خط فاصل
تحول ضفاف نهر النيل من شريان محمى تحكمه قواعد صارمة إلى ساحة مباحة للاستنزاف الممنهج الذى يهدد اهم مورد مائى ، فى انتهاك صارخ لكل الخطوط الحمراء . هذا التحول لم يأت فجأة، بل تراكم عبر سنوات من التهاون والتجاوزات، حتى باتت بعض المناطق خارج نطاق الإنضباط ، بما يفرض إعادة ضبط المشهد بمنطق أكثر حسما ووضوحا .
ويكتسب هذا الخطر أبعاده الحقيقية بالنظر إلى أن النيل يوفر نحو 97% من إحتياجات مصر المائية، بإيراد سنوى يبلغ 55.5 مليار متر مكعب، ويغطى الحصة الأكبر من أغراض الشرب والزراعة والصناعة، ما يجعل أى اعتداء عليه مساسا مباشرا بأساس الحياة فى الدولة .
لم تعد التعديات مجرد وقائع متفرقة يمكن احتواؤها بإجراءات وقتية ، بل أصبحت ظاهرة متكررة تعكس تراجعا خطيرا فى الإنضباط وتحديا كبيرا لهيبة القانون .
فالتعدى على مجرى النهر وأراضى طرحه — بالبناء المخالف أو الإستخدام العشوائى — لا يمثل مجرد مخالفة ، بل اعتداءا صريحا على مورد سيادى يمس الأمن القومى . وكل متر يتم إغتصابه من النهر هو خصم من قدرته على أداء دوره ، فى وقت تتصاعد فيه التحديات المائية والمناخية وتضيق فيه الخيارات .
ولغة الأرقام تفضح الواقع ، إذ أن إزالة ٥١٨ حالة بناء مخالف بفرع رشيد، إلى جانب ٣٧ حالة تعارضت مع مسار " ممشى أهل مصر" فى منيل شيحة .. لا تمثل إنجازا يحتفى به بقدر ما هو جرس إنذار يكشف حجم الفوضى التى تركت لتتراكم ، ويؤكد أن ما حدث لم يكن إستثناء ، بل نمطا استمر لسنوات .
المرحلة لم تعد تحتمل المعالجات الجزئية، فالمطلوب هو فرض سيادة كاملة على مجرى النهر، بلا استثناءات أو تهاون ، عبر رقابة صارمة وحدود واضحة لا تخترق وتطبيق حاسم للقانون يردع قبل أن يعاقب ، فاستعادة الإنضباط لا تتحقق بإزالة المخالفات فقط، بل بمنع نشأتها من الأساس .
وتظل معادلة التنمية " قائمة" ، لكن بضوابط صارمة. فالمشروعات المنفذة على ضفاف النيل يجب إلا تتحول لغطاء لتعديات جديدة ، ولكن التنمية الحقيقية لا تبنى على حساب النهر ، بل بحمايته، وبالتزام صارم بالضوابط الفنية التى تحافظ على توازنه والحفاظ على كفاءة القطاع المائى .
النيل لا يقبل التفاوض، ولا يحتمل المجاملة. حمايته ليست بجهة بعينها ، بل مسئولية مشتركة ، ومعركة وعى وانضباط وسيادة قانون. وأى تراجع فى هذا الملف ليس مجرد خطأ بسيط ، بل مخاطرة مباشرة بمستقبل مورد هو أساس بقاء الدولة وامنها المائى .
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض