رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

عندما وطأت قدماي أرض ليبيا في المرة الأولى، وكنت أخشى على حياتي وكثيرة الاستفسار عن الامن والأمان، لم أكن أعلم أنني كنت على موعد مع اكتشاف حقيقة إنسانية أعمق بكثير من كل البيانات الرسمية والتصريحات الدبلوماسية، واكتشفت صورة مغايرة عن الإعلام الذي يصدره لنا الغرب.

أتذكر بوضح رحلتي إلى العاصمة طرابلس، وتلك الأيام التي قضيتها موخرًا في بنغازي؛ حيث تجولت بين الشرق والغرب الليبي في أقل من عام، لألمس بنفسي دفئًا كريمًا ونُبلاً أصيلاً لا تخطئه عين. في كل شارع وزاوية، وفي كل أثرٍ زرته لمساعي إعادة البناء والحياة، لم أشعر للحظة واحدة أنني غريبة أو أنني غادرت موطني. 
كانت الحفاوة الاستثنائية تحيط بي وبزملائي، تهمس في أذني بحقيقة صادقة: أن الحدود بين الشعوب خطوط على الورق، لكن الدماء والأنساب حفرت في القلوب.
وأكثر ما هز وجداني وشعرت معه بصدق هذه العاطفة، كانت تلك العبارة التي يرددها أهلنا في ليبيا بابتسامة ملؤها المحبة والاعتزاز حين يستضيفون المصريين: "أنتم خوالنا". لم تكن العبارة مجرد مجاملة عابرة أو شعار حماسي للمودة، بل حقيقة اجتماعية تجسد قرابة ممتدة ومصاهرة راسخة؛ عائلات شرعت بيوتها على جانبي الحدود، وأمهات مصريات صغن ببطولتهن وحنانهن أجيالاً ليبية معتزة بأصولها.

واليوم، وأنا أستحضر هذه المشاعر الإنسانية الدافئة خلال اللقاء الأول للسفير الليبي عبد المطلب ثابت مع الصحفيين في المندوبية الليبية بالقاهرة، أدركت أن ما يجمع مصر وليبيا يتجاوز بمراحل الشعارات الدبلوماسية  ولغة الأرقام.

فحين تحدث السفير عبد المطلب ثابت، لم يخاطبنا بجمود الدبلوماسية الرسمية، بل بلسان الأخ المعتز بأهله وناسه؛ استعاد بلهجة يملؤها الفخر والوفاء تاريخ عائلي ومصير واحد ، متذكرًا كيف احتضنت البيوت المصرية أبناء ليبيا حين ضاقت بهم أوجاع الاستعمار.
وفي لفتة تاريخية إنسانية مؤثرة، التفت السفير إلى جذور هذا التلاحم الضاربة في أيام الجهاد والنضال ضد المحتل الإيطالي؛ مستحضرًا تلك اللحظة الفارقة عام 1923 حين تم إعادة غزو ليبيا ووصلت الفاشية، وكان الجزار "غراتسياني" يقود قوات الاستعمار. يومها جمع القائد الإيطالي قيادات جيشه وسألهم بنفاذ صبر عن سر صمود المجاهدين الليبيين ورفاق عمر المختار: "من أين يأتيهم السلاح؟ ومن أين يأتيهم الغذاء والذخيرة؟" فجاءته الإجابة الحاطمة لرهاناته لتقول إن مدد المجاهدين وشريان حياتهم يأتي مباشرة من مصر، وهو ما دفع المستعمر حينها لبناء أسلاك شائكة وسياج مشهور بين الحدود للحد من هذا الدعم الأخوي الذي لم يتوقف قط.

تحدث السفير بنبرة إنسانية عميقة عن هذه الأواصر التي احتضنت أيضًا الأمير إدريس والقادة الليبيين في المنفى ليتأسس "ميثاق الإسكندرية" عام 1939، وتثمر هذه المحبة تأسيس الجيش الليبي في "أبو رواش" بالقاهرة عام 1940، وخاض أولى معاركه ضد الإيطاليين في منطقة سيدي براني في أكتوبر 1940. وما زال هناك نصب تذكاري رسمي قائم حتى اليوم في منطقة "أبو رواش" يخلد هذه الذكرى التاريخية.

وبكل امتنان وفخر تحدث السفير حول كيف أرسلت مصر معلميها وأكاديمييها ليغرسوا بذور التعليم والتنوير في كل بيت ليبي، وصولاً إلى دماء مقاتلينا التي اختلطت في التراب والعبور خلال حرب أكتوبر 1973. لقد جسد السفير كل هذه الحكايات بمعنى قاطع ونبض حي حين أكد أن العلاقات بين البلدين هي "علاقة انصهار وتلاحم بين الشعوب قبل أن تكون علاقة حكومات أو سياسيين".
ولم يقف السفير عند حدود التاريخ والمواقف السياسية، بل غاص بأسلوب إنساني شيق في أدق تفاصيل الحياة اليومية التي تعكس هذا التداخل الأخوي؛ إذ تساءل بابتسامته الهادئة ونبرته العفوية كيف يمكن الفصل بين شعبين بينما "الزي التقليدي الليبي" الذي يرتديه الليبيون بفخر تحوكه وتطرزه أنامل خياطين مصريين في قلب الإسكندرية، و"الأرز المصري" هو الوجبة الأساسية التي تزين الموائد وتجمع العائلات في الشرق الليبي.
أما حين تطرق إلى ملف العمالة والمواطنين المصريين المقيمين في ليبيا، فلم يتحدث بروح الأرقام والمعاملات الإدارية، بل بنبرة العائل والراعي الحريص، مؤكداً أن تسوية أوضاعهم وحفظ كرامتهم عبر المنظومات الرسمية وسفارتي البلدين هي أولوية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون تنظيمية، مشدداً على أن الليبيين والمصريين في البيوت والمتاجر والقرى يقتسمون رزقهم ولقمتهم بحب وأمان، وأن أزمات مصر هي ذاتها أزمات ليبيا، فلم يشعر ليبي يوماً بأنه في بلد آخر حين يطأ أرض مصر.

إن الاستقرار في ليبيا وتماسك وحدتها الوطنية من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها ليس مجرد ملف في السياسة الخارجية أو شرط أمني؛ بل هو استقرا لبيوتنا ومساس مباشر بأمننا الإنساني والقومي. إن السياسات والتوازنات قد تتغير وتتجاذبها الظروف، لكن الروابط العائلية و الدم، والذاكرة الشفهية الممتدة بين الشعبين تعلو فوق كل انقسام.
لقد خرجت من لقائنا الصحفي بالقاهرة، كما خرجت سابقًا من بنغازي وطرابلس، بيقين راسخ رسمه السفير في كلماته ونبضت به تجربتي: أن مصر وليبيا ليسا مجرد جارين يحكمهما الجوار الجغرافي، بل هما عائلة واحدة، تقاسمتا التاريخ والنضال واللقمة، وستظلان أبدًا شريانين لوطن إنساني واحد لا تفصله الحدود.