لم يكن الإعلان عن توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقًا للدفاع المشترك في مكة مجرد خبر عسكري عابر. فالوثيقة التي تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا تفتح الباب أمام تحول مهم في شكل الترتيبات الأمنية الإقليمية خصوصًا في منطقة تشهد إعادة رسم مستمرة لموازين القوى.
لكن بعيدًا عن العناوين الكبيرة يبقى السؤال الأكثر أهمية:
هل يستطيع هذا التحالف أن يتحول إلى التزام عسكري فعلي عندما تتعارض مصالح الدول الثلاث؟
الإجابة ليست سهلة.
تحالف بلا عدو مشترك
لا يشترط قيام التحالفات العسكرية وجود عدو مشترك ومعلن. فقد تنشأ التحالفات بهدف الردع أو حماية المصالح أو تقليل المخاطر أو بناء توازن جديد للقوة.
لكن الحالة السعودية–التركية–الباكستانية تختلف في نقطة أساسية: الدول الثلاث لا تواجه التهديدات نفسها.
السعودية لديها حساباتها الأمنية في الخليج والشرق الأوسط وتركيا لديها بيئة استراتيجية مختلفة بحكم موقعها وجوارها المباشر، بينما ترتبط الحسابات الأمنية الباكستانية بصورة أساسية بعلاقتها مع الهند.
وبالتالي فإن ما يجمع الدول الثلاث هو وجود مصالح استراتيجية مشتركة وليس بالضرورة وجود خصم واحد تتفق جميعًا على مواجهته.
وهنا تظهر أولى علامات التعقيد.
ماذا لو اندلعت حرب بين الهند وباكستان؟
هذا هو الاختبار الأكثر وضوحًا لمصداقية الاتفاق.
إذا تعرضت باكستان لهجوم واسع من الهند فهل ستدخل السعودية وتركيا الحرب؟
من الناحية السياسية سيكون من الصعب تجاهل حليف ينص الاتفاق على أن الهجوم عليه هو هجوم على الجميع. لكن من الناحية الواقعية، لا يمكن تجاهل حقيقة أخرى: الهند ليست عدوًا للسعودية كما أن تركيا لا تملك مصلحة مباشرة في الدخول في حرب واسعة معها.
وهنا تظهر معضلة معروفة في العلاقات الدولية وهي خطر «الانجرار إلى حرب الحليف» أي أن تجد دولة نفسها أمام التزام بالدفاع عن حليف في نزاع لا يتطابق بالضرورة مع مصالحها الوطنية.
فهل تقبل الرياض على سبيل المثال بتكلفة سياسية واقتصادية واستراتيجية كبيرة في علاقتها مع نيودلهي من أجل الدخول في حرب دفاعًا عن إسلام آباد؟
وهل ترى أنقرة أن حربًا في جنوب آسيا تستحق مواجهة مباشرة مع الهند؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها مراسم توقيع الاتفاق وإنما تجيب عنها لحظة الأزمة.
الدفاع المشترك لا يعني الحرب التلقائية
العبارة التي تقول إن «الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع» قوية من الناحية السياسية لكنها لا تعني بالضرورة أن الجيوش الثلاثة ستدخل الحرب في اللحظة نفسها.
فالدفاع يمكن أن يأخذ صورًا متعددة: دعم دبلوماسي تبادل معلومات استخباراتية دعم لوجستي تسليح حماية جوية أو بحرية أو تدخل عسكري مباشر.
والفارق بين هذه المستويات كبير جدًا.
كما أن التفاصيل العملياتية الكاملة للاتفاق لم تُكشف للرأي العام حتى الآن وهو ما يجعل من المبكر التعامل معه باعتباره تحالفًا عسكريًا آليًا على غرار النماذج الأكثر تكاملًا في العالم.
ولهذا فإن القوة الحقيقية للاتفاق قد تكون في الردع أكثر من الحرب.
فإذا اقتنع الخصم بأن مهاجمة إحدى الدول الثلاث قد تفتح الباب أمام دعم عسكري وسياسي من الدولتين الأخريين فقد يقرر عدم خوض المواجهة أصلًا.
لكن الردع يحتاج إلى شيء واحد: المصداقية.
والمصداقية لا تُقاس بقوة البيان وإنما باستعداد الحليف لتحمل تكلفة الدفاع عن حليفه عندما تتعارض المصالح.
وماذا عن مصر؟
هنا تصبح الصورة أكثر إثارة للاهتمام.
ففي يونيو الماضي استضافت القاهرة الاجتماع الرابع لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان ضمن إطار تشاوري رباعي أكد أهمية استمرار التنسيق والتشاور من أجل السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.
ثم ظهر الاتفاق الدفاعي في أغسطس بثلاث دول فقط.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن مصر ابتعدت عن السعودية أو تركيا أو باكستان. فالعلاقات المصرية مع الدول الثلاث مستمرة كما أن القاهرة كانت في قلب المسار التشاوري الإقليمي قبل أسابيع قليلة من توقيع الاتفاق.
لكن الرسالة الأهم في الموقف المصري قد تكون في عدم الانتقال من التشاور إلى الالتزام العسكري التلقائي.
وهذا فارق استراتيجي مهم.
مصر تستطيع أن تتعاون عسكريًا وأمنيًا مع الدول الثلاث وأن تنسق معها في الملفات الإقليمية وأن تحافظ في الوقت نفسه على حرية قرارها عندما يتعلق الأمر بالحرب.
حرية القرار ميزة أم ابتعاد؟
في السياسة الدولية التحالف يمنح الدولة قوة إضافية لكنه قد يفرض عليها أيضًا التزامات إضافية.
أما الاحتفاظ بمساحة مستقلة للحركة فيمنح الدولة قدرة أكبر على التعامل مع كل أزمة وفق مصالحها الخاصة.
وهذا مهم بالنسبة لمصر تحديدًا بالنظر إلى موقعها الجغرافي ومصالحها في البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط والسودان وليبيا فضلًا عن دورها العربي والإقليمي.
ومن ثم يمكن قراءة الموقف المصري ليس باعتباره رفضًا للتعاون وإنما باعتباره اختيارًا للمرونة الاستراتيجية.
القاهرة لا تحتاج إلى أن تكون خارج المشهد لكنها أيضًا لا تحتاج إلى أن تربط قرارها العسكري تلقائيًا بقرار ثلاث دول أخرى.
تحالف حقيقي أم رسالة ردع؟
من المبكر وصف الاتفاق بأنه فشل كما أن وصفه بأنه «ناتو جديد» يبدو سابقًا لأوانه.
الاتفاق يحمل قيمة حقيقية فهو يعزز التعاون الدفاعي ويرفع مستوى التنسيق ويبعث برسالة ردع إلى أي طرف قد يفكر في اختبار إحدى الدول الثلاث.
لكن المشكلة تكمن في اختلاف طبيعة التهديدات.
فالتحالف يكون أكثر صلابة عندما تكون مصالح أعضائه متطابقة في مواجهة خطر واحد. أما عندما يكون لكل دولة خصوم مختلفون ومصالح مختلفة فإن السؤال يصبح أكثر تعقيدًا:
إلى أي مدى تستعد الدولة للتضحية بمصالحها من أجل حليفها؟
وهنا تحديدًا سيظهر الاختبار الحقيقي.
الاختبار لم يبدأ بعد
الاتفاق وُقّع لكن مصداقيته لم تُختبر.
قد يبقى الاتفاق لسنوات أداة ردع ناجحة ولا تضطر الدول الثلاث إلى استخدامه عسكريًا على الإطلاق. وقد تكون هذه في الحقيقة أفضل نتيجة ممكنة له.
لكن إذا اندلعت أزمة كبرى وخصوصًا أزمة لا تتطابق فيها مصالح الدول الثلاث فسيكون السؤال مختلفًا تمامًا:
هل سيصبح التحالف أداة للدفاع المشترك أم ستعود كل دولة إلى حساباتها الوطنية؟
وهنا يمكن فهم موقف مصر بصورة مختلفة.
فمصر لم تغادر دائرة التعاون الإقليمي ولم تقطع جسور التنسيق مع السعودية وتركيا وباكستان لكنها احتفظت بمساحة لاتخاذ قرارها بنفسها.
وقد يكون هذا في النهاية هو الفارق بين التحالف الذي يرفع القدرة على الردع والتحالف الذي قد يتحول إلى عبء إذا فرض على أعضائه خوض حروب لا تتطابق مع مصالحهم.
في الاخير:
التحالف السعودي–التركي–الباكستاني خطوة مهمة لكنها ليست نهاية القصة.
قوته ستتوقف على قدرته على تحقيق التوازن بين أمرين متناقضين:
التزام الحليف تجاه حليفه والمصلحة الوطنية لكل دولة.
فإذا استطاعت الدول الثلاث إدارة هذا التناقض فقد يتحول الاتفاق إلى منظومة ردع مؤثرة.
أما إذا اصطدمت الالتزامات العسكرية بالمصالح الوطنية فستظهر حدود الاتفاق سريعًا.
وفي النهاية لا تُقاس قوة التحالف يوم توقيعه ولا بعدد الدول التي تنضم إليه.
القوة الحقيقية تظهر عندما تقع الأزمة وتتعارض المصالح ويصبح على كل دولة أن تجيب عن السؤال الأصعب: هل أقاتل من أجل حليفي أم من أجل مصلحتي؟
المتحدث الرسمي لرئيس حزب الوفد
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض