رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

ليس من السهل أن نختصر معنى خدمة الوطن فى تجربة قائد واحد فالأوطان لا تُبنى بأسلوب واحد، والقيادة الوطنية تختلف أدواتها باختلاف ظروف الدولة وتحدياتها وتاريخها، لكن بعض التجارب تظل جديرة بالتأمل لأنها تطرح أسئلة تتجاوز أصحابها وفى مقدمتها تجربة عمران خان رئيس وزراء باكستان السابق الذى انتقل من قيادة منتخب بلاده فى الكريكيت إلى العمل الخيرى ثم إلى السياسة ورئاسة الحكومة. كان عمران خان يتحدث كثيرًا عن قيمة خدمة الآخرين وربط السعادة الحقيقية بقدرة الإنسان على تقديم شيء لمجتمعه، وتحولت هذه الفكرة لديه من نشاط خيرى إلى مشروع سياسى، ارتكز على العدالة وسيادة القانون ومكافحة الفساد، وبناء دولة أكثر قدرة على رعاية مواطنيها وتقديم عيشة كريمة لهم، لكن التجربة تطرح درساً مهماً الرغبة فى خدمة الوطن تحتاج إلى مؤسسات تحول النوايا إلى سياسات والسياسات إلى نتائج وهنا تختلف المدارس القيادية.

فغاندى قدم نموذج قوة الفكرة والانضباط والمقاومة السلمية و«مانديلا» قدم نموذج الصبر والمصالحة وبناء الدولة بعد صراع طويل بينما قدم «لى كوان يو» نموذج المؤسسة والتخطيط والانضباط وتحويل الرؤية إلى دولة مستدامة.

أما عمران خان فقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على الكاريزما والتأثير الشعبى والخدمة المجتمعية والانتقال من المجال العام إلى إدارة الدولة مع ما تحمله تجربته من نجاحات وتحديات تستحق الدراسة.

 

وماذا عن التجربة المصرية؟

هنا تأتى أهمية التوقف أمام التجربة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى ولكن ليس باعتبارها نسخة من أى تجربة أخرى، وإنما باعتبارها تجربة وطنية لها خصوصيتها وأولوياتها وظروفها، وهذه فى جوهرها هى المعادلة الحقيقية لخدمة الوطن. هنا تأتى أهمية التوقف أمام التجربة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى ولكن ليس باعتبارها نسخة من أى تجربة أخرى وإنما باعتبارها تجربة وطنية لها خصوصيتها وأولوياتها وظروفها، فخدمة الوطن فى التجربة المصرية ارتبطت خلال السنوات الماضية بمسار واسع لإعادة بناء قدرات الدولة وتطوير البنية الأساسية، وتنفيذ مشروعات قومية وتعزيز قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، إلى جانب الاهتمام المتزايد بملف بناء الإنسان المصرى، وهذه النقطة تحديدًا تستحق التأمل، لأن بناء الدولة لا يكتمل بالطرق والمشروعات والمنشآت وحدها الدولة تحتاج إلى إنسان متعلم ومدرب وقادر على العمل والإنتاج والابتكار، ومن هنا فإن الاهتمام بالتنمية البشرية وربط التعليم بسوق العمل، وتطوير الخدمات الصحية، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية يمثل امتدادًا طبيعيًّا لفكرة أن الإنسان هو الثروة الأكثر استدامة للدولة، كما أن قوة الدولة لا تنفصل عن قوة اقتصادها وقدرتها على الإنتاج، ولذلك فإن الاستثمار فى البنية الأساسية والمشروعات القومية لا ينبغى النظر إليه باعتباره هدفًا فى حد ذاته وإنما باعتباره قاعدة لاقتصاد أكثر قدرة على النمو وتوفير فرص العمل وتحسين جودة الحياة وهنا يظهر اختلاف مهم بين التجارب.

عمران خان ركز فى خطابه على العدالة ودولة توفر حياة كريمة لمواطنيها ومكافحة الفساد والاعتماد على الذات.

«غاندى» راهن على قوة الفكرة، «مانديلا» راهن على المصالحة، و«لى كوان يو» راهن على المؤسسة.

أما التجربة المصرية الراهنة فتتحرك فى إطار مشروع واسع لبناء قدرات الدولة بالتوازى مع التنمية وبناء الإنسان والحفاظ على الاستقرار الوطنى. ولا تعنى هذه المقارنة المفاضلة بين القادة وإنما تعنى أن لكل دولة طريقها وأن أفضل ما يمكن فعله هو التعلم من التجارب دون استنساخها.

الدرس الأهم، تؤكد هذه التجارب جميعًا أن القائد يستطيع أن يضع الرؤية لكنه لا يستطيع أن يكون هو الدولة، فالإنجاز الحقيقى هو الذى يتحول إلى مؤسسة، والمشروع الحقيقى هو الذى يترك أثرًا مستدامًا والسياسة الناجحة هى التى تنعكس فى النهاية على الإنسان والمجتمع. ومن هنا يمكن استخلاص مجموعة من الدروس كالتالى:

١- خدمة الوطن مسئولية وليست امتيازًا.

٢- بناء الإنسان يجب أن يظل فى قلب المشروع الوطنى.

٣- المؤسسة أهم من الشخص واستدامة الدولة أهم من بقاء أى قيادة.

٤- الاقتصاد والإنتاج عنصران أساسيان فى قوة القرار الوطنى.

٥- التجارب الدولية للتعلم وليست للاستنساخ.

٦- نجاح المشروعات يقاس بعائدها على المواطن والاقتصاد وليس فقط بحجمها.

 

التوصيات

أهم ما تحتاجه الدول فى المرحلة المقبلة هو استمرار الاستثمار فى الإنسان وتعزيز التعليم والبحث العلمى، وربط المهارات باحتياجات الاقتصاد وتحويل المشروعات القومية إلى طاقة إنتاجية مستدامة، وإعداد أجيال جديدة من القيادات القادرة على إدارة الأزمات وصناعة القرار، كما أن توثيق التجارب الوطنية الناجحة ودراستها علميًّا يمثل ضرورة لصناعة ذاكرة مؤسسية يستفيد منها المستقبل.

وفى النهاية.. فإن القيمة الحقيقية فى دراسة «عمران خان» و«غاندى» و«مانديلا» و«لى كوان يو» وفى قراءة التجربة المصرية ليست البحث عن قائد نقلده وإنما البحث عن درس نتعلمه، فالأوطان لا تُبنى باستنساخ الآخرين. نتعلم من العالم ونستفيد من تجاربه ثم نبنى نموذجنا الوطنى الذى يعبر عن تاريخنا وشعبنا ومصالحنا وقدراتنا، والقائد يرحل أما الوطن فيبقى، ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن تتركه القيادة الوطنية هو دولة أقوى ومؤسسات أكثر رسوخًا، وإنسان أكثر قدرة، ومستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا، وهذه فى جوهرها هى المعادلة الحقيقية لخدمة الوطن.