رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

همسة طائرة

 

لا شك أن النقد الموضوعي حق مشروع، بل ضرورة لا غنى عنها لتصحيح المسار وتعزيز الأداء. فالفارق كبير بين النقد المهني الذي يستند إلى الحقائق والأرقام، وبين حملات الهجوم التي تنتقي الوقائع وتغفل الصورة الكاملة، بحثًا عن الإثارة أكثر من بحثها عن الحقيقة...أقول هذا الكلام بمناسبة مقطع فيديو انتشر عبر بعض مواقع التواصل الاجتماعي يتعلق بالتوقف المؤقت لأحد مصاعد جراج مبنى الركاب رقم «3» بمطار القاهرة الدولي، وسارع البعض إلى تقديم الواقعة باعتبارها دليلًا على وجود خلل واسع في منظومة التشغيل بالمطار، قبل انتظار التفاصيل الفنية أو الاستماع إلى الجهة المسؤولة...لكن بيان شركة ميناء القاهرة الجوي أوضح أن المصعد دخل في نظام الحماية التشغيلية Safety Mode، وهو نظام أمان مبرمج نتيجة تكرار أوامر التشغيل بصورة غير اعتيادية، وأن فرق الصيانة تعاملت مع الموقف وفق الإجراءات الفنية المتبعة، وتمت إعادة تشغيل المصعد خلال نحو 19 دقيقة. كما أوضحت الشركة أن المصعد من الوحدات الحديثة التي لا تزال داخل فترة الضمان، وتخضع للصيانة والمتابعة الدورية...

**يا سادة.."من هنا كان لا بد من التوقف"...فهل من المنطقي أن تتحول واقعة فنية محدودة، تمت معالجتها خلال دقائق ووفق إجراءات السلامة، إلى حكم شامل على منظومة تشغيل مطار بأكمله؟..وهل يجوز أن تصبح لقطة مصورة، بلا سياق فني كامل، أقوى من البيانات الرسمية والوقائع الموثقة؟..والأهم.. لماذا لا تحظى الإنجازات الكبرى التي يحققها قطاع الطيران المدني بالقدر نفسه من الاهتمام الذي تحظى به الوقائع العابرة؟

**يا سادة.. لا نملك إجابة قطعية، ولا يجوز إطلاق الاتهامات أو التشكيك في النوايا دون دليل. لكن تزامن بعض حملات التشكيك، في أوقات مختلفة، مع الإعلان عن نجاحات أو مشروعات جديدة يظل أمرًا يستحق التأمل، ويستوجب في الوقت نفسه قدرًا أكبر من المسؤولية في تداول المعلومات...فالطيران المدني ليس مجرد وزارة أو شركة أو مسؤول، وإنما هو واجهة حضارية للدولة المصرية أمام العالم، ونجاحه ينعكس بصورة مباشرة على السياحة والاستثمار والتجارة وفرص العمل والاقتصاد الوطني...ولهذا فإن الدفاع عن الحقيقة لا يعني مصادرة حق النقد، كما أن الإشادة بالإنجازات لا تعني تجاهل أوجه القصور إن وجدت...
**يا سادة..المعادلة ببساطة: "نقد مهني عندما يكون هناك خطأ، وإشادة عادلة عندما يكون هناك إنجاز"....أما أن تتحول كل ملاحظة تشغيلية إلى حملة لتشويه قطاع بأكمله، فذلك ليس نقدًا مهنيًا، وإنما ظلم لمنظومة يعمل داخلها آلاف المصريين...والطيران المدني، شأنه شأن أي مؤسسة كبيرة، لا يخلو من التحديات أو الأخطاء البشرية والفنية. لكن المؤسسات القوية لا تُقاس بعدم وقوع أي خطأ، وإنما بقدرتها على اكتشافه والتعامل معه وتصحيحه وفق قواعد التشغيل والسلامة والمحاسبة.

**يا سادة..مر قطاع الطيران المدني المصري خلال العقد الأخير بواحدة من أصعب المراحل في تاريخه؛ من تداعيات الأزمات السياسية والاقتصادية العالمية، إلى جائحة كورونا التي كادت تعصف بصناعة النقل الجوي على مستوى العالم، وصولًا إلى الاضطرابات الجيوسياسية المتلاحقة في المنطقة، وما فرضته من تحديات على حركة الملاحة الجوية وشبكات التشغيل ومع ذلك، لم تتوقف عجلة العمل داخل الوزارة وهيئاتها وشركاتها...استمرت المشروعات، وتواصل الاستثمار في البنية التحتية، وتحديث المطارات والأساطيل، ورفع كفاءة التشغيل، وتعزيز معايير الأمن والسلامة، ومواكبة التطورات العالمية في صناعة النقل الجوي،ومن الإنصاف القول إن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء في إطار رؤية الدولة المصرية التي تنظر إلى الطيران المدني باعتباره أحد المحركات المهمة للاقتصاد الوطني، وركيزة أساسية لدعم السياحة والاستثمار والتجارة وتعزيز اتصال مصر بالعالم...فخلال السنوات الأخيرة، شهدت المطارات المصرية أعمال تطوير واسعة شملت البنية التحتية، وزيادة الطاقات الاستيعابية، وتحديث أنظمة التشغيل والأمن والسلامة، والتوسع في مشروعات التحول الرقمي، بما يتوافق مع المعايير الدولية...كما واصلت شركات الطيران المصرية خطط التوسع وفتح أسواق جديدة، وتعزيز شبكة الخطوط الجوية، وتحديث الأساطيل، بما يدعم تنافسية قطاع النقل الجوي المصري ويعزز مكانة مصر على خريطة الطيران الإقليمية والدولية.

**يا سادة..منذ تولي الدكتور سامح الحفني مسؤولية وزارة الطيران المدني، برز توجه واضح نحو استكمال البناء المؤسسي، ورفع كفاءة التشغيل، وتعظيم الاستفادة الاقتصادية من الأصول، وتوسيع الشراكات الدولية، وتعزيز قدرة قطاع الطيران المصري على المنافسة، بما يتسق مع مستهدفات الدولة في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للنقل الجوي والخدمات اللوجستية...ولم تكن التحركات الأخيرة مجرد تصريحات إعلامية، وإنما انعكست في صورة حضور مصري متزايد في المحافل والمنظمات الدولية، واتفاقيات تعاون وشراكات جديدة، واستضافة فعاليات دولية كبرى...وكان من أبرز هذه المحطات استضافة مصر لأسبوع إفريقيا والمحيط الهندي للطيران المدني، وهو حدث دولي مهم عكس ثقة المجتمع الدولي في قدرات الدولة المصرية ومؤسساتها وكوادرها الوطنية...لكن المثير للتأمل أن هذه النجاحات لا تحظى دائمًا بالقدر نفسه من الاهتمام الذي تحظى به واقعة تشغيلية عابرة أو ملاحظة فنية محدودة...فالمتابع المنصف يستطيع أن يلاحظ أن موجات التشكيك تتزامن، في بعض الأحيان، مع الإعلان عن إنجاز جديد يحققه قطاع الطيران المدني؛ سواء تعلق الأمر بتطوير المطارات، أو زيادة الطاقة الاستيعابية، أو تحديث الأساطيل، أو تجديد الاعتمادات الدولية، أو تعزيز الحضور المصري داخل المنظمات والهيئات العالمية.

*يا سادة.هذه النجاحات لم تأت من فراغ..خلفها جهود آلاف العاملين والخبراء والمهندسين والفنيين والعاملين في مختلف مواقع منظومة الطيران المدني، ممن يعملون بعيدًا عن الأضواء، ويواصلون أداء مهامهم في ظروف تشغيلية بالغة التعقيد.

**يا سادة...من هنا، فإن تقييم أي مؤسسة أو قطاع يجب أن يستند إلى مؤشرات الأداء والنتائج والأرقام والعائد الاقتصادي والتشغيلي، وليس إلى واقعة منفردة أو مقطع مصور أو منشور متداول على مواقع التواصل الاجتماعي...ولعل ما حدث في اليوم التالي مباشرة للنجاح الذي حققته مصر في استضافة أسبوع إفريقيا والمحيط الهندي للطيران المدني، بنشر فيديو مصور لواقعة توقف المصعد، يقدم نموذجًا واضحًا لهذه الإشكالية ليس المطلوب أن نصفق لكل شيء، ولا أن نتجاهل أية ملاحظة أو قصور..

**يا سادة...النقد المهني ضرورة، والمحاسبة حق، والشفافية أساس نجاح أي مؤسسة.. لكن الإنصاف أيضًا ضرورة...فلا يجوز اختزال سنوات من العمل والتطوير والإنجاز في مقطع مصور، أو منشور متداول، أو واقعة عابرة تمت معالجتها وانتهت...إن نجاح مصر في استضافة أسبوع إفريقيا والمحيط الهندي للطيران المدني، وما سبقه وتلاه من خطوات لتعزيز حضور مصر على خريطة الطيران الدولية، يؤكد أن قطاع الطيران المدني يمتلك مقومات حقيقية للتقدم، وأن وراء هذا القطاع كوادر مصرية تعمل وتبني وتواجه التحديات يومًا بعد يوم،أما إذا كان تكرار حملات التشكيك بالتزامن مع كل نجاح دولي مجرد مصادفة، فذلك أمر يترك للقارئ تقديره..

**همسة أخيرة**

**يا سادة..الحقيقة التي لا خلاف عليها أن الإنجازات تُقاس بما يتحقق على أرض الواقع، والمؤسسات تُبنى بالعمل والشفافية والمحاسبة، لا بالتهويل أو التشويه...فلا تحرقوا غصون الزيتون التي زرعها أبناء الطيران المدني بسنوات من العمل والتعب والإخلاص فهي لم تُزرع لمصلحة أشخاص، ولم تُسقَ من أجل منصب أو مسؤول، وإنما زُرعت من أجل وطن يستحق أن تكون مؤسساته قوية، وصورته أمام العالم مشرقة، وإنجازاته محل تقدير وفخر..."من حقنا أن ننتقد.. ومن حق الحقيقة علينا ألا نظلمها"...