رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

اين الناس؟

يبدو أن لهذه الاية بشائر أخرى على الأرض؛ بشائر تقول إن الإنسان قد ينشغل بذاته إلى الحد الذي لا يرى فيه وجع الآخرين، ولا يسمع استغاثتهم إلا كمشهدٍ عابرٍ يستحق المشاهدة.

تبدلت أشياء كثيرة كنا نمتاز بها؛ كان لدينا نخوة، ونجدة، وإغاثة. كان الإنسان حين يرى آخر في مأزق يشعر أن عليه مسؤولية، ولو بكلمة أو يدٍ تمتد بالمساعدة. أما الآن، فكثيرًا ما يجتمع الناس حول المشكلة لتوثيقها بهواتفهم، بدلا من أن يسهموا في حلها. يوجهون الهواتف إلى المشهد قبل أن تمتد الأيدي إلى صاحبه، ويصبح السبق في التصوير غالبًا أهم من النجدة.

ولم يعد الأمر متعلقًا بضيق الحال أو قسوة الظروف وحدهما، ولكنه امتد إلى أرواحنا التي بدأت تفلس من التعاطف والمؤازرة.

أين الناس؟

ذلك السؤال الذي حمله المفكر الراحل جلال امين عنوانًا لكتابه "ماذا حدث للمصريين؟" يبدو اليوم أكثر إلحاحًا. لم يكن السؤال بحثًا عن إجابة عابرة،  ولكنه محاولة لفهم التحولات التي أصابت المجتمع المصري وطالت عاداته وقيمه وطريقة نظر أفراده إلى أنفسهم وإلى بعضهم بعضًا.

وماذا حدث لذلك المصري الذي كان يتوقف ليسأل، ويطرق باب جاره، ويحمل عن الغريب بعضًا من حمله؟ أين ذهبت تلك المسافة الإنسانية البسيطة بين أن ترى إنسانا يتألم وأن تشعر أن عليك شيئًا تجاهه؟

لقد فقدنا، فيما يبدو، منطقة البين بين؛ المنطقة التي كانت تسمح لنا أن نعيش لأنفسنا دون أن نغلق أبوابنا عن الآخرين. أصبحنا نطل على ذواتنا من الخارج، نراقب حياتنا كما لو كنا متفرجين عليها، ثم نمارس النقد والتنمر والتذمر، وكأننا نؤدي دورًا إصلاحيًا.

لكن النقد الذي لا تصحبه رغبة حقيقية في الإصلاح قد يتحول إلى وقود للاحتراق. والكلمة التي تقال لتسحق إنسانًا ليست موقفًا، والصورة التي توثق الألم دون أن تحاول تخفيفه ليست نجدة.

نحن نعيش زمنًا كثرت فيه الصور وقلت فيه المواقف، ارتفعت فيه الأصوات وخفتت فيه المشاعر. أصبحنا نعرف تفاصيل معاناة الآخرين، لكننا لا نعرف ماذا يمكن أن نفعل تجاهها.

وقد ياتي يوم نكتشف فيه أننا أصبحنا مجرد أسماء ووجوه تمر على الشاشات، بلا أثر حقيقي في حياة أحد.

وربما لا يكون السؤال الأهم : ماذا حدث للمصريين؟

بل: ماذا حدث لنا نحن؟

فما زال بإمكاننا أن نستعيد شيئًا من إنسانيتنا؛ أن نضع الهاتف جانبًا، ونمد اليد بدلا من أن نرفع الكاميرا، وأن نفهم أن النجدة ليست مشهدًا للفرجة. ولكنها موقف ومسؤولية تجاه من يحتاج إلينا .

ربما لا نحتاج إلى كثير من الكلام كي نستعيد ما فقدناه. ربما نحتاج فقط، حين نرى إنسانا في أزمة، أن نتذكر أننا بشر.