في كل عصر، تظهر أمام الشباب نماذج للنجاح تقول لهم: هذا هو الطريق الذي يستحق أن تسلكه.
فالقدوة ليست مجرد شخص نتابعه؛ إنها الصورة التي تتشكل في عقولنا عن معنى النجاح.
في مسرحية «شاهد ماشفش حاجة»، قال عادل إمام للرجل الفقير، في سياق ساخر، وهو يبحث له عن حل كي يستطيع أن يعيش:
«اتكل على الله واشتغل رقاصة».
ضحكنا وقتها.
لكن السؤال اليوم: هل ما زالت الجملة مجرد إفيه؟
جيل يرى يوميًا نماذج للنجاح مرتبطة بالشهرة والمال والنفوذ والسيارات الفارهة وحياة الرفاهية وصور الساحل وملايين المشاهدات والترندات.
وفي المقابل، طالب يذاكر سنوات، وطبيب يتعب سنوات، وباحث يقضي عمره في المعمل، ومهندس يحاول أن يخترع، وشاب لديه فكرة قد تتحول إلى مشروع، وقد لا يحصل أي منهم على جزء من الضوء الذي تحصل عليه لقطة عابرة.
وهنا السؤال:
مين قدوة شبابنا؟
هل النجاح أن تصبح مشهورًا؟ أم أن تبني شيئًا، وتتعلم شيئًا، وتضيف شيئًا إلى بلدك؟
المشكلة ليست في المال أو الفن أو الرياضة.
المشكلة عندما تتحول هذه الأشياء من نتائج للنجاح إلى تعريف وحيد للنجاح.
أن يصبح المهم أن تُرى، لا ماذا قدمت.
أن تصبح مشهورًا، لا أن تصبح نافعًا.
وهنا تظهر ثقافة «الهشك بشك»: ثقافة اللقطة والترند والشهرة السريعة، والظهور قبل الإنجاز.
ثم تأتي حالة لوجين لتكشف المفارقة.
لوجين شابة متفوقة، حصلت على 101% في الـIG، ودخلت كلية الطب بعد سنوات من الدراسة والاجتهاد.
لكنها لم تحصل على نفس الاهتمام الذي حصلت عليه بعد ظهورها في كليب ورقصها.
ولا تعنينا لوجين كشخص، ولا نريد أن نحاكم اختياراتها.
المهم هو رد فعل المجتمع.
لماذا احتاج المجتمع إلى لقطة حتى يلتفت إلى طبيبة متفوقة؟
لماذا لم يكن تفوقها الدراسي هو الخبر؟
لماذا لا يصبح الطالب المتفوق حديث الناس؟
وهنا المفارقة:
هل أصبح علينا أن نرقص حتى يشعر بنا المجتمع؟
هذه ليست دعوة إلى الرقص، بل سؤال عن مجتمع قد يجعل الشاب يشعر أن سنوات الاجتهاد لا تكفي لكي يراه أحد، بينما يستطيع الترند أن يمنحه الضوء في ساعات.
والشاب لا يسمع النصائح فقط.
الشاب يراقب المكافأة.
يرى من يتعب وماذا يحصل، ومن يشتهر وماذا يحصل، ثم يقرر.
وقد يسأل نفسه:
«أنا هتعب ليه؟»
لأن الشباب لا يختار دائمًا ما هو أفضل؛ كثيرًا ما يختار ما يراه المجتمع يكافئه.
إذا كافأنا الظهور، سيبحث عن الظهور.
إذا كافأنا الاستعراض، سيبحث عن الاستعراض.
أما إذا كافأنا العلم والعمل والابتكار، فسنجد شبابًا يريدون أن يتعلموا ويبنو ويخترعوا.
كان لدينا رموز مثل طه حسين، والعقاد، ومصطفى مشرفة، وأحمد زويل.
لم تكن قيمتهم في عدد متابعيهم.
ككانت قيمتهم في الأثر الذي تركوه.
فأين رموزنا العلمية اليوم؟
أين المخترع الذي يعرفه الأطفال؟
أين الباحث والطبيب والمهندس الذي يصبح إنجازه حديث الناس؟
نحن لا نحتاج إلى إلغاء الفن أو الرياضة.
نحتاج إلى إعادة التوازن.
أن يكون اللاعب بطلًا في ملعبه، والفنان مهمًا في فنه، لكن العالم أيضًا بطل، والمخترع بطل، والطبيب بطل، والمهندس بطل، والمعلم بطل.
نريد أن يصبح الاختراع المصري خبرًا يفرح الناس كما يفرحهم الهدف المصري، وأن يكون العلم والتكنولوجيا والصناعة جزءًا من أحلام أطفالنا.
وهذه ليست مسؤولية الشباب وحدهم.
هذه مسؤولية دولة.
الشاب الذي لديه اختراع يحتاج فرصة.
والباحث يحتاج معملًا وتمويلًا.
والشركة الناشئة تحتاج طريقًا.
والطالب المتفوق يحتاج أن يعرف أن تفوقه يمكن أن يتحول إلى مستقبل حقيقي.
لدينا عقول مصرية تعمل وتنجح في أكبر شركات التكنولوجيا والمؤسسات العلمية في العالم.
المصري قادر.
لكن لماذا يجد أحيانًا خارج مصر البيئة التي تساعده على النجاح أكثر مما يجدها داخلها؟
لا يمكن أن نطلب من شاب أن يبني وطنه، ثم نجعله يشعر أن مستقبله الحقيقي موجود في مكان آخر.
وهنا تصبح «ثقافة الهشك بشك» أخطر من مجرد رقص أو ترند.
إنها تقول للشاب:
كن ظاهرًا قبل أن تكون نافعًا.
كن مشهورًا قبل أن تكون مؤثرًا.
امتلك قبل أن تبني.
وهذه ليست الثقافة التي تبني دولة.
الكرة قد تصنع بطلًا، والفن قد يصنع وجدانًا، والمال قد يصنع رفاهية، لكن العلم يصنع دولة، والصناعة تصنع قوة، والتكنولوجيا تصنع مستقبلًا، والعقول تصنع أمة.
وفي النهاية، المسألة ليست لوجين، وليست حمو بيكا، وليست لاعب كرة، وليست فنانًا.
المسألة نحن.
نحن الذين نقرر من يستحق الضوء، وما الذي يستحق الاحتفاء، ونرسم أمام الطفل شكل النجاح.
ولهذا فالسؤال الحقيقي ليس:
«مين أشهر؟»
بل:
«مين يستحق أن يكون قدوة؟»
لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث لأمة ليس أن يقل عدد علمائها، بل أن يتوقف شبابها عن الحلم بأن يصبحوا علماء.
فإذا لم نصنع نحن قدوة حقيقية بالعلم والعمل والإنجاز، فلا نندهش عندما يصنعها لنا الترند.
وساعتها قد نجد أنفسنا نعيد جملة عادل إمام، لكن من غير ما نضحك:
«اتكل على الله واشتغل رقاصة».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض