هل تستطيع إيران تعطيل الملاحة في مضيق هرمز؟ خبير يشرح أوراق القوة
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد المخاوف بشأن أمن الممرات المائية الحيوية في منطقة الخليج، عاد مضيق هرمز إلى واجهة المشهد الاستراتيجي باعتباره أحد أبرز أوراق الضغط التي يمكن أن تستخدمها إيران في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
المضيق، الذي يمثل ممراً رئيسياً لحركة التجارة العالمية ونقل إمدادات الطاقة، بات جزءاً من معادلة أمنية وعسكرية شديدة التعقيد، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول التهديدات المتبادلة بين طهران وواشنطن إلى إجراءات ميدانية تؤثر بصورة مباشرة على حركة السفن وناقلات النفط.
وتتجاوز أهمية مضيق هرمز كونه ممراً مائياً يفصل بين الخليج العربي وخليج عُمان، إذ يرتبط بصورة مباشرة بأمن الطاقة العالمي واستقرار أسواق النفط والغاز، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة داخله ذا تداعيات تتجاوز حدود المنطقة، ومن هنا، فإن الحديث الإيراني عن فتح المضيق وفق شروط أو ظروف تحددها طهران يثير تساؤلات واسعة حول طبيعة الرسالة التي تسعى إيران إلى توجيهها، وما إذا كانت تستهدف استخدام المضيق كورقة تفاوض وضغط سياسي، أم أنها تمهد لتحويله إلى ساحة مواجهة عسكرية مفتوحة.
ومن جانبه، أكد اللواء أركان حرب أيمن عبد المحسن، المتخصص في الشأن الاستراتيجي والعسكري، أن ربط إيران فتح مضيق هرمز بالظروف والشروط الخاصة بها يعكس، وفق رؤيته، رغبة واضحة من جانب طهران في تحويل هذا الممر المائي الحيوي إلى منطقة عمليات عسكرية تخضع لقواعد تفرضها هي، مشيراً إلى أن إيران تسعى إلى فرض قواعد إبحار أحادية، إلى جانب العمل على منع القطع البحرية الأمريكية من المرور، بما يتيح لها ممارسة ضغوط مباشرة على حركة الملاحة الدولية.
إيران تراهن على الحرب غير المتكافئة
وأوضح عبد المحسن، أن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى فرض سيطرة عسكرية كاملة على مضيق هرمز حتى تتمكن من تقييد حركة الملاحة البحرية أو تعطيلها بدرجة كبيرة، لافتاً إلى أن طبيعة الجغرافيا والوسائل العسكرية التي تمتلكها طهران تمنحها القدرة على اتباع أساليب الحرب غير المتكافئة.
وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن هذه العقيدة يمكن أن تعتمد على مجموعة متنوعة من الوسائل، من بينها نشر الألغام البحرية، واستخدام الزوارق السريعة المسلحة، إلى جانب الصواريخ الساحلية المضادة للسفن والطائرات المسيرة، وهي أدوات يمكن أن ترفع مستوى المخاطر أمام السفن العابرة للمضيق، حتى في حال عدم اندلاع مواجهة عسكرية شاملة.
وبحسب عبد المحسن، فإن مجرد وجود تهديد مستمر باستهداف السفن أو احتمال تعرضها لهجمات يمكن أن يكون كافياً لإحداث تأثير بالغ على حركة التجارة، إذ إن شركات الشحن والتأمين تأخذ في الاعتبار مستوى المخاطر الأمنية عند تحديد مسارات السفن وتكاليف التأمين، وهو ما قد يدفع بعض الشركات إلى تقليص عملياتها أو تعليق المرور عبر المناطق التي تشهد تهديدات مرتفعة.
سلاح الألغام والزوارق والصواريخ
وتكمن خطورة الاستراتيجية الإيرانية، وفق هذا التصور، في قدرتها على الجمع بين عدد من الوسائل الهجومية منخفضة التكلفة نسبياً مقارنة بالعمليات العسكرية التقليدية، بما يسمح لها بخلق حالة من عدم اليقين المستمر داخل المضيق، فالألغام البحرية، على سبيل المثال، يمكن أن تمثل تهديداً لحركة السفن وتفرض عمليات بحث وتأمين واسعة، بينما تمنح الزوارق السريعة القوات الإيرانية قدرة على تنفيذ هجمات خاطفة أو الاقتراب من السفن في مناطق محدودة المساحة. كما يمكن للصواريخ الساحلية والطائرات المسيرة أن توسع نطاق التهديد ليشمل مساحات أكبر من خطوط الملاحة.
ولا يعني ذلك بالضرورة إغلاق المضيق بصورة رسمية، إذ إن تعطيل الملاحة قد يحدث عملياً نتيجة ارتفاع المخاطر الأمنية إلى مستويات تجعل المرور التجاري أكثر صعوبة وكلفة، وهو ما يحول التهديد العسكري في حد ذاته إلى أداة ضغط اقتصادية وسياسية.
واشنطن تتمسك بالخيار العسكري
في المقابل، شدد اللواء أركان حرب أيمن عبد المحسن على أن الولايات المتحدة تتعمد إبقاء الخيار العسكري قائماً في مواجهة إيران، باعتباره أداة للردع والضغط، مشيراً إلى أن واشنطن تمتلك، وفق تقديره، مجموعة متكاملة من الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية التي يمكن استخدامها للضغط على طهران.
وأوضح أن من بين الخيارات المطروحة توجيه ضربات تستهدف البنية التحتية الإيرانية، إلى جانب تأمين الناقلات والسفن بالقوة العسكرية عند الضرورة، بما يهدف إلى منع إيران من فرض قواعد جديدة على حركة الملاحة الدولية.
ويرى عبد المحسن أن الهدف النهائي من إبقاء هذه الخيارات حاضرة يتمثل في دفع طهران إلى التراجع عن التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات، ولكن في ظل ظروف تمنح واشنطن قدرة أكبر على فرض شروطها أو التأثير في مسار التفاوض.
صراع الإرادات في مضيق هرمز
وتكشف التطورات المرتبطة بمضيق هرمز عن صراع إرادات يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، إذ تستخدم كل من إيران والولايات المتحدة مجموعة من أدوات الضغط لإرسال رسائل سياسية وعسكرية إلى الطرف الآخر.
فبالنسبة إلى طهران، يمثل المضيق ورقة استراتيجية ذات قيمة كبيرة يمكن استخدامها للتأثير على المصالح الأمريكية وحركة الطاقة العالمية، بينما تنظر واشنطن إلى ضمان حرية الملاحة باعتباره جزءاً أساسياً من مصالحها الأمنية والاستراتيجية في المنطقة.
وبينما تسعى إيران إلى إظهار قدرتها على تهديد الملاحة دون الدخول بالضرورة في حرب شاملة، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على معادلة الردع ومنع تحول التهديدات الإيرانية إلى واقع دائم يفرض قيوداً جديدة على حركة السفن.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
