رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

د. أحمد يوسف أستاذ العلوم السياسية بعد فوزه بجائزة النيل للعلوم الاجتماعية:

نعيش تركيبة «جنينية» لنظام عالمى جديد

بوابة الوفد الإلكترونية

تأييد أمريكا لإسرائيل عقيدة راسخة فى السياسة الأمريكية

الولايات المتحدة تسعى لوجود إنشاء شرق أوسط جديد امتدادًا لسايكس بيكو

الاتحاد الأوروبى اقتصادى أكثر منه سياسيًا وموقفه متخاذل

الاتفاقات الإبراهيمية تتعارض مع المبادرة العربية لإنهاء الصراع فى المنطقة

إنشاء قوة دفاع عربية مشتركة ضرورة للتصدى لأطماع الصهاينة

الملف النووى ذريعة فاسدة لتركيع إيران وتدميرها

 

الدكتور أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أحد أهم المفكرين المتخصصين فى الشئون العربية والعلاقات الدولية، منذ أيام قلائل حاز على جائزة النيل للعلوم الاجتماعية لعام 2026 تقديرًا لمسيرته الفكرية.

شغل المفكر السياسى الكبير مواقع أكاديمية وبحثية عدة مثل إدارة معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية من عام (1993-2013) ورئيس اللجنة التنفيذية بمركز دراسات الوحدة العربية وعضو مجلس أمنائه، وعمل أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة صنعاء (1987-1993) وهو عضو مجلس أمناء جامعة الأهرام الكندية.

حصل «يوسف» على الماجستير والدكتوراه من جامعة القاهرة بإشراف الدكتور بطرس غالى، اهتم بالنظام الإقليمى العربى والسياسة الخارجية المصرية، وقضايا الصراع العربى الإسرائيلى والعلاقات الدولية، له مؤلفات عدة منها كتاب «الدور المصرى فى اليمن (1962-1967)»، وله العديد من المقالات التحليلية فى الصحف ومراكز الأبحاث، ومنها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، و«العدوان الإسرائيلى على غزة وسيناريوهات المستقبل»، و«الصراعات العربية العربية (1945-1981)»، كما شارك فى العديد من المؤتمرات الدولية، وهو أكاديمى متبحر ومحلل سياسى من الطراز الأول، بل من أهم المحللين السياسيين على الساحة المصرية والعربية.

«الوفد» التقت الدكتور أحمد يوسف أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة عقب فوزه بجائزة النيل للعلوم الاجتماعية هذا العام، وهذا نص الحوار..

 

< بداية.. ماذا يمثل لكم الفوز بجائزة النيل للعلوم الاجتماعية هذا العام؟

<< بالطبع لا يمكن للإنسان أن يخفى سعادته بالحصول على هذه الجائزة الرفيعة من وطنه، فالجائزة عندما تأتى من مؤسسات الوطن لها وقع خاص وهى امتداد لفضل الوطن على الإنسان، فهذا الوطن هو الذى علمنى ووضعنى فى هذه المكانة، وأتاح لى فرصة أن أخدمه فى مجال تخصصى، فالإنسان فى حياته قد يجد نوعًا من التقدير ممن يتعامل معهم، سواء أكانوا طلابًا أو زملاء أو قراء، لكن بالطبع التكريم من أرفع مؤسسات الوطن له مذاق آخر.

< كيف ترى مستقبل الشرق الأوسط فى ظل وجود العديد من الملفات المشتعلة وما أهم السينايوهات المرتقبة من وجهة نظرك؟

<< إقليم الشرق الأوسط يمر - فى تقديري- بمرحلة غير مسبوقة، فنحن نواجه للمرة الأولى صراعًا شاملا متعدد الأبعاد، بمعنى أنه إذا تذكرنا الصراعات السابقة سنجد أن بعضها على ضراوته لم يصل إلى هذه الدرجة من التعقيد، وسأكتفى مثلًا بذكر ثلاثة نماذج، حرب يونيو 67 وحرب أكتوبر 73 والغزو العراقى للكويت 1990، وقد أضيف نموذج رابع هو الحرب العراقية الإيرانية التى استمرت من (1980-1988)، فلو تأملنا فى كل هذه الجولات المسلحة فسنجد أنها على ضراوتها يمكن أن توصف بأنها مبسطة الأبعاد، ففى حرب 67 إسرائيل تهاجم ثلاث دول عربية وتنتصر عليها بدعم أمريكى صورة شديدة الوضوح والتبسيط، وفى حرب 73 الصورة العكسية أن الدول العربية وبالذات مصر وسوريا ترد على هذا العدوان بعمل عربى مشترك، أولًا مصر وسوريا، ثانيًا دعم عربى واضح عسكرى ومالى، الغزو العراقى للكويت، صدام حسين يغزو الكويت، فتصطف معظم الدول العربية مع عدد من الدول الأخرى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ويحاربون من أجل إخراج القوات العراقية من الكويت، حتى الحرب العراقية الإيرانية، ربما كانت تنطوى على تعقيد أكثر لكن العراق يهاجم إيران وله من يناصره من الدول العربية، وإيران لم يكن لها أنصار يذكرون، لكن الولايات المتحدة وإسرائيل تلاعبتا بالحرب وفق مصالحهما، عندما ننتقل إلى الوضع الحالى سنجد أولًا أننا إزاء عمل أو هجوم أو عدوان أمريكى إسرائيلى مشترك لأول مرة فى تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وكلنا يعلم مدى التأييد الأمريكى لإسرائيل والانحياز لها، وكيف أن هذا التأييد والانحياز يتمان بشكل مطلق، إنما أن يتم الاتفاق على خطة عسكرية بساعة صفر تنفذها الدولتان بالاشتراك بين قوتيهما المسلحة، هذا هو العمل الأول من نوعه فى تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وبالطبع إيران كما نعلم لها مجموعتها فى بعض الدول العربية المتحالفة معها مثل حزب الله فى لبنان وأنصار الله فى اليمن ومثل بعض الفصائل العراقية وفى الوقت نفسه لها بعض العلاقات الإقليمية المعقولة مع دول عربية، ويفترض أن علاقتها بروسيا والصين جيدة، هذه التركيبة أوجدت وضعًا بالغ التعقيد، بحيث إن الهجوم الأمريكى الإسرائيلى على إيران تفرع عنه ما يلى هجوم من حزب الله على إسرائيل، وبالتالى رد إسرائيلى على لبنان، أنصار الله صحيح لم يشاركوا بنفس الكثافة، لكنهم يشاركون وقت اللزوم كما رأينا فى بعض العمليات الفرعية، بعض الفصائل العراقية تشارك فى الحرب بضرب القواعد الأمريكية فى العراق أو قواعد الأكراد الإيرانيين المعارضين للضم الإيرانى فى الإقليم الكردى العراقى، فهناك صورة فى الحقيقة فى منتهى التعقيد، وما عقَّد الصورة أكثر هو أن الولايات المتحدة وإسرائيل أخفقتا فى أن تحققا النصر السريع الذى روَّجت له إسرائيل وخدعت «ترامب» به، وبالتالى أوجدته فى المأزق الحالى، وأنه رغم كل التدمير والقتل الذى حدث فى إيران إلا أنه لا النظام الإيرانى استسلم ولا «ترامب» استطاع أن يحقق نصرًا حاسمًا، بالعكس من الواضح أن النظام الإيرانى يراهن على استخدام أسلحة غير عسكرية فى المعركة، وهى تعويق أو التأثير على سوق الطاقة العالمى، بحيث ترتفع أسعار البترول فتحدث ارتدادات داخلية وإقليمية ودولية تعقد الموقف أمام ترامب، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى فى شهر نوفمبر القادم.

< فى رأيك هل تسعى أمريكا إلى أن يكون هناك شرق أوسط جديد يكون امتدادًا لمنطق «سايكس بيكو» وهل إسرائيل تعمل على الهيمنة على المنطقة عبر معادلة «أنظمة منقادة أو دول منهارة»؟

<< هذا ليس رأيًا، ولكنه مسألة قاطعة، والحقيقة أنها ليست لها علاقة بترامب تحديدًا، فهذا من المعالم الأساسية فى السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط منذ تصدرت الولايات المتحدة النظام العالمى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عندما نتتبع خطى هذه السياسة سنجد ما يلى مشروع قيادة الشرق الأوسط فى 1950 الذى أسقطته الحكومة الوطنية المصرية الوفدية فى ذلك الوقت، مشروع حلف بغداد 1955 الذى أسقطته مصر الثورة، مشروع إيزنهاور 1957 الذى أسقطته أيضًا مصر الثورة بدعم عربى شامل، وصولًا فى النهاية إلى المشاريع الشرق أوسطية الجديدة، ولعلنا نذكر المؤتمرات الاقتصادية الشرق أوسطية بعد اتفاقية أوسلو، نذكر ما سمى بحلف الناتو العربى، فما أريد قوله إن موضوع شرق أوسط يناسب المصالح الأمريكية، أولاً السياسة الأمريكية لا مكان لديها للرابطة العربية، فهى تريد رابطة شرق أوسطية كى تميع الرابطة العربية وتستطيع إدخال ما تشاء من الدول مثل إسرائيل وإيران أيام الشاه ومثل تركيا أيام ما قبل حكم أردوغان، إلخ، فهذه قضية أساسية فى السياسة الأمريكية، فعندما اعتدت إسرائيل على لبنان بعد عملية حزب الله فى 2006 وبدأ العالم يضج من كمية القتل والدمار.. إلخ. وانتقدت السياسة الأمريكية، لأنها كانت تقف ضد وقف إطلاق النار ماذا كان تصريح وزيرة الخارجية آنذاك كونداليزا رايس قالت: «إن ما يحدث من قتل ودمار.. إلخ، إنما هو مخاض للشرق الأوسط الجديد، ما أريد قوله اختصارًا إن شرق أوسط تهيمن عليه إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية هو بعد ثابت فى السياسة الأمريكية، ولو كانت إيران قد سقطت أمام هذا العدوان لتحقق هذا المشروع، فقد كانت القوة التى تدافع عن نظام إقليمى عربى مستقل كانت ستضعف، لأن دولة مثل مصر ستجد نفسها وحدها فى الساحة، فنحن رغم اختلافنا مع إيران سعداء بصمودها، ونتمنى أن يستمر، فإن لم يستمر سيمضى نتنياهو والولايات المتحدة قدمًا فى مشروعها لشرق أوسط، يتمم ذلك أن نتنياهو أعلن صراحة عن انحيازه لإسرائيل الكبرى، وهذا ليس جديدًا علينا ولكن الجديد أن يصرح به علنًا، ومعروف ما هى إسرائيل الكبرى، إسرائيل التى تأتى على حساب عديد من الدول العربية، إما أن تلتهمها بالكامل، وإما أن تقتطع منها أجزاء، وبالتالى هذا هو التصور الراسخ الأمريكى الإسرائيلى للشرق الأوسط الجديد، وبالطبع تقابله تصوراتنا نحن.

< إيران تعتبر مضيق «هرمز» قضية مصيرية لها والولايات المتحدة تضع المضيق ضمن أولوياتها القصوى فى علاقتها مع إيران، فهل بالفعل وضع مضيق هرمز يؤثر على المفاوضات بينها، خاصة بعد أن تم توقيع اتفاقية سابقة بين الطرفين؟

<< بالطبع، واضح إن الاستراتيجية الإيرانية تركز على استخدام الأسلحة الجيوساسية فى المعركة، فقد نجحت فى ذلك، نجاحًا حتى الآن باهرًا، لا أحد يستطيع أن يحسم المستقبل، ولكن حتى الآن إيران بعد خمسة أشهر كاملة من الحرب مازالت الولايات المتحدة وإسرائيل غير قادرتين على تركيع إيران، وبالتأكيد الخلل فى موازين القوى التقليدية ليس قابلًا للمناقشة، بمعنى أن قوة الولايات فى حد ذاتها فما بالك لو تحالفت مع إسرائيل لا تقارن بالقوة الإيرانية، صحيح أن إيران دولة إقليمية قوية لكن الخلل فى ميزان القوة شديد الوضوح بالنسبة لهذه المعركة، إيران تمكنت من أن تعوض هذا الخلل بطريقة حتى الآن تبدو ناجحة، فقد استخدمت إمكاناتها الجيوسياسية عن طريق التأثير على الملاحة عبر مضيق هرمز الذى نعلم أنه من خلاله يمر خمس تجارة الطاقة فى العالم، فالاستراتيجية الإيرانية قائمة على أساس أن تتحكم فى الملاحة فى مضيق هرمز، بحيث إن أسعار الطاقة ترتفع ونسبة التضخم وبالذات فى الولايات المتحدة ترتفع، الضغوط تزداد على ترامب فتستطيع أن تجنى ثمارًا سياسية، وحتى الآن تعتبر إيران ناجحة فى هذه الخطة.

< ما تقييمك لدور روسيا والصين حليفى إيران فى الحرب.. وكيف تنظر إلى هذا الدور، وهل المعادلة هى لعبة مصالح فى الأساس؟

<< كتبت مقالًا عن مكانة روسيا والصين فى التطورات العالمية الجديدة والتى يفترض أنها تمهد لترسيخ فكرة العودة إلى نظام دولى تعددى القيادة، فنحن نعلم أنه قبل تفكك الاتحاد السوفيتى كانت قيادة النظام الدولى ثنائية ما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى، وبعد تفككه أصبحت أحادية ثم منذ تولى «بوتين» الرئاسة الروسية فى مطلع هذا القرن بدأ عملية إعادة القوة الروسية أوصلتها إلى ما هى عليه الآن وعادت إلى التنافس على مكانة قيادية فى النظام الدولى، بالإضافة إلى صعود الدور الصينى نتيجة التقدم الاقتصادى المبهر وأيضًا التطور العسكرى الكبير، فالصين أصبحت القوة الاقتصادية الثانية فى العالم، ومرشحة مع منتصف القرن أن تكون القوة الأولى بامتياز، وأصبحت القوة العسكرية الثالثة فى العالم، ويمكن أيضًا أن تتقدم عن ذلك، إذن نحن أصبحنا إزاء تركيبة جنينية لنظام عالمى جديد فيه قوى متعددة، الولايات المتحدة والصين وروسيا، فهذا أصبح أمرًا واقعًا أن كلًا من روسيا والصين أصبحت لهما مكانة قيادية فى النظام الدولى، ومن وجهة نظرى أن هذه المكانة قاصرة على مصالحهما المباشرة، بمعنى أن أحدًا لم يستطع أن يفرض على روسيا شيئًا فى أوكرانيا، وبوتين خاض الحرب لأكثر من أربع سنوات، ولم يستطع حلف الأطلنطى بكل دعمه لأوكرانيا أن يفرض عليه شيئًا، وكذلك الصين لا أحد يستطيع أن يفرض عليها شيئًا فى قضاياها المباشرة مثل تايوان وبحر الصين الجنوبى، إلخ، ولكن أقاليم العالم الأخرى مدى حضور روسيا والصين ضعيف ولو نسبيًا، بمعنى أن الحرب الإسرائيلية على غزة، ماذا آلت إليه هذه الحرب، أن ملف التسوية أصبح بيد ترامب، خطته، ثم قرار مجلس الأمن، ثم مجلس السلام بحيث إن مفاتيح التسوية فى يده، وروسيا والصين امتنعتا عن التصويت فى المجلس بحيث يمر القرار، الأخطر من ذلك عندما أسقط نظام بشار الأسد فى سوريا، ونحن نعلم أن روسيا كانت تقوم بحماية مباشرة لهذا النظام، لم تستطع روسيا فعل شىء، الأخطر عملية ترامب فى فنزويلا يناير 2026 أن تدخل قوة أمريكية وتختطف الرئيس الفنزويلى وزوجته، وتستولى الولايات المتحدة على نفط فنزويلا وتتحكم فيه دون أن يحدث أى شىء للإرادة الأمريكية، أما المواجهة الحالية لم تقف روسيا والصين فى المواجهة، وهناك تقارير تقول إن كلًا من الصين وروسيا تقدمان لإيران مساعدات تتعلق ببعض المعدات التكنولوجية والمعلومات الاستخبارية وهذه مهمة، إلخ، وكلاهما ينفى، وإيران ما زالت صامدة ربما بجهودها الذاتية لكن هناك احتمال أن كلًا من الصين وروسيا يقدمان مساعدات غير مباشرة لها، وقد عرضتا الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران.

< هناك من يرى أن مصير لبنان يرتبط بالملف الإيرانى.. فهل حرب إيران أدخلت لبنان فى إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وما تحليلك لذلك؟

<< من الناحية الواقعية الملف اللبنانى مرتبط بالملف الإيرانى بسبب حزب الله فى لبنان، فنحن نعلم أن حزب الله فى لبنان ليس حزبًا هامشيًا مزروعًا من الخارج، هو بالطبع تلقى دعمًا كاملًا من إيران، لكنه يعبر عن أغلبية الطائفة الشيعية فى لبنان، وهذه الطائفة فى وقت من الأوقات كان منسوبًا إليها أنها تعرضت إلى تهميش، وبالتالى فإن الحزب يحظى بتأييد قوى جدًا من الطائفة الشيعية، أقصد بذلك أنه قوة أصيلة وهو مدعوم من إيران وهو لا يخفى ولاءه لها، ولذلك أقصد أن لإيران وجودًا حقيقيًا داخل لبنان، وعندما وقع الهجوم الأمريكى الإسرائيلى الأخير على إيران سارع حزب الله بدخول الحرب مساندة لإيران، فتوقيت دخوله الحرب كان مرتبطًا بالحرب على إيران، وعندما صمدت إيران وبدأت الولايات المتحدة تفكر فى مسار التسوية لم يكن من الممكن فى تقديرى سياسيًا بالنسبة لإيران أن تتخلى عن حزب الله، وبالتالى أصرت على أن ترتيبات وقف إطلاق النار تكون شاملة، فإيران لها مجموعات مرتبطة بها، هذه المجموعات هبًّت لنجدتها عندما تعرضت للعدوان، ولذلك إيران أصرت على الربط بين وقف الحرب فى إيران ووقفها فى لبنان واستسلمت الولايات المتحدة الأمريكية لهذا المطلب، ففى مذكرة التفاهم نص صريح على وقف الحرب فى إيران وفى لبنان، وبالتالى من الناحية العملية الملفان مرتبطان، والحكومة اللبنانية فتحت مسارًا ثنائيًا أو ثلاثيًا بعيدًا عن إيران، وهو المسار التفاوضى، فقد أعلن الرئيس اللبنانى «جوزيف عون» فى مارس قبوله لمسار التفاوض المباشر وتلقفت الولايات المتحدة الأمريكية هذا الموقف ورعت مفاوضات لبنانية إسرائيلية مباشرة نجم عنها ما يسمى بـ«الاتفاق الإطارى» والمشكلة الآن فى لبنان أن هذا الاتفاق يلقى معارضة داخلية واسعة فى لبنان، وهذه نقطة الضعف فى الحكومة اللبنانية، ليس صحيحًا أن حزب الله وحده هو الذى يعارض هذا الاتفاق الإطارى ولكن حزب الله، حركة أمل، التيار الوطنى الحر وهو تيار مسيحى مارونى، الحزب التقدمى الاشتراكى، الجماعة الإسلامية، على نحو يذكرنا بما حدث فى اتفاق مايو 1983 الذى عقد أثناء الاحتلال الإسرائيلى للبنان 1982، وبالتالى المعضلة الآن فى لبنان أن الحكومة الرسمية الشرعية وقّعت إطارًا مع إسرائيل يلقى معارضة واسعة تهدد إقراره، فالوضع فى لبنان الآن شديد التعقيد.

< البعض يرى أن 90% من الأوراق فى يد أمريكا، فهل من الممكن أن تضغط على إسرائيل لقبول الحق الفلسطينى فى إقامة دولته؟

<< هذا سؤال شديد الأهمية، لأننا نعلم أن التأييد الأمريكى لإسرائيل تأييد راسخ فى السياسة الأمريكية منذ نشأة إسرائيل ومنذ تولت الولايات المتحدة القيادة فى النظام العالمى، والأمثلة على محاولات أمريكا للتملص من التزامها بإسرائيل لا أقول نادرة، هو مثال واحد لا غير وهو ضغط أيزنهاور على إسرائيل كى تنسحب من سيناء وغزة فى 1957 لأن أيزنهاور فى ذلك الوقت كان يرتب لتسلم القيادة فى النظام الدولى، ولم يكن حبًا فينا وإنما لأن ما تفعله إسرائيل كان يتعارض مع أفكاره ولكن بعد ذلك نلاحظ أن كل الخلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل انتهت لصالح إسرائيل، فعندما علّق الرئيس جورج بوش الأب ضمانات قروض لإسرائيل على أساس أنها ستسخدم فى الاستيطان تراجع بعد ذلك، وفى بعض الأحيان الولايات المتحدة امتنعت عن التصويت على قرارات تدين المستوطنات، لكن السياسة بعد ذلك لن تتسق مع هذا السلوك، ننقل هذا النموذج إلى حقبة ترامب، فهو أكثر الرؤساء الأمريكيين انحيازًا لإسرائيل فى ولايته الأولى فقد اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، اعترف بضم الجولان، اعترف بشرعية الاستيطان، فلا يوجد تأييد أكثر صراحة من هذا، مع ذلك عندما بدأت الولاية الثانية لترامب بدعوى أنه يريد أن يحل السلام فى العالم، فشل فى تسوية الحرب الروسية الأوكرانية، فعل فعلته فى فنزويلا، شن حربًا بالاشتراك مع إسرائيل على إيران، لكن نلاحظ أنه مع تعمق التحالف الإسرائيلى الأمريكى بدأت تظهر بعض المشاكل، هل هذه المشاكل ستتفاقم، بحيث قد تشهد بداية تحول حقيقى فى السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل؟ هذا موضوع يجب أن نهتم به كثيرًا، لأنه يمكن أن يكون موضوعًا فارقًا، هذا التحول المحتمل له سببان، الأول تحولات الرأى العام الداخلى فى العالم كله بما فى ذلك الولايات المتحدة الأمريكية نعلم كثيرًا أن هناك اتجاهًا يساريًا داخل الحزب الديمقراطى يعارض التأييد المطلق لإسرائيل، رأينا ظاهرة عمدة نيويورك معادٍ للصهيونية، حتى نائب الرئيس الأمريكى نسبت له تصريحات تشير إلى ضيقه من السياسة الإسرائيلية، وحركة «ماجة» التى انتصر ترامب على أكتافها لديها تحفظات على إسرائيل، والخلاصة أن هناك تحولات فى الرأى العام الأمريكى تجاه إسرائيل ربما تكون فى بدايتها، لكنها بالتأكيد ستصل إلى ثمرة ما فى وقت ليس بعيدًا، فهناك جديد لدرجة أن بعض التحليلات تقول إن ترامب قد يكون آخر الرؤساء الموالين لإسرائيل موالاة مطلقة، هذا سبب، أما السبب الثانى أنه مع تعمق التحالف الأمريكى الإسرائيلى، بدأت تظهر مشاكل وقد بدأت مبكرًا فى غزة، فخطة ترامب فى غزة رغم أنها بالنسبة لنا تعتبر خطة سيئة، كان لإسرائيل بعض التحفظات عليها أيضًا، فإسرائيل لم تكن مع إدخال قوات دولية لغزة وتحاول أن تمارس «فيتو» عليها، وأؤكد أن إسرائيل لم تكن سعيدة بفكرة «ريفيرا غزة» لأن ذلك يعنى أن تخرج غزة عن سيطرتها، تكرر نفس الأمر فى الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران لأن «ترامب» فى الغالب خُدع برؤية نتنياهو أن الحرب سهلة وسريعة وسيسقط النظام، فلما تعثرت الأمور بدأ يتجه اتجاهات لا تلقى تأييدًا إسرائيليًا مثل الاتجاه لوقف إطلاق النار وهذا لا تريده إسرائيل فهى مع فكرة الحرب الدائمة، ومثل موافقة ترامب على الربط بين الملف اللبنانى والملف الإيرانى، مثل الاتصالات المباشرة بين ترامب وحزب الله تمامًا كما حدث بين ترامب وحماس، فبدأ يظهر نوع من الخلافات الأمريكية - الإسرائيلية، هل ستتطور أم لا؟ إسرائيل فى منتهى الذكاء وتعلم مدى خطورة هذه الخلافات وتديرها بطريقة فى منتهى الذكاء، فإسرائيل لديها خبرة عميقة فى التعامل مع محاولات التمرد الأمريكى عليها هل ستنجح، هل سينجح التيار الذى بدأ يتحفظ على التأييد الأمريكى المطلق لإسرائيل، وإسرائيل بيدها أدوات كثيرة، فالآن أصبح من المسلّم به أن الموساد الإسرائيلى كان وراء اغتيال جون كيندى لأنه أصر على التفتيش على المفاعل النووى الإسرائيلى، وبعض التقارير تشير إلى أن إسرائيل بدأت تتلاعب فى ملفات إبستين لكى تمارس ضغوطًا على الرئيس الأمريكى، وهناك بعض التحليلات تقول إنه من الممكن أن تدير بعض عمليات الاغتيال هنا أو هناك، فالمؤكد أن هناك بذور خلاف حقيقى بين أمريكا وإسرائيل، حدوده ما زالت فى بدايتها وبالتأكيد إسرائيل ستعمل على إجهاض هذا الخلاف ونحن نشاهد المعركة الآن.

< ما تقييمك لموقف الاتحاد الأوروبى من حرب غزة؟

<< الاتحاد الأوروبى اتحاد اقتصادى أكثر منه سياسيًا، وبالتالى يوجد داخله تنويعات تتوقف على سياسات الدولة، فينما تجد مواقف شديدة التقدم مثل إسبانيا وأيرلندا نجد مواقف معتدلة من دول مثل فرنسا والنرويج والبرتغال، ونجد مواقف شديدة التأييد لإسرائيل مثل ألمانيا وإيطاليا، وبالتالى ليس للاتحاد الأوروبى سياسة واحدة ناهيك عن أن تكون فاعلة تجاه إسرائيل.

وبالتالى فنجد للاتحاد الأوروبى بعض المواقف التى لا يأس بها كان يدين تصرفات المستوطنين، لكن ماذا تكون النتيجة، منع الاستيراد من المستوطنات، وبالطبع نعلم التلاعب بالبضائع وما يكتب على مصدرها، أقصد أنه قد تكون للاتحاد الأوروبى مواقف ايجابية ما من الصراع الفلسطينى الإسرائيلى ولكنها حتى الآن تعتبر مواقف شديدة الاعتدال ضعيفة التأثير أو حتى بلا تأثير.

< الاتفاقات الإبراهيمية باتت جزءًا من الواقع السياسى إلا أنها تواجه بانتقادات خاصة أنها تعتبر سببًا فى تهميش القضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل، ما تقييمك لها؟

<< الملاحظة الأولى أن هذه الاتفاقيات تتعارض تمامًا مع المبادرة العربية، قلبت المبادرة العربية رأسًا على عقب، لأن المبادرة تقول عندما تستجيب إسرائيل للمطالب العربية الواردة فى المبادرة وهى مطالب معتدلة فإن جميع الدول العربية ستنهى الصراع مع إسرائيل وتقيم علاقات طبيعية معها، والاتفاقات الإبراهيمية قلبت المسألة بأن تبدأ العلاقات مع إسرائيل وبعد ذلك لكل حادث حديث، فالسياسة الخارجية السعودية مثلاً ما زالت ملتزمة بالمبادرة العربية فإذا كنتم تريدون التطبيع مع إسرائيل فلابد أن يكون هناك مسار موثوق كدولة فلسطينية، وإسرائيل تفعل المستحيل من أجل أن تتملص من هذا الشرط لدرجة أنه مؤخرًا رأينا بعد أن أعلن الاتفاق النووى السعودى الأمريكى إذا بترامب يقول شرط استمرار هذا الاتفاق هو أن تطبع السعودية مع إسرائيل، وبالتالى الاتفاقات الإبراهيمية فى الحقيقة نتيجتها العملية كانت تمييع القضية الفلسطينية، وبالعكس لى تصور أن هذه الاتفاقيات السبب فى طوفان الأقصى، فالجدل السياسى الرئيسى فى المنطقة قبل طوفان الأقصى كان كيف سيتم استكمال عملية التطبيع مع إسرائيل وكان من الوارد أن يحدث تقدم فى هذا الصدد وتراجعت القضية الفلسطينية تراجعًا واضحًا، وفى هذا الاطار جاءت عملية طوفان الأقصى بكل ما ترتب عليها من قتل وتدمير إلا أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة، وبالطبع لأن الاتفاقات الابراهيمية ليست موضع اجتماع عربى فهى تهدد بمزيد من الانقسام العربى.

< مخططات كثيرة تصيغها أمريكا وإسرائيل.. برأيك ما الآليات التى يمكن للقوى الإقليمية الكبرى فى المنطقة خاصة مصر والسعودية استخدامها لمواجهة هذه المخططات؟

<< نحن الآن فى موقف معالمه كما يلى؛ رقم واحد محاولة جادة لأن تكون لإسرائيل اليد العليا فى الشرق الأوسط، وهذا كلام صريح من نتنياهو وإسرائيل الكبرى والشرق الأوسط وكل هذه الأمور، ثانيًا نحن إزاء فشل نظام الحماية الأمريكية للدول العربية التى تضم قواعد لها، لأنه ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا النظام هو لحماية المصالح الأمريكية فى هذه الدول وليس لحماية الدول العربية بدليل أن الولايات المتحدة أو إدارة ترامب بادرت بعدوان على إيران دون مشورة الدول العربية عامة والدول الخليجية خاصة، وكلنا يعلم أن كل الدول الخليجية كانت ضد العمل العسكرى ضد إيران، مصر نفس الحكاية ومع ذلك قامت الولايات المتحدة بهجومها الذى ترتب عليه ضرر بالغ للدول العربية، لأننا نعلم أن إيران اختارت أن يكون ردها عن طريق مهاجمة القواعد الأمريكية فى الدول العربية، وبالتالى كانت هناك ضربات لكل دول مجلس التعاون الخليجى وبالطبع إيران بالغت فى هذا فكانت تضرب القواعد الأمريكية وتضرب أهدافًا بالتأكد هى ليست أهدافًا أمريكية، فدول الخليج تضررت دون أن تكون السبب فى هذا، فلم تهاجم إيران، وبالتالى الحماية الأمريكية خلفت هذا الموقف الذى تعرضت فيه دول الخليج لضرر شديد، الآن نحن نعلم أن النظام العربى ليس فى أحسن حال، فهناك انقسام شديد، وأبسطها الانقسام بين دول الاتفاقات الإبراهيمية ودول عربية أخرى، ويطرح الآن فكرة أنه ربما يكون فى سبيلنا إلى نظام جديد، هو ليس نظامًا عربيًا صرفًا ولكنه نظام إقليمى تدخل فيه القوى العربية الرئيسية مثل مصر والسعودية ومعها دول مثل تركيا وباكستان، ومن يريد من الدول العربية والإسلامية التى تتوافق على أهداف مشتركة لحماية أمن المنطقة وحتى إيران من الممكن أن تكون جزءًا من هذا النظام وفق التكهنات السياسية، وبالطبع هذه عملية ليست بسيطة ما يجعلها ممكنة هو تفاقم الخطر الإسرائيلى إلى حد كبير، وأن هذا الخطر قد لا يمكن موافقته بدون أن تضع هذه الدول أيديها فى أيدى بعضها البعض.

< هناك اتفاقات ومبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة لكن كلها أصابها الجمود، فهل أصبح وجود قوة دفاع عربى مشترك ضروريًا الآن ومتى يدرك العرب أن الأمن القومى فى مرمى الخطر؟

<< بداهة وجود قوة دفاع عربى مشترك ضرورة، بل إن فكرة النظام الإقليمى الجديد، الذى من الممكن أن تدخل فيه دول مثل تركيا وباكستان على سبيل المثال لا يمكن أن تأتى لصالح العرب إلا إذا كانوا يمثلون قوة مشتركة، لكن للأسف كل محاولات إنشاء قوة عربية مشتركة باءت حتى الآن بالفشل، وآخرها كانت مبادرة الرئيس «السيسى» التى أقرتها قمة شرم الشيخ فى 2015 والتى ترجمها رؤساء أركان القوات المسلحة العربية إلى بروتوكول متفق عليه لإنشاء قوة والذى نكصت دول عربية معينة عن إقراره فى اللحظة الأخيرة، ما زال الأمل فى إحياء هذه الفكرة ومن لديه تحفظ فليقله. فقد أصبح واضحًا وضوح الشمس أن المخاطر هائلة وأن أى دولة عربية بمفردها لا يمكن أن تواجه هذه المخاطر، فالحل هو فى القوة المشتركة.

< البعض يرى أن أمريكا وإسرائيل تستخدمان الملف النووى كذريعة لاحتلال دول الشرق الأوسط كما حدث فى العراق فهل تريد تكرار ما حدث فى العراق مع إيران؟

<< الملف النووى الإيرانى فى حد ذاته هو ذريعة فاسدة لأكثر من سبب أولاً أن إسرائيل دولة نووية مهما أنكرت فلماذا يكون لإسرائيل الحق فى أن تمتلك سلاحاً نووياً ولا يكون لإيران؟! ومن المعروف أن السلاح النووى هو سلاح دفاعى بالأساس، سلاح ردعى، ثانياً: إيران وافقت مع المجتمع الدولى فى 2015 على اتفاق يمنعها من تملك سلاح نووى، فمن انسحب من هذا الاتفاق هو ترامب، فى مايو 2018، وبالتالى هجومه على إيران هو وإسرائيل غير مبرر، لأن إيران استجابت للمجتمع الدولى، وحتى باستخدام منطق ترامب عندما انتقد مؤخراً أن مذكرة التفاهم لم تتضمن شيئاً عن الصواريخ الإيرانية، قال ما معناه إنه ليس من العدل أن دولاً فى المنطقة يكون لديها صواريخ باليستية وأخرى ليس لديها، وبنفس المنطق ليس من العدل أن تكون إسرائيل دولة نووية ولا تكون إيران أو السعودية أو مصر دولة نووية، ونحن بالطبع ضد الانتشار النووى لكننا مع العدالة، وبالتالى قصة البرنامج النووى من ألِفها إلى يائِها قصة فاسدة.

< أخيرا.. ما السيناريو الأخطر الذى ترى المنطقة تتعرض له؟

<< أن ينتصر المشروع الإسرائيلى الأمريكى، وأقولها صراحة أن تُهزم إيران فى هذه المواجهة، فنحن طلاب علاقات دولية ونعلم نظرية التوازن هى أساس للسلام، نحن نختلف مع إيران فى أشياء ربما كثيرة وتعترض على بعض تصرفاتها دول عربية، إنما من منظور التوازن الإقليمى العام وجود إيران مهم لكى تكون قوة موازنة للقوة الإسرائيلية تماماً كما أن وجود تركيا مهم ومصر والسعودية، نحن نواجه مشروعاً إسرائيلياً شديد الوضوح متكامل الأبعاد وإذا لا قدر الله انتهت هذه المواجهة بتركيع إيران أو تدميرها فالتوازن سيختل فى المنطقة وهذا سيكون أسوأ سيناريو يواجه المنطقة.