كلمة حق
«لا حول ولا قوة إلا بالله» كل يوم نصحى ونبات على ظواهر غريبة وعجيبة ومريبة بات يشهدها الشارع المصرى فى الآونة الأخيرة.
ولأن هذه الظواهر قد استفحلت بصورة تستحق التوقف أمامها نظراً لما تمثله هذه الظواهر من خطورة على المجتمع بكل طوائفه وتعصف بالقيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية المتوارثة بين المصريين منذ عقود.
وللأسف الشديد وجدت كثيرين ممن يدعون أنهم نجوم بلغتهم «ستار» سواء من أهل الفن والفنانين والفنانات، أو ممن يدعون الثقافة أو بعض الرياضين الذين فشلوا فى رحلتهم الكروية والرياضية هم من يروجون لهذه الظواهر السلبية القاتلة لقيم مجتمعنا.
نتناول فى هذا المقال أبرز هذه الظواهر ليس بهدف التشهير بأصحابها أو إصدار أحكام مسبقة عليهم، وإنما لأن تكرار مثل هذه الوقائع يفرض علينا سؤالًا أكبر: إحنا رايحين على فين؟
سؤال يحتاج إجابة سريعة وعلميّة ودقيقة حماية لقيم مجتمعنا ومعتقداته.
وقائع كثيرة خلال الأسبوع الماضى أثارت جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها واقعة السيدة التى أرادت الصلاة داخل أحد المطاعم، وكذلك واقعة فتاة «أوبر» وما حاولت من خلاله رمى جتتها على الواد الغلبان وادعاء تعرضها للتحرش من جانبه، البنت بتاعت الأتوبيس اللى صورت نفسها مدعية أن أحد الشباب وقف وراها ولامس أجزاء من جسدها، وبرضو طلعت كدابة بعد قيام جهات التحقيق بفحص الكاميرات وعند استجوابها فى النيابة قالت كنت عايزة أعمل تريند، زى بالضبط البنت اللى كانت فى المترو وتعدت على راجل فى سن جدها بحجة إنه «قال إيه» متحطيش رجل على رجل «والبنت التى ادعت على والدها أنه تحرش بها وحاول اغتصابها وثبت كذبها بعد اعترافها بمحاولة ابتزازه من خلال التريند، والشاب اللى طرد أمه فى دار السلام، والسيدة اللى هاجمت جوزها وأهله فى المطار بألفاظ خارجه لرفضه الموافقة على سفر ابنه»، نماذج كثيره وأمثلة متعددة لا يمكن حصرها، هذه الوقائع لا ينبغى أن نتعامل معها بأنها حادث عارض ولكن باعتبارها ظاهرة جديدة «هوس التريند» وهى ظاهرة جديدة على الشعب المصرى ومؤشرات تستحق الدراسة والنقاش.
عزيزى القارئ بكل صراحة نحن نعيش حالة هزلية عنوانها، «التريند هو الغاية».. أيوه غاية فعلًا غاية… والحقيقة المُرة إن إحنا بندفع ثمن التكنولوجيا من قيمنا ومستقبل بناتنا وأبنائنا، نضحى بما تبقى لدينا من أخلاق.
هذا هو لب القضية ومفتاحها، التى تحتاج الى التوقف أمامها ومعالجتها.
«هوس التريند» جعل البعض يبحث عن الشهرة والانتشار بأى طريقة، بالكذب، بالضلال، برمى الجتة على خلق الله، بأى طريقة وبأى وسيلة مش مهم، حتى لو كان الثمن هو انتهاك الخصوصية، أو تلطيخ السمعة، أو إثارة الجدل، أو تحويل موقف عابر إلى قضية رأى عام.
وهنا لدىّ عدة أسئلة تبحث عن إجابات، أسأل فيها نفسى كما أخاطب فيها الجميع:
هل ما يحدث هو ضريبة التكنولوجيا ومواكبة التطور؟ هل أصبح الهاتف المحمول سلاحًا قاتلًا وجب الترخيص بحمله؟ هل أصبح عدد المشاهدات أهم من الحقيقة؟
هل أصبح «التريند» غاية، حتى لو كان على حساب قيم المجتمع وخصوصية الناس وسمعتهم؟
هل تغيرت أخلاقنا بالفعل؟ وأن السوشيال ميديا كاشفتنا بحقيقة أمرنا المتردى؟.
السؤال الذى يطرح على الجميع اليوم، ما هو التريند القادم؟
ويبدو أن الأخطر من ذلك أن ما نراه أمامنا يمثل صورة من صور حروب الجيل الخامس التى تستهدف الوعى والقيم وتفكيك الثقة داخل المجتمع؟
لا أريد أن أذهب إلى نظرية المؤامرة فى كل شيء، ولا أنكر أبدًا أن التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعى حققت فوائد هائلة، وفتحت أبوابًا غير مسبوقة للتواصل والمعرفة والعمل والتعبير.
ولن أعمم كذلك لأن المجتمع المصرى لا يزال مليئًا بالنماذج المشرفة، وأصحاب الشهامة والمروءة، وأهل الخير، والشباب المخلصين، والأسر التى تحافظ على قيمها وتقاليدها.
لكن المشكلة أن هذه الإيجابيات أصبحت أحيانًا تبدو كنقطة فى بحر من الضجيج الإلكتروني؛ لأن السلبيات تنتشر بسرعة أكبر، وتحصل على مشاهدات أكثر، وتتحول الواقعة الفردية إلى حديث الملايين خلال ساعات.
وهنا يجب أن ننتبه إلى خطورة أن تتحول مواقع التواصل من وسيلة للتواصل إلى وسيلة لهدم الوعى والانحطاط بالسلوك.
نحن فى حاجة إلى ميثاق اجتماعى جديد، ليس بالضرورة قانونًا أو لائحة، وإنما اتفاق أخلاقى بيننا جميعًا على أن هناك أشياء لا يصح أن تتحول إلى محتوى، وأن هناك خصوصيات يجب احترامها، وأن الشهرة ليست قيمة فى حد ذاتها، وأن المشاهدات لا تمنح صاحبها الحق فى أن يتغول بها على عباد الله.
أعتقد أنه قد آن الأوان وبسرعة نحتاج إلى استعادة القيم المصرية الأصيلة؛ الشهامة، والمروءة، والستر، واحترام الكبير، ومساعدة المحتاج، وحماية الضعيف، وحسن الظن، وعدم التسرع فى الحكم على الآخرين.
نحتاج أن نربى أبناءنا على أن القوة ليست فى أن تكون «تريند»، وإنما فى أن تكون إنسانًا، وأن النجاح ليس بعدد المشاهدات، وإنما بما تتركه من أثر طيب فى حياة من حولك.
أنا حزين جدًا فهذه الصورة المرسومة عن مجتمعنا نتيجة هذا السلوك المتدنى، صورة غير صحيحة وغير حقيقية وعابرة وليست مرآة للسواد الأعظم من المصريين، ولكنها فعلًا الأعلى صوتًا، وأخشى أن تطغى أصوات قليلة وصاخبة على الصورة الحقيقية لمجتمع عظيم ظل عبر تاريخه معروفًا بالشهامة والجدعنة والمروءة.
علينا أن نواكب التكنولوجيا، لكن لا نسمح للتكنولوجيا بأن تعيد تشكيل أخلاقنا.
وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية
المحامى بالنقض
رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض