رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

عندما وقع زلزال عام 1992 الشديد المخيف، كنت في اليوم التالي داخل أحد استديوهات التلفزيون المصري ، ولم يكن للفنانين حديث إلا عن الزلزال ، وراحت تعليقاتهم تتدفق وتختلط البعض يحكى كيف فعل وقت وقوع الزلزال والبعض يتحدث عن مركزه وقوته واحتمالات تكراره ، أما أنا فقلت: هذا الزلزال يجب أن يغير الكثير من مفاهيمنا. قالوا مثل ماذا؟  قلت مفهوم الحرب والسلام  على سبيل المثال.  فسألنى أحدهم وكيف ذلك؟ قلت: يظلون يحدثون الناس عن جمال السلام  وغصن الزيتون والحمامة، لكن هذا الزلزال يثبت للجميع غباء هذه المزاعم ، الله أمرنا بالحرب ، وعلينا السمع والطاعة ، فهو عز وجل قادر بهزة صغيرة على أن يهدّ كل شيء فوق الرؤوس إذا أراد، وهو ما تتضاءل بجواره خسائر الحروب البشرية والمادية بكثير. الركون إلى غصن الزيتون والحمامة وإلى الاستسلام والخنوع بمبررات مختلفة ليس كلام الرجال بل كلام الجبناء والضعفاء والمتخاذلين .وقس على ذلك... ، الزلزال ليس مجرد هزة أرضية بل هزة للعقول والضمائر والأرواح .فالعمق الفلسفي له يكمن في قدرته على تصحيح المفاهيم وعلى إيقاظ الغافلين ، لأن الإنسان ينغمس في تفاصيل الحياة اليومية حتى يرى الأمان قانوناً حتمياً ، فيطغى ويقسو ويزاحم أخاه على الفتات، وتأتي هذه الصيحة الكونية لتنسف مفهوم الأمان الذاتي المنفصل عن قدرة الخالق، وتعيد صياغة الأسئلة الأساسية بلغة قاطعة: ما قيمة المال الذي تكدسه إذا كان المبنى كله قد يغدو مقبرة في ثوان؟ وما قيمة النفوذ والسلطة والصراع على الصدارة حين تتساوى الرؤوس تحت الأنقاض؟ إنها لحظة استرداد خاطفة للوعي الأخلاقي، تجعل الحقائق العارية تصفع الضمير الغافل كي يستفيق من سكرته قبل أن يستفيق بعد فوات الأوان.
الزلازل إنذارات مجانية من السماء، لعلنا نختشي ونستحي من أنفسنا ونتأدب مع خالقنا. فالذي يظل يسرق ويرتشي ويغش ويسطو على المال العام، وينافق ويكذب ويحقد ، ويرتكب كل الموبقات دون أن ينبهه هذا التحذير إلى تفاهة الحياة ويصده عن هوى نفسه وآثامها ، هو شديد الغباء، فإن كنت تسرق وتنهب خشية الفقر وضيق العيش، فالله القادر على سلب روحك وحياتك في ثوان هو أحق أن تخشاه وتتقيه. وإن كنت تريد قتل أخيك أو إزاحته من أجل منصب أو مكانة دنيوية، فكل هذه الأوهام زائلة في لمح البصر. 
ولعل أبلغ ما يتركه الزلزال في النفس البصيرة هو التحول من الخوف الفسيولوجي المجرد إلى الخشية الفاعلة. الخوف المجرد يزول بزوال الاهتزاز، فيعود الإنسان بعده إلى ما كان عليه من الطغيان بمجرد أن تهدأ الأرض. أما الخشية الفاعلة فهي الانتباه الإيماني الذي يحول الصدمة إلى منهج حياة جديد، منهج يستحضر معية الله وقدرته في كل خطوة، ويجعل الصدق والمروءة والعدل ونصرة الحق هي الثوابت الوحيدة التي تستحق أن يبني عليها الإنسان وجوده.  إنها تلك الصلابة الأخلاقية والإيمانية التي تجعل العبد يدرك أن ما عند الله خير وأبقى، وأن الركون إلى القوة المادية الهشة والمساومة على المبادئ طمعاً فى متاع زائل إنما هو خسران مبين أمام ملكوت لا تتحرك فيه ذرة من مكانها إلا بمشيئة خالقها. 
تلك هى الحقيقة ، لكن أصحاب التفيسر المادي الضيق يصرون على اختزال الكوارث والظواهر الكونية في معادلات جيو-فيزيائية صماء، محاولين إقناع العقل بأن الزلازل ليست سوى تنشيط للصفائح التكتونية أو انفراجات في الفوالق الأرضية، وكأن الأسباب المادية تنفي العلة الفاعلة والخالقة لكل شيء، والواقع أن فكرهم يغفل عن حقيقة بسيطة يدركها كل ذي عينين، فالقول بأن الصفائح تحركت هو شرح لكيفية وقوع الحدث، وليس إجابة عن السؤال الأهم:  من الذى أمره وأجرى المقادير به. إن إثبات أسباب الأرض والسنن الجيولوجية لا يتعارض مطلقاً مع القدرة الإلهية المطلقة، بل إن هذه القوانين نفسها ليست سوى أدوات جارية بمشيئة الخالق الذي يخاطب العباد بآياته كي يستيقظوا من غفلتهم، كما جاء في محكم التنزيل: "وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْويفاً".
إن تجريد الكون من الإرادة الإلهية ورده إلى الصدفة والجبرية المادية هو صدمة يائسة يهرب بها الإنسان من استشعار المسؤولية الأخلاقية والإيمانية. إنهم ينسون أن المادة التي يقدسونها تابعة لا متبوعة، وأن النظام الكوني المحكم لم يخلق نفسه ليبقي الإنسان في غيبوبة أبدية تجعله يسرق ويطغى ويتجبر ويظن أنه بمعزل عن الحساب. إنهم يتعامون عن اليد الإلهية التي تسير حركة الكواكب والأرض بنفس الدقة والقدرة؟ إن الرؤية المادية الهشة تخشى أصل الموقف، لأن الاعتراف بالإرادة الإلهية يتبعه بالضرورة اعتراف بالعدل والحساب والموقف الذي يجب فيه على العبد أن يستحي من ذنوبه ويراجع طغيانه ومظالمه.

روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لما نزل قول الله تعالى قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعوذ بوجهك ، قال : أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال : أعوذ بوجهك .                          ولما زلزلت المدينة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جمع الناس وخطب فيهم ليذكرهم بأن هذه الهزة تنبيه لظهور المظالم ووجوب الاستقامة، قائلاً لهم "إن عادت لا أساكنكم فيها".  يهدد الناس         لعلهم  يعودون إلى ربهم ويتوبون إليه ،إن كل حادثة في التاريخ تثبت أن القوة المادية لا تحمي ظالماً، وأن خشية الله والرجوع إليه هما الأمان الحقيقي. الزلزال يتجاوز الهزة المخيفة إلى التعرية الخاطفة والمذهلة لغرور الإنسان الذي صاغه من أوهام الحداثة والتمدن. إن المرء الذي يشيّد الأبراج العالية ويظن أنه أقام معقلاً أبدياً يحميه من غدر الزمان، يفاجأ في لحظة لم يحسب لها حساباً بأن هذه التربة المستقرة تحت قدميه، والتي يتعامل معها ببديهية يومية صلفة، ليست سوى غشاء رقيق يتحرك بإذن خالقه. في تلك الثواني القليلة، يتساقط الحجاب المزيف الذي يستتر خلفه الإنسان الحديث، وترتد النفس -شاءت أم أبت- إلى بؤرة عجزها الأول، حيث تتساوى الجدران الخرسانية والتسليح الضخم مع الهشاشة الأولى للطين الذي خُلق منه.
وعبر التاريخ، كانت الشواهد صريحة في دحض هذا الفكر المادي ومواجهة من حاولوا فصل أسباب الطبيعة عن منشئها الإلهي ، ففي زمن الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز، عندما ضربت الزلازل بعض أقاليم الدولة الإسلامية، لم يقف الموقف عند التفسير الظاهري، بل أرسل كتبه إلى العمال والولاة في الأمصار يذكرهم بأن هذه الهزات إنما هي تنبيه إلهي للعباد كي يخرجوا من مظالمهم، وأمرهم بالصدقة والإنابة والتضرع، كاتباً لهم: "إن هذا الرجف شيء يعاتب الله عز وجل به العباد"، فكانت الاستجابة العملية تصحيحاً للمسار الأخلاقي والاجتماعي وليست مجرد مراقبة سلبية لطبيعة الأرض.
وفى الأندلس حين شهدت غرناطة زلزالاً هائلاً تداعت له الحصون وزُلزلت القلوب، أدرك العلماء والفلاسفة المعنيون بالعلوم الطبيعية آنذاك أن المعرفة المادية بطبيعة الأرض لا تغني عن الخشية واللجوء إلى الله ، فخرج الناس وعلى رأسهم القضاة والعلماء إلى الخلاء يتضرعون ويستغفرون، محولين الحدث المادي إلى ثورة تصحيحية في السلوك والضمير الاجتماعي. إن تاريخ البشريات كلها يؤكد أن القسوة المادية المنفصلة عن الإيمان تتهاوى فور حدوث الهزة الأولى، حيث ينادي الضمير الإنساني في لحظات الهلع الصافية ربه وملجأه، ليتضح أن القوانين الطبيعية ليست إلهاً يُعبد، بل هي أسرار قدرة الله التي تدير الوجود بمشيئته وحكمته.