رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

تعرف علي ما الفرق بين الأمل الممدوح والأمل المذموم؟

فتاوى
فتاوى

الأمل من المشاعر الفطرية التي أودعها الله في النفس البشرية، فهو ذلك الرجاء الذي يدفع الإنسان إلى التطلع لما يحب، والسعي إلى تحقيق ما يطمح إليه من أهداف وآمال في الحياة. وقد عرّف العلماء الأمل بأنه رجاء ما تحبه النفس، كطول العمر وزيادة الرزق وتحقيق الطموحات، وهو قريب في معناه من التمني، إلا أن بينهما فرقًا؛ فالأمل غالبًا ما يقترن بوجود أسباب يمكن أن تقود إلى تحقيق المراد، بينما قد يكون التمني مجرد رغبة لا تستند إلى أسباب عملية.

والأمل المحمود يمثل نظرة إيجابية إلى المستقبل، تقوم على حسن الظن بالله، مقرونة بالسعي والعمل والأخذ بالأسباب. وهو بهذا المعنى ليس مجرد انتظار لما قد يحدث، وإنما طاقة معنوية تحفز الإنسان على الإنتاج والمثابرة، سواء في شؤون دينه أو دنياه.

جاءت السنة النبوية حافلة بالمواقف التي تبعث الأمل في النفوس، حتى في أصعب الظروف وأكثرها قسوة. ففي غزوة الأحزاب، وبينما كان المسلمون يعيشون أجواء شديدة من الخوف والجوع والحصار أثناء حفر الخندق، كان النبي صلى الله عليه وسلم يغرس في نفوس أصحابه الثقة بالمستقبل، ويبشرهم بفتوح عظيمة.

ويروي البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب الصخرة أثناء حفر الخندق، ويقول: «الله أكبر، أُعطيت مفاتيح فارس»، ثم بشّر بفتح اليمن، في مشهد يؤكد أن الأمل يمكن أن يكون قوة تدفع الإنسان إلى الصمود والعمل، مهما بدت الظروف المحيطة به صعوبة.

وفي موقف آخر، اشتكى خباب بن الأرت رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يلقاه المسلمون من أذى وتعذيب، فذكّرهم النبي بما تعرض له المؤمنون من قبل، ثم أكد أن هذا الدين سيبلغ غايته، وأن الأمن سيعم حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، وقال لهم: «ولكنكم تستعجلون». والحديث رواه البخاري.

وتكشف هذه المواقف أن بث الأمل لم يكن خطابًا عاطفيًا مجردًا، بل كان منهجًا تربويًا يواجه اليأس، ويمنح الإنسان القدرة على الاستمرار في طريقه رغم المحن.

متى يتحول الأمل إلى طول أمل مذموم؟

الأمل الفطري في ذاته ليس موضع لوم؛ فالإنسان يحتاج إلى الأمل حتى تستقيم حياته ويقبل على العمل. وقد أشار ابن حجر العسقلاني إلى المعنى العميق للأمل، مبينًا أنه لولا الأمل لما تهنأ الإنسان بعيشه، ولا أقبل على أعمال الدنيا. وإنما يصبح الأمل مذمومًا عندما يتحول إلى استرسال يلهي عن الاستعداد للآخرة.

وهنا يظهر الفارق الجوهري بين الأمل المحمود وطول الأمل المذموم. فالأول يدفع صاحبه إلى العمل والإصلاح وتحقيق الخير، بينما يجعل الثاني الإنسان أسيرًا للدنيا، منشغلًا بملذاتها ومشروعاتها، مؤجلًا التوبة والطاعات، وكأنه يضمن لنفسه حياة طويلة لا تنتهي.

وحذر القرآن الكريم من هذا النوع من الأمل بقوله تعالى: «ويُلهِهِمُ الأمل»، حيث أوضح المفسرون أن المقصود هو انشغال الإنسان بالأمل في البقاء والاستمتاع بالدنيا عن طاعة الله والاستعداد للآخرة.

وأكد ابن كثير أن هذا الأمل يلهي عن التوبة والإنابة، فيما بيّن السعدي أن الإنسان قد يؤمل البقاء في الدنيا، فينصرف بذلك عن تذكر الآخرة والعمل لها.

وجاء التحذير النبوي من طول الأمل في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال قلب الكبير شابًا في اثنتين: في حب الدنيا، وطول الأمل».

وبذلك، فإن المشكلة ليست في أن يأمل الإنسان في غد أفضل، أو يسعى إلى تحسين حياته وتحقيق أهدافه، وإنما في أن يتحول هذا الأمل إلى غفلة عن حقيقة الحياة والموت، وتأجيل دائم للتوبة والعمل الصالح.

ويبقى الأمل المحمود قيمة إنسانية وإيمانية مهمة؛ فهو الذي يمنح الإنسان القدرة على النهوض بعد التعثر، والعمل بعد اليأس، والنظر إلى المستقبل بثقة مع الاعتماد على الله والأخذ بالأسباب. أما الأمل الذي يقطع صلة الإنسان بآخرته، ويجعله يؤجل التوبة ويستغرق في حب الدنيا، فهو طول أمل ينبغي الحذر منه ومراجعته قبل فوات الأوان.