محطة لقاء
في عالم الطيران المدني، لا تُقاس مكانة الدول بعدد المطارات التي تمتلكها، ولا بعدد الطائرات التي تقلع وتهبط يوميًا، وإنما تُقاس بموقعها على طاولة صناعة القرار، ومدى قدرتها على التأثير في مستقبل هذه الصناعة التي أصبحت واحدة من أهم محركات الاقتصاد العالمي.
ولهذا، فإن خبر استعداد مصر لاستضافة الجمعية العامة للمجلس الدولي للمطارات (WAGA 2027)، بالتزامن مع افتتاح أول مقر إقليمي للمجلس الدولي للمطارات لإقليم إفريقيا بالقاهرة، لا ينبغي التعامل معه باعتباره خبرًا بروتوكوليًا أو مناسبة دولية عابرة، بل باعتباره عنوانًا لمرحلة جديدة في مسار الطيران المدني المصري...فالسنوات الأخيرة شهدت تغيرًا واضحًا في فلسفة إدارة قطاع الطيران. فبعد أن كان الاهتمام منصبًا على تطوير المطارات ورفع كفاءتها وتحديث البنية الأساسية، أصبح الهدف أكثر اتساعًا؛ وهو أن تكون مصر شريكًا في صياغة مستقبل الصناعة، لا مجرد متلقٍ لقراراتها.
**وهنا تكمن القيمة الحقيقية لما تحقق..فحين تمنح المؤسسات الدولية مصر حق استضافة أكبر تجمع عالمي للمطارات، فهي لا تمنحها شرف التنظيم فقط، وإنما تعلن ثقتها في قدرتها على الإدارة، وعلى جمع العالم تحت سقف واحد، وعلى تقديم نموذج يستحق الاحترام.
وحين تقرر إحدى أكبر المنظمات الدولية افتتاح أول مقر إقليمي لها في شمال إفريقيا داخل القاهرة، فهي لا تبحث عن عنوان بريدي جديد، وإنما تختار دولة ترى فيها مركزًا مؤسسيًا قادرًا على قيادة العمل والتنسيق والتدريب وبناء المبادرات.
**،هذه الثقة الدولية لا تولد فجأة، ولا تُصنع بقرار منفرد، وإنما هي حصيلة رؤية دولة استثمرت في البنية الأساسية، ووضعت النقل الجوي ضمن أدوات التنمية، وربطت تطوير المطارات بتعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية ولا يمكن قراءة هذا المشهد بعيدًا عن النهج الذي تبنته الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والذي أعاد بناء قطاعات البنية التحتية على أسس حديثة، وجعل من تحديث المطارات ورفع كفاءتها جزءًا من مشروع أشمل يستهدف تعزيز القدرة التنافسية للدولة المصرية...وفي هذا الإطار، جاءت رؤية الدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني، لتضيف بُعدًا آخر لا يقل أهمية، وهو الحضور المؤثر داخل المؤسسات الدولية. فالرجل القادم بخبرة ممتدة في العمل الدولي يدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق فقط بالمشروعات، وإنما أيضًا ببناء الثقة، وصناعة الشراكات، والوجود الفاعل في دوائر اتخاذ القرار.
**لعل ما شهدناه خلال الفترة الماضية من استضافة مصر لفعاليات دولية كبرى، وعودة الزخم للعلاقات مع المنظمات العالمية، يعكس نجاح هذا التوجه، ويؤكد أن الدبلوماسية المهنية أصبحت أحد أدوات القوة الناعمة لقطاع الطيران المدني المصري.
**على الجانب التنفيذي، برز دور المهندس أيمن فوزي عرب، رئيس المصرية القابضة للمطارات والملاحة الجوية، الذي استفاد من خبراته الطويلة في إدارة وتشغيل المطارات، ليقود ملفًا لم يكن هدفه إدارة المطارات فحسب، بل إعادة تموضعها داخل المنظومة الدولية...ولم يكن من قبيل المصادفة أن تحقق المطارات المصرية، خلال فترة وجيزة، سلسلة من الإنجازات المتتالية؛ بدءًا من تعزيز التمثيل المصري داخل المجلس الدولي للمطارات، مرورًا بالحصول على جوائز دولية في مجالات الاستدامة والبيئة وإدارة الطوارئ، وصولًا إلى الفوز باستضافة الجمعية العامة العالمية، ثم استقطاب أول مقر إقليمي للمجلس في شمال إفريقيا.
**،هذه الإنجازات، إذا ما نظرنا إليها منفصلة، قد تبدو نجاحات متفرقة، لكنها في الحقيقة حلقات في مشروع واحد، يقوم على الانتقال من مرحلة الحضور إلى مرحلة التأثير، ومن دور العضو إلى دور الشريك، ومن متابعة صناعة القرار إلى المشاركة في صياغته..واليوم، لم تعد القاهرة مجرد محطة عبور في حركة الطيران، ولم تعد المطارات المصرية مجرد منشآت تقدم خدمات للمسافرين، بل أصبحت جزءًا من منظومة دولية ترى في مصر شريكًا موثوقًا، وقادرًا على قيادة ملفات إقليمية مهمة.
**خلاصة اللقاء **
** يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على هذا الزخم، والبناء عليه، وتحويل ما تحقق من نجاحات مؤسسية إلى فرص استثمارية وتنموية، تعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للطيران، وبوابة رئيسية لإفريقيا...ففي عالم الطيران... لا يحتفظ بالمقعد في الصفوف الأولى إلا من يواصل العمل، ويجدد الرؤية، ويثبت كل يوم أنه يستحق المكان الذي وصل إليه....وهذا، على ما يبدو، هو الرهان الذي اختارت مصر أن تكسبه...
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض