العيش واجب يقترب من العبادة، ومقارنين حال المصريين بشعوب تعاني من أهوال الحروب الأهلية والدمار. إن استخدام مقولة "أفضل من أن نصبح مثل الدولة الفلانية" والتى تحولت إلى أداة ابتزاز عاطفي تُمارس على المواطن لمنعه من التعبير عن ألمه الإنساني الطبيعي تجاه الغلاء. فالأمان والعدالة الاجتماعيّة ليسا مفهومين متضادين يختار المرء بينهما، بل هما ركنان لثبات أي مجتمع، والضغط المستمر باستخدام هذه المقارنات يفقد الشعار قيمته ويحوله إلى حجة واهية ومضحكة لشرعنة المعاناة اليومية.
وتزداد الصورة تعقيداً عند النظر في التصريحات التي دعت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تغيير النمط الغذائي إلى بدائل غير مألوفة، كالتلميح إلى تجارب دول شرق آسيا في أكل الحشرات أو الخفافيش أو العناكب، أو المطالبة بالاستغناء المتدرج عن الوجبات الأساسية كأن يُقال : "إن لم تستطيعوا شراء اللحم فكلوا البيض، وإن غلا البيض فاستغنوا عنه". مما يعكس جهلاً بطبيعة الأزمة، فالقضية لم تعد تتعلق بالرفاهية الغذائية أو الترفيهية، بل طالت المكونات الأساسية لبقاء الأسرة المصرية لدرجة أن أحد المحامين المعروفين أكد أن المواطن يستطيع العيش بثلاثة جنيهات يومياً بينما الثلاثة جنيهات فى الواقع تعجز عن شراء قرص طعمية واحد من ذات الحجم الصغير . إن القول بأن المشكلة تكمن في شعب يستهلك أكثر مما ينتج هو كذب ومغالطة إحصائية وإنسانية.
أما المشايخ الذين يستشهدون بحالة الجوع أو الفقر التي مر بها النبي ﷺ وأصحابه الكرام، فهم يزيفون الحقائق الدينية والتاريخية لشرعنة الضغوط المعيشية وإلزام الفقراء بالصبر السلبي على واقعهم. والقراءة الدقيقة للسيّرة النبوية والتاريخ الإسلامي تكشف الفارق بين ظرف تاريخي مؤقت فرضته طبيعة التأسيس والمحاصرة، وبين الأصل العام في الشريعة الإسلامية الذي يسعى لتأمين الكفاية والكرامة والمتاع الطيب للبشر.
إن القول بأن النبي ﷺ ربط الحجر على بطنه من الجوع - وهي حادثة حقيقية حدثت أثناء حفر الخندق في غزوة الأحزاب - هو دليل على مرحلة استثنائية محددة من عمر الدعوة، ولم تكن هذه الحالة سلوكاً اختيارياً متواصلاً، فقد تحولت تحولاً جذرياً بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية ، حيث أفاء الله على نبيه وعلى المسلمين من الغنائم والفتوحات، وفتحت الموارد الاقتصادية أبوابها لبيت المال وللصحابة، فتحول المجتمع المدني بعد غزوات مثل خيبر وحنين وفتح مكة من حالة الكفاف المجهد إلى حالة من اليسر والوفرة المالية،.وقد آلت الأوضاع إلى أن أصبح أبو هريرة وغيره من كبار الصحابة ب بعد فقر شديد - يملكون المزارع والأموال ويوجهون الإنفاق في وجوه الخير.فالنبي ﷺ الذي ربط الحجر على بطنه يوم الخندق، هو نفسه الذي علم أمتهم صباحاً ومساءً أن يقولوا: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر" -رواه الإمام النسائي ( 1347 ) عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ - مقرناً بين الكفر والفقر في استعاذة واحدة لما يترتب على الفقر من هدم لكرامة الإنسان واستقراره النفسي والمجتمعي.
وهو ﷺ الذي قال لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"، وهو الذي أثنى على المال الصالح في يد الرجل الصالح قائلاً: "نِعْمَ المالُ الصالحُ للرجلِ الصالحِ". فالأصل في الشريعة هو عمارة الأرض، وتحقيق الكفاية المعيشية، وتوفير العيش الكريم لكل فرد في المجتمع.
إن التبسيط المخل وتوظيف النص الديني للضغط النفسي على المواطنين ومطالبتهم بالصبر دون تقديم معالجات حقيقية لأسباب الأزمة، يتجاهل المفهوم الإسلامي الأصيل للعدالة الاجتماعية ، ويحول الخطاب إلى أداة تزيد من الاحتقان بدلاً من أن توفر الرؤية العادلة والمنصفة لإدارة موارد المجتمع.
ودافع هذا النهج الإعلامى هو رغبة هذه الطبقة الإعلامية في تقديم صياغات تبريرية تبعد اللوم عن السياسات الاقتصادية وتلقيه بالكامل على عاتق المواطن. والخطورة الحقيقية لهذا الخطاب الإعلامي تكمن في أنه يعطل قنوات التواصل الطبيعية بين المجتمع ومؤسساته. فعندما يشعر المواطن أن الوسيلة الإعلامية التي ينبغي أن تنقل صوته وألمه للجهات المسؤولة قد تحولت إلى منصة لتأنيبه وإلقاء اللوم عليه ، فإنه يفقد الثقة في الخطاب العام برمته.
الإصلاح الحقيقي والأمان المجتمعي لا يتحققان عبر إيجاد مبررات غريبة لمعاناة المواطنين، بل يبدآن بالاعتراف الصريح بوجود الأزمة، ، وتبني خطاب يبتعد عن الفوقية والمزايدة. إن احترام عقليات الناس وأوجاعهم هو أول خطوات بناء التضامن الوطني الحقيقي. فالشعب المصري على مر تاريخه الطويل أثبت قدرة فائقة على الاحتمال والتضحية، وشيّد بصبره صروحاً في أوقات المحن والأزمات التاريخية والعسكرية، ولكنه يفعل ذلك دائمًا عندما يشعر بالعدالة والمشاركة الوجدانية من القيادات والطبقات الإعلامية والمجتمعية، وليس عندما يُطالب بالتقشف ممن يرفلون في النعيم ويطرحون عليه الحشرات وأوراق الشجر كحلول لفقره.
أما الاستمرار في هذا الخطاب الإعلامي المنفصل عن الواقع فإنه لا يخدم أمن الوطن ولا استقراره، بل يضع المزيد من الحطب في موقد الغضب الشعبي. المطلوب اليوم هو وقفة مراجعة شجاعة تُعيد للإعلام دوره الطبيعي كمرآة صادقة للمجتمع، تنقل نبضه وألمه بمنتهى الأمانة والشفافية، وتسعى للبحث عن حلول واقعية وعادلة تُرفع بها المعاناة عن كاهل الفئات الأكثر احتياجاً، بدلاً من إلقاء الملامة عليها وتجريدها حتى من حقها المبدئي في الشكوى والصراخ المكتوم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض