رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الراوى

 

«ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه».

كل صيفٍ نقسم أننا لن نشكو الحر مرة أخرى، ثم لا تمضى أيام حتى نكتشف أن الشمس قد قررت أن تعمل بنظام الساعات الإضافية، وأن المروحة أصبحت تؤدى دورها بروح موظف ينتظر موعد الانصراف، بينما التكييف صار فردًا من العائلة، يغضب إذا انقطعت الكهرباء، ونفرح له إذا عاد التيار.

وللصيف عاداته التى لا تخطئها العين؛ زجاجة الماء لا تبرد بالقدر الكافى، وكوب الشاى يتحول إلى تحدٍّ للشجاعة، والمشوار الذى كان يستغرق عشر دقائق يصبح رحلة استكشافية، يعود منها الإنسان وكأنه أنهى ماراثونًا لا مجرد زيارة لمصلحة حكومية.

ومع ذلك، يظل الصيف موسم الضحكات والإجازات والبحر والذكريات. لكنه أيضًا الموسم الذى يجعلنا نعيد النظر فى قيمة الأشياء الصغيرة؛ شجرة وارفة، أو نسمة هواء عابرة، أو مقعد فى الظل، أو كوب ماء بارد، ففى الحر الشديد، تصبح أبسط النعم أعظمها.

وهنا يبدأ الشتاء فى إرسال رسائله من الذاكرة؛ نتذكره كما نتذكر صديقًا قديمًا اختلفنا معه كثيرًا، ثم اكتشفنا أنه كان الأقرب إلى القلب. كم كنا نتذمر من برده، ومطره، وصباحاته التى تدعونا إلى البقاء تحت الأغطية دقائق إضافية! واليوم، ونحن نواجه شمس أغسطس، يبدو الشتاء كأنه لوحة فنية لا فصل من فصول السنة.

الشتاء لا يفرض نفسه بصخب، بل يدخل بهدوء. يحمل رائحة المطر، وصوته على النوافذ، ودفء المشروبات الساخنة، ولمّة الأسرة حول حديث طويل لا يقطعه إلا صوت الغلاية. فيه يصبح المعطف أناقة، والبطانية رفاهية، وفنجان القهوة مناسبة تستحق الاحتفاء.

وربما كانت المشكلة ليست فى الصيف ولا فى الشتاء، وإنما فى طبيعة الإنسان؛ يعتاد النعمة حتى يغفل عنها، فإذا غابت أدرك قيمتها. نشتاق إلى الشمس فى يناير، ثم نبحث عن الظل فى أغسطس. نطالب بالدفء حين يشتد البرد، ثم نتمنى نسمة باردة عندما تشتعل الأرصفة من حرارة الشمس.

الحياة تعلمنا هذه المفارقة كل يوم؛ لا شيء يبقى على حاله، ولا فصل يدوم إلى الأبد. لذلك، ربما يكون أجمل ما فى الفصول أنها تذكرنا بالتوازن، وأن لكل حرارة نهايةً، ولكل برد موعدًا مع الدفء، ولكل انتظار فرحةً قادمةً.

أما الآن، فلا نملك إلا أن نصادق الصيف حتى يرحل، ونستقبل الشتاء عندما يأتى دون أن نعاتبه على تأخره. وحتى يحين ذلك الموعد، سنواصل السير تحت الشمس، نبحث عن بقعة ظل، ونردد فى سرّنا: ما أجمل الأشياء عندما تكون بعيدة! … وما أحنَّ الشتاء حين يتحول إلى ذكرى تنتظر العودة!

أستاذ الإعلام بكلية الآداب – جامعة المنصورة

[email protected]