كيف رفض محمد صلاح المشروع السعودي في كل محطة منذ 2023؟
يسدل انتقال محمد صلاح إلى طرابزون سبور التركي الستار على واحدة من أطول قصص سوق الانتقالات في السنوات الأخيرة، بعدما ظل قائد منتخب مصر هدفًا رئيسيًا للدوري السعودي منذ صيف 2023، وسط عروض مالية غير مسبوقة ومحاولات متكررة لإقناعه بخوض تجربة جديدة في دوري روشن.
إلا أن القاسم المشترك في جميع تلك المحطات كان تمسك النجم المصري بخياره الرياضي، ليؤجل الانتقال تارة، ويجدد عقده مع ليفربول تارة أخرى، قبل أن يختار في النهاية البقاء داخل القارة الأوروبية رغم الإغراءات المالية الضخمة.
وخلال السنوات الماضية، خرج عدد من كبار المسؤولين في منظومة كرة القدم السعودية للحديث عن كواليس هذه المفاوضات، مؤكدين أن الاهتمام بضم صلاح لم يكن مجرد شائعات إعلامية، بل مشروعًا استراتيجيًا استمر لعدة مواسم، قبل أن ينتهي بإعلان اللاعب ارتداء قميص طرابزون سبور.
البداية.. عرض الاتحاد الذي هز سوق الانتقالات
بدأت القصة بصورة رسمية في صيف عام 2023، عندما تقدم الاتحاد السعودي بعرض تاريخي إلى ليفربول بلغت قيمته 150 مليون جنيه إسترليني، بواقع 100 مليون جنيه قيمة ثابتة و50 مليونًا كحوافز إضافية، في واحدة من أكبر العروض التي تلقاها النادي الإنجليزي عبر تاريخه.
ورغم القيمة المالية الضخمة، جاء الرد سريعًا وحاسمًا من إدارة ليفربول، التي رفضت مناقشة بيع نجمها الأول، بينما تمسك المدير الفني يورجن كلوب باستمرار اللاعب، مؤكدًا أن صلاح ليس للبيع، لتنتهي المحاولة الأولى دون أن يمارس اللاعب أي ضغوط للرحيل عن "أنفيلد".
إيمينالو يكشف الحقيقة لأول مرة
وبعد أسابيع من فشل الصفقة، خرج المدير الرياضي لرابطة الدوري السعودي للمحترفين، مايكل إيمينالو، ليؤكد أن قصة صلاح لم تنته بالنسبة لذلك الميركاتو فقط، مشددًا على احترام رغبة اللاعب وعقده مع ليفربول، مع اعترافه بأن الدوري السعودي سيكون مستعدًا للتحرك مجددًا إذا سنحت الفرصة.
لكن التصريح الأكثر أهمية جاء لاحقًا، عندما كشف إيمينالو أن المفاوضات كانت حقيقية بالفعل، وأن الأندية السعودية بذلت جهودًا كبيرة للتعاقد مع قائد منتخب مصر، إلا أن القرار النهائي ظل بيد اللاعب، الذي فضّل الاستمرار مع ليفربول، إلى جانب تمسك النادي الإنجليزي بعدم بيعه في ذلك الوقت.
"اللذيذ" يوضح سبب تعثر الصفقة
ومن جانبه، تحدث سعد اللذيذ، نائب رئيس رابطة الدوري السعودي والمشرف على برنامج الاستقطاب، عن الملف من زاوية مختلفة، موضحًا أن الرابطة لا تفرض اللاعبين على الأندية، وأن نجاح أي صفقة يرتبط بموافقة جميع الأطراف، سواء النادي الأصلي أو اللاعب نفسه.
كما ألمح إلى أن الشروط التي تمسك بها ليفربول خلال الساعات الأخيرة من سوق الانتقالات كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء توقف المفاوضات، ليغلق الملف مؤقتًا دون التوصل إلى اتفاق.
صيف 2025.. تغيير الاستراتيجية لا يغير النتيجة
ومع اقتراب نهاية عقد صلاح مع ليفربول، غيرت الجهات المسؤولة عن مشروع الاستقطاب في السعودية أسلوب عملها، فبدلًا من الاعتماد على تحرك نادٍ واحد، أصبحت المفاوضات تُدار بصورة مركزية عبر رابطة الدوري وصندوق الاستثمار العام، مع وضع اللاعب على رأس قائمة الأهداف.
وتحدثت التقارير آنذاك عن عرض مالي ضخم، إضافة إلى اتصالات مباشرة مع وكيل اللاعب وإدارة ليفربول، في محاولة لاستغلال وضعه التعاقدي، إلا أن صلاح أنهى الجدل بتجديد عقده مع النادي الإنجليزي، لتسقط المحاولة الثانية قبل أن تتحول إلى اتفاق رسمي.
المحاولة الأخيرة.. أوروبا تنتصر على المال ورئيس طرابزون يشكف مفاجأة صادمة
وبعد انتهاء مشواره مع ليفربول، عاد اسم محمد صلاح ليتصدر المشهد في صيف 2026، حيث دخلت أندية سعودية مجددًا في سباق التعاقد معه، وسط تقارير تحدثت عن عروض مالية تفوق كثيرًا ما كان معروضًا في أوروبا.
لكن المفاجأة جاءت بإعلان انتقاله إلى طرابزون سبور التركي، وهو القرار الذي أثار جدلًا واسعًا، خصوصًا بعد تصريحات رئيس النادي التركي، أرطغرل دوغان، الذي كشف أن اللاعب أطلعه بنفسه على عرض بلغت قيمته نحو أربعة أضعاف عرض طرابزون، إلا أنه فضّل المشروع الرياضي والبقاء في المنافسات الأوروبية على المكاسب المالية.

ردود فعل سعودية
قرار صلاح أعاد النقاش داخل السعودية حول فلسفة مشروع الاستقطاب، إذ أكد بعض المسؤولين أن دوري روشن لم يعد يبحث عن أسماء كبيرة لمجرد قيمتها التسويقية، بل يستهدف لاعبين قادرين على تقديم الإضافة الفنية.
وفي المقابل، أثار تعليق رجل الأعمال الأمريكي ومالك نادي الخلود، بن هاربورغ، جدلًا واسعًا بعدما كتب عبر منصة "إكس" أن صلاح "ذهب إلى الدوري المناسب له"، مضيفًا أن الدوري السعودي "ليس مكانًا لقضاء سنوات التقاعد"، في رسالة فسّرها كثيرون بأنها دفاع عن قوة المشروع الرياضي السعودي بعد فشل التعاقد مع النجم المصري.
أما جماهير الكرة السعودية، فقد انقسمت بين من رأى أن اللاعب أضاع فرصة تاريخية للانضمام إلى أحد أقوى المشاريع الكروية في المنطقة، ومن اعتبر أن قراره يؤكد أن المنافسة الأوروبية ما زالت تمثل الأولوية بالنسبة للنجوم الكبار، حتى مع الفارق المالي الكبير.
مشروع سعودي اصطدم بقناعة صلاح
وبالنظر إلى مجمل الأحداث، يتضح أن قصة محمد صلاح مع الدوري السعودي لم تكن مرتبطة بعرض واحد أو ميركاتو بعينه، بل بملف استمر سنوات وشهد محاولات متكررة، تنوعت بين عروض رسمية واتصالات مباشرة ومفاوضات قادها كبار المسؤولين في منظومة كرة القدم السعودية.
وفي كل مرة، كانت النهاية واحدة؛ إذ فضّل قائد منتخب مصر مواصلة مشواره في أوروبا، ليغلق بانتقاله إلى طرابزون سبور أحد أكثر ملفات الانتقالات إثارة في السنوات الأخيرة، بعدما قال "لا" للمشروع السعودي أكثر من مرة، واضعًا الاعتبارات الرياضية في مقدمة أولوياته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض