رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 


في تتابع زمني غريب ومقلق، كُشِف الستار عن واقعتين تعريان انحدارًا سلوكيًا فجًّا؛ الأولى تجسدت في ذلك الذي ابتكر لنفسه لقبًا ومهابة، فاقتنى وشاحًا وبضعة حراس مستأجرين، ليعتلي منصة قضاء مزيفة متلاعبًا بقدسية "محراب العدالة" لسلب أموال
البسطاء وإيهامهم بنفوذٍ متخيل. والثانية، فتاة قررت في غمرة نزاع مروري مع سائق أن تغتال كرامته ورزقه بفرية كيدية، شاهرةً سلاح الادعاء بأنها "صحفية" لتفرض سطوة وهمية على قارعة الطريق. 
إن هذا التلاقي العجيب بين وشاح القضاء المزيف وبطاقة الصحافة المدّعاة، يكشف عن علة اجتماعية بالغة الخطورة؛ علة تبيح استعارة "السيادة" دون دفع ضريبة المسؤولية.
أبطالها لصوص؛ نعم، إنهم "لصوص الوجاهة الاجتماعية" الذين يريدون اعتلاء القمم دون صعود الجبال.

وإنني، كصحفية أدرك أن الكلمة مسؤولية توازي في ثقلها ميزان العدالة، أشعر بغصة مريرة واستياء يبلغ حد الثوران. كيف يجرؤ هؤلاء الدخلاء على تدنيس مهنة هي في أصلها رسالة مقدسة لا يؤتمن عليها إلا الشرفاء؟ كيف تحولت "صاحبة الجلالة" - التي بذل من أجلها عظماء المهنة حرياتهم وأعمارهم - إلى عباءة مهلهلة يرتديها كل من يبتغي الابتزاز أو يشتهي الحصانة الزائفة؟ كيف هان وقار القلم حتى أضحى أداة ترهيب على لسان العابثين؟ وكيف هانت منصات القضاء حتى استسهل العوام محاكاتها والوقوف عليها كالممثلين في مسرحيات رخيصة؟

الصحافة - يا سادة - ليست بطاقة تُباع في دكاكين الوهم ببضعة جنيهات ليتغطى بها الصعاليك والمبتزون في معاركهم الشخصية. الصحافة هي الدم الكامن في عروق الحقيقة، هي الوقوف على خط النار لكشف زيف المزيّفين، لا أن تصبح هي نفسها ملجأً يختبئ فيه المذنبون!

إن ظاهرة انتحال صفة الصحفي والإعلامي تجاوزت مرحلة "التجاوزات الفردية" لتصبح وباءً يهدد السلم المجتمعي والوعي العام. في كل يوم، تقع أعيننا على أشخاص ينبتون كالفطر في كل زاوية، لا يدركون أبجديات ميثاق الشرف الصحفي، لكنهم يحملون هويات مجهولة المصدر لكيانات وهمية تحت مسمى "نقابات مستقلة" أو "مراكز إعلامية" يلهثون خلف فُتات التريند على جثث القيم الإنسانية والمهنية.

الخطورة هنا لا تكمن في قبح المشهد فحسب، بل في الاعتياد عليه؛ فالصمت على "الصحفي المزيف" هو الذي مهد الطريق لظهور "القاضي المزيف". التساهل مع الأدعياء في منابر الوعي يجرؤهم بالضرورة على منصات الحكم؛ وسارق الصفة هو سارق للوطن وللوعي وللعدالة، والفرق بين من يزور حكمًا ومن يزور وعيًا جمعيًا هو فرق في الأداة لا في الجُرم. فإذا كان القضاء ملاذ الخائفين، والصحافة صوت التائهين، فإن العبث بهما هو بداية الفوضى التي لا تُبقي ولا تذر.

لذا، فإن غضبتنا اليوم يجب أن تترجم إلى فعل قانوني حاسم ولا يرحم. لهذا نطالب الأجهزة الأمنية والجهات القضائية، بالتعاون مع نقابة الصحفيين وكافة النقابات المهنية، بشن حملة تطهير شاملة وجذرية لإغلاق كل "دكاكين الوهم" والكيانات غير الشرعية التي تمتهن طباعة الكارنيهات المزيفة وتمنح الألقاب لغير المؤهلين. يجب أن يُقطع دابر
هؤلاء الدخلاء بقوة القانون، ليظل للوقار مكانه، وللجهد قيمته، وللحقيقة قدسيتها.
وإننا إذ نثمن انتفاضة نقابة الصحفيين لقطع دابر منتحلي الصفة ومواجهة الكيانات الوهمية، نؤكد أن هذا التحرك ليس دفاعًا عن كيان نقابي فحسب، وإنما هو معركة استرداد لكرامة مهنة يتربص بها الدخلاء من كل حدب وصوب، وضرورة أمنية ومجتمعية حتمية؛ لأن تزييف الصفة هو تمهيد لتزييف الوعي والضمير.
وختامًا.. أذكرني وإياكم أن الأقنعة الزجاجية، مهما بُذل في تلميعها، تتهشم عند أول احتكاك بالواقع وضمير القانون، ولن يصح في النهاية إلا الصحيح؛
فالقاضي الحقيقي يعرفه الناس بعدله وصمته، والصحفي الحقيقي يعرفه القراء بصدق قلمه ونقاء سريرته. أما لصوص الوجاهة، فالخزي مآلهم، والسجون مستقرهم، وستبقى محاريبنا طاهرة، عصية على التدنيس والسطو.
أعيدوا للمحراب قدسيته، وللقلم كرامته، واقطعوا دابر كل يد تمتد لتسرق هيبة الشرفاء.