حين يصبح الفصال قانونًا
سوق الخميس بمؤسسة الزكاة.. توفير في الجيب أم مخاطرة على المائدة؟
في صباح كل خميس، لا يحتاج سوق اليوم الواحد إلى دعوة كي يمتلئ، السوق معروف بسوق الخميس بمنطقة مؤسسة الزكاة على حدود محافظة القليوبية، أصوات الباعة تتشابك كأنها جوقة شعبية.. عشرات الوجوه تتحرك في اتجاه واحد، وأصوات الباعة تتداخل مع أبواق "التكاتك" ورائحة الخضروات المختلطة برائحة السمك، بينما تتراص البضائع على الأرصفة وفي الممرات الضيقة وكأن السوق مدينة مؤقتة لا تعيش إلا يومًا واحدًا كل أسبوع.
هنا لا توجد قوائم أسعار ثابتة، ولا أجهزة لقراءة الباركود، ولا لافتات تعرض التخفيضات، ففي هذا السوق، السعر يبدأ مرتفعًا وينتهي حيث تستطيع أن تصل إليه بمهارتك في "الفصال".. البائع يعلن رقمًا، والمشتري يبتسم ساخرًا، ثم تبدأ مباراة كلامية يعرف الطرفان أنها جزء من طقوس البيع، أحيانًا يهبط السعر إلى النصف، وأحيانًا ينسحب أحدهما ليعود بعد دقائق وكأن شيئًا لم يكن.

ولهذا يقصد كثيرون السوق، فالبضائع الاستهلاكية المعروضة هي نفسها الموجودة في المحال التجارية، لكن الأسعار تختلف بصورة تثير الدهشة، معجون الأسنان، مسحوق الغسيل، أواني المطبخ، الملابس، الألعاب، وحتى الأدوات الكهربائية البسيطة، كلها تباع بأثمان أقل كثيرًا، وهو ما يجعل السوق مقصدًا للأسر الباحثة عن توفير بضعة جنيهات وسط موجة الغلاء.
ركن الطعام الشعبي
لكن الوجه الآخر للسوق يبدأ عند منطقة الطعام، ألوان زاهية تجذب الأطفال قبل الكبار. حلوى ومقرمشات ومأكولات تباع بالكيلو، مرصوصة في أوعية مكشوفة تحت أشعة الشمس. أطفال يشيرون إليها بإعجاب، وأمهات يتفاوضن على السعر، بينما لا شيء يحجبها عن الغبار أو الحشرات سوى أمنية أن تكون صالحة للأكل.

وبالقرب من هناك، تتغير الرائحة قبل أن يتغير المشهد. عند بائعي الأسماك يقف الزبائن في صفوف متقاربة، يتفحصون المعروض ويقارنون الأسعار، وعلى البسطات نفسها يحضر الذباب بكثافة، وكأنه زبون دائم لا يغادر المكان، لكل منهما مكانه، المشترون يبحثون عن صفقة جيدة، والذباب يبحث عن مأواه فوق الأسماك المكشوفة.
الأسماك.. حدث ولا حرج
أما منطقة الفسيخ والرنجة، فلها عالمها الخاص، أسماك ذات ألوان برتقالية ورمادية تتراص فوق الطاولات، ولا يظهر كثير منها بوضوح بين أسراب الذباب التي تغطيها، يمد البائع يده ليلتقط سمكة ويعرضها على الزبون، ثم يعيدها إلى مكانها وسط المشهد نفسه، بينما تستمر حركة البيع والشراء دون توقف.
ورغم الإقبال الكبير، يطرح هذا المشهد علامات استفهام حول مستوى الرقابة داخل تلك الأسواق، خاصة على السلع الغذائية سريعة التلف.

أين الرقابة؟
في هذا السياق، صرح الخبير الاقتصادي خالد الشافعي إن أسواق اليوم الواحد تؤدي دورًا مهمًا في تخفيف الأعباء عن المواطنين بسبب انخفاض أسعارها مقارنة بالمحال التجارية، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى رقابة صارمة ومستمرة.
وأوضح الشافعي، في تصريحات خاصة للوفد،أن بعض البضائع الفاسدة أو مجهولة المصدر قد تجد طريقها إلى هذه الأسواق مستغلة الزحام والفوضى وصعوبة المتابعة.
مخاطر لا تحصى
ومن جانبه، حذر الدكتور مجدي بدران، عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة، من خطورة الأطعمة المكشوفة التي لا تُحفظ وفق الاشتراطات الصحية، مؤكدًا أن تعرضها للذباب والأتربة ودرجات الحرارة المرتفعة قد يجعلها سببًا في انتقال العديد من الأمراض والتسممات الغذائية، خاصة لدى الأطفال وكبار السن وأصحاب المناعة الضعيفة.
وأضاف بدران، في تصريحات خاصة لجريدة الوفد،أن الذباب لا يقف على الطعام مصادفة، بل يعد ناقلًا ميكانيكيًا للعديد من الميكروبات، إذ ينتقل بين القمامة ومخلفات الحيوانات ثم يحط على الأغذية المكشوفة، حاملًا معه البكتيريا والفيروسات والطفيليات التي قد تسبب أمراضًا معوية خطيرة.
وأوضح أن الأسماك المملحة والرنجة والفسيخ المعروضة في أماكن غير مبردة أو المكشوفة للهواء والشمس لساعات طويلة تصبح أكثر عرضة للتلوث، ما يزيد من احتمالات الإصابة بالتسمم الغذائي، خاصة إذا لم تُحفظ أو تُتداول وفق الاشتراطات الصحية.
في نهاية الجولة، يغادر الناس بأكياس ممتلئة، ويغادر السوق معهم سؤال مفتوح، كم وفرنا من المال، وكم قد ندفع لاحقًا إذا غابت الرقابة؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض