رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

د.حنان عواد: الكلمة معادل موضوعي للبندقية.. ومن القدس أكتب سيرة الوطن الذي لا يموت

بوابة الوفد الإلكترونية


الكوفية ليست "موضة عابرة".. والاحتلال يلاحقني بسببها وينتزعها مني قسرا
الدولة التي لا يؤثر فيها نص شاعرها عليها أن تراجع نفسها
شباب فلسطين تابعوا المونديال واحتفلوا بفوز مصر والمغرب 
7 أكتوبر استعادة لكبريائنا السليب.. وخطابات "أبو عبيدة" كانت تمنحنا الأمل 
عندما يمتزج الحبر بالدم.. حنان عواد في حضرة الذاكرة والوطن

مصر دولة الحضور العربي والفكري وصوت الصاعدين إلى المجد
لا قيمة لمبدعٍ ينفصل عن نضال الحرية أطالب المبدعين بتخليد ٧ أكتوبر في عمل درامي
أبو عمار قال لي بعد أوسلو: بَلّغي شعبي.. لو استطعتُ تحرير شبرٍ واحد فقط فلن أتأخر
محمود درويش كان يغلي غضبا من أوسلو.. وإدوارد سعيد صرخ في وجه الجميع بكتابه "غزة أولا"
صرختُ في وجه 500 مفكر عالمي: "فلسطين هي العنوان".. فضجت القاعة بالتصفيق
كلفني عرفات بمخاطبة رؤساء العالم تحت الحصار.. فكانت أدبيات الشعر هي الدبلوماسية الأقوى
أمام هول الإبادة وتواطؤ العالم.. تعبتُ من المراثي وصرتُ أمزق أوراقي وأشعاري بمرارة

يظل الأمل في الشعوب وتضامن أحرار العالم
المأساة الحية ودماء غزة على الشاشات تُرجمت للعالم أسرع من أدب محفوظ ودرويش

 

د. حنان عواد
د. حنان عواد

حين جلست إليها، أدركت أن الزمن لابد أن يتوقف قليلًا، ويتخلى الحبر عن حياده البارد فيصير دمًا نابضًا، وحنينًا مُحملًا برائحة الزعتر والبارود وحجر الصبر المقدسي.
ليست د.حنان عواد مجرد شاعرة تطل من شرفة عاجية لتكتب عن الجرح، بل هي الوطن نفسه حين يتجسد في أنثى من نور ونار. هي سرية النضال وجرأة الكلمة، تلك المقدسية التي نبتت في أرض المدينة العتيقة، وتشربت طفولتها على إيقاع أمجاد العرب، لتمزج بين رفعة الفكر الأكاديمي ووعورة المواجهة في الميدان، وصرخة القصيدة بصهيل البندقية.

ولدت الدكتورة حنان في قلب القدس الشريف، لعائلة عريقة. فتح لها والدها أبواب المعرفة، فتجلت موهبتها التي قادتها لترتحل بين أعرق صروح العلم في العالم؛ فحصلت على الدبلوم العالي من جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، ودرجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة ماكجيل في مونتريال بكندا. لكن هذا التحصيل الأكاديمي لم يكن بالنسبة لها سوى جبهة أخرى لخدمة قضيتها؛ فعادت إلى ثرى الوطن لتكون عضواً مؤسساً لجامعة القدس، وأستاذة في جامعة بيرزيت، ومربية لأجيالٍ تعلمت على يديها كيف يصير الحبر طريقًا للحرية.

 

لم تكن الدكتورة حنان عواد يوما شاعرة تعيش في برج عاجي، بل اختارت "عشق الخطر" واحتضنتها القيادة التاريخية للثورة الفلسطينية، فكانت الابنة المقربة والمستشارة الثقافية للزعيم الخالد ياسر عرفات والقائد الشهيد أبو جهاد، وحملت صوت فلسطين إلى كل المؤتمرات والمحافل الدولية. قادت اتحاد الكتاب والصحفيين في الأرض المحتلة، وترأست فرع فلسطين للرابطة الدولية للقلم (PEN)، وفرع حركة الشعر العالمية، ومثّلت منظمة المرأة العالمية للسلام والحرية، لتكون بحق "سفيرة الانتفاضة" ولسانها الجهوري، ونصبت كسفيرة للسلام عام 2023.
بين دواوينها الصريحة: "من دمي أكتب"، و"اخترت الخطر"، ومؤلفاتها المرجعية: "حوار الأسلاك الشائكة"، و"في البدء أنت فلسطين"، و"ذاكرة الترف النرجسي"، كتبت حنان عواد سيرة وطنٍ يرفض الانكسار. 
وفي هذا الحوار الممتد والإنساني، نفتح معها أوراق الذاكرة والواقع؛ لنستمع إلى الكلمة حين تصبح بندقية، وإلى الشاعرة حين تجعل من قلبها خريطة للنضال.

** كُرمتِ في مصر بوصفك "قامة جمعت بين الكلمة والبندقية"، هل ما زالت الثقافة العربية تؤمن بأن الكلمة سلاح، وهل الشعر جسر بين الشعوب أم شاهد على الوجع؟
_ أعتز وأفخر بهذا التكريم الصادر عن قامات أدبية وإبداعية وازنة في مصر الشقيقة؛ هذه الدولة العظيمة التي تربينا فيها على الفكر القومي العروبي، وصاغت فينا منذ طفولتنا الإرادة التاريخية التي تجمعنا،  مصر دولة الحضور العربي والفكري، وهي صوت الصاعدين إلى المجد، لا زالت ترن في أذني مقدمة صوت العرب "أمجاد يا عرب أمجاد"، ولحن "الله أكبر فوق كيد المعتدي". مصر بالنسبة لي هي صوت مفكريها العظام الذين تتلمذنا على أيديهم جميعاً.
بالنسبة لي، الكلمة هي رسالة الحرية والكفاح الأولى، ومن رحمها انطلق "أدب المقاومة" ليكون علامة فارقة وشاهداً حياً على تضحيات شعبنا في الوطن والمنفى. ورغم الحرب الشعواء التي تشنها قوى الاستعمار اليوم لخلق حالة انكسار عربي وتمرير قوى التخاذل، أؤكد أن المقاومة ستظل الصورة الرمزية والواقعية لشعب أبى أن ينحني، وستظل الكلمة سلاحاً وفكرة خالدة في عيون الشعراء ونصوصهم الملتزمة.
والشعر كان ولا يزال جسراً بين الشعوب منذ عهود الملاحم؛ وفي ظل حرب الإبادة والتطهير العرقي التي نعيشها اليوم، استبسلت قصيدتنا لتكون فدائياً وشاهداً يفكك بشاعة الاحتلال وصمت العالم. وقد لمستُ قدرة الشعر الجبارة حين أقمنا المؤتمر العالمي للشعر النضالي في فنزويلا (بإشراف حركة الشعر العالمية)، حيث سجلنا حضور أكثر من ألف شاعر وسياسي التفوا جميعاً حول مظلومية وصمود الشعب الفلسطيني.


* في ديوانك "من دمي أكتب"، جعلتِ من الجسد مساحة للكتابة والوطن. هل ما زال الدم هو الحبر الوحيد المتاح للشاعرة الفلسطينية؟
_ كان ديواني "من دمي أكتب" هو البداية؛ كتبتُ مقطوعاته ونشرتها بجريدة الشعب المقدسية، ولكن طالتها رقابة المحتل وحذفت منها، فقررتُ نشره كاملاً.
حين كتبته لم أكن أقصد الدم المادي المراق فقط، بل دم التجربة الحية والإشراق المقاوم. كتبتُ وأنا أستحضر الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود الذي قدم حياته فداءً، وأدب السجون المولود من وراء قضبان الحصار، وصولاً إلى شهداء غزة اليوم من كُتاب وإعلاميين ومبدعين. لغات المقاومة لدينا اتسعت لترسم شعر الانتفاضة بالحجر والمقلاع والالتحام التام بالأرض. الكلمة عندي وعند كل كاتب ملتزم هي المعادل الموضوعي للبندقية حمايةً للفكرة الفلسطينية، وكما قال شاعرنا الكبير محمود درويش: "ما أعظم الفكرة وما أصغر الدولة".


* ديوانك "اخترت الخطر" يحمل عنواناً يوحي بالمجازفة. ما هو الخطر الذي يتهدد الشاعرة الفلسطينية اليوم؟
_ هذا الديوان يحمل دلالته المباشرة في المجازفة والتحدي؛ فالخطر الحقيقي والداعم للوجع هو خطر الاحتلال اليومي بالإبعاد، الاعتقال، هدم البيوت، ومصادرة الكلمة. لقد اخترت في قصائدي كسر الصمت والوقوف إلى جانب الفدائي بعشق لا ينكسر عهده.
ومن نصوص هذا الديوان أذكر: عذبوني/رسموا فوق جدار الصمت موتي/ مزقوا أوتار صوتي/حاصروني/ لم أعد أدرك أن البيت بيتي/لم أعد أدرك أن الموت موتي.

 

* تُوصفين دائما بـ "الأديبة المناضلة"، هل الصفة الثانية تخدم الأولى أم تأسرها داخل قالب سياسي؟
_ أن تكون أديبا مناضلا يعني أن تفرش عبير الكلمات الجادة في ساحات المعركة الثقافية والسياسية. الكلمة تعادل البندقية، والنضال لا يأسر الفن بل يمنحه روح القسم والتثوير، كما نراه في تجارب قامات إبداعية عظيمة مثل سميح القاسم، رياض عواد، محمود درويش، معين بسيسو، توفيق زياد.

د. حنان عواد مع الرئيس الراحل ياسر عرفات
د. حنان عواد مع الرئيس الراحل ياسر عرفات

 

* الرئيس الراحل ياسر عرفات حين كلفك بحمل صوت الوطن في المحافل الدولية، هل كان يرى في الشاعرة بديلًا للدبلوماسي، وماذا قدمت القصيدة هناك؟
_ الرئيس الشهيد ياسر عرفات كان شعلة حضور ثقافي وسياسي، وكان يرى الكلمة المقاومة درعا وسلاحا يرافقه؛ وهو من أشاد بالمبدعين في خطابه التاريخي بالأمم المتحدة عام 1974، ولقبه محمود درويش ب "الشاعر العام".
حين كلفني أبو عمار بتمثيله ومخاطبة رؤساء الدول وإدارة المؤتمرات الدولية أثناء الحصار، لم يكن يرى في ذلك بديلاً عن الدبلوماسية، بل يراها الدبلوماسية بحد ذاتها حين تُسند إلى شخصية تثري العمل السياسي بحرارة الفكر وبلاغة النص (وقد أرّختُ لهذه التجربة في كتابي "ذاكرة الترف النرجسي").
وقصيدتي لم تخسر شيئا بالمؤتمرات بل ازدادت صلابة. وأذكر أنه في احتفالية تأسيس فرع فلسطين بالرابطة الدولية للقلم بحضور 500 مفكر عالمي، استشهدت ببيت محمود درويش: "ما قيمة الإنسان بلا وطن بلا علم ودونما عنوان"، ثم وقفتُ وصرختُ في وجه الجميع: "فلسطين هي العنوان!" ، فضجت القاعة بالكامل، ووقف المفكرون والأدباء الكبار لأكثر من نصف ساعة يصفقون بحرارة لفلسطين ولرسالتها.


*هل يُقرأ الشاعر الفلسطيني بوصفه نصًّا إبداعيًّا أم قضية سياسية؟ 
_ الكلمة الملتزمة تخترق الجدران وسيف رقابة المحتل، والنص الفلسطيني يجمع بين الممكن السياسي والمطلق الإنساني.
وحين عقد اتفاق "أوسلو"، كنتُ في جلسة مع الشاعر محمود درويش وكان يغلي غضباً، وكان معنا عبر الهاتف المفكر إدوارد سعيد. مر بنا سؤالنا الحائر: "نحن نكتب قصائدنا عن فلسطين التاريخية التي لا تقبل القسمة، فكيف نصير الآن أمام ممكن سياسي يتنافى مع رسالة المطلق؟". عشنا حالة تحير صوفية وبلاغية لا توصف.
وبعد أسبوع، دعانا الزعيم ياسر عرفات إلى عمان، وبعد الاجتماع طلب مني أبو عمار المكوث معه، وسألني بوضوح: "حنان! هل لديك شك بأنني يمكن أن أتخلى عن شعبي؟"، فأجبته: "لو لم تكن حضرتك في هذا الاتفاق حتما لن يمر، ولكننا ندرك أنك حامل الأمانة وأن هذا أقصى ما يقدمه الممكن السياسي لنيل حقنا". فتبسم وقال لي: "حينما تعودين إلى رام الله، بلغي شعبي أن أبا عمار إذا استطاع أن يحرر شبرا واحدا فقط، فإنه لن يتأخر عن ذلك". نقلتُ الرسالة لمحمود وإدوارد وفهمنا المغزى الشامل لموقفه الوطني، ورغم ذلك كتب إدوارد سعيد نقده الحاد في كتابه "غزة أولاً".


* هل ترين أن النقد العربي قد ساند غزة أم خذلها؟

_ احتضن النقاد الكبار أدب المقاومة كرجاء النقاش وحسين مروة، ولكن بعضهم بالغ في احتضان نصوص ضعيفة لم تصل للمستوى، مما دفع محمود درويش ليقول مقولته الشهيرة: "أنقذونا من هذا الحب القاسي!". السياسة والثقافة لا ينفصلان، وخلال حصار رام الله جاءنا كبار كتاب نوبل كـ "ساراماجو" و"سوينكا" وقرأوا بيانهم التضامني للعالم تحت الرصاص.


* باتت الكوفية الفلسطينية حاضرة في المحافل التكريمية، ألا تخشون أن تتحول من موقف نضالي إلى "موضة"؟
_ الكوفية ليست موضة عابرة؛ إنها نص الروح وعلامتنا النضالية الفارقة التي كرسها الزعيم الخالد ياسر عرفات رمزا للكفاح العالمي. لقد ارتبطت بها ولا تفارق كتفي أبدا، منذ رأيت أبا عمار يرتديها، حتى باتت سمة لي أُلاحق بسببها من سلطات الاحتلال وتُنتزع مني قسرا وأعيدها. أذكر أنني عند عودتي يوما من السفر وكان الحر شديدا وضعتها بالحقيبة، فاستقبلني العمال على الجسر بعتب تساءلوا فيه إن كنتُ غيرت موقفي، ولما أخرجتها عادت الفرحة لعيونهم!
وفي أحد لقاءاتي مع أبي عمار أنشدته:
كوفيةٌ سمراءُ ضمّخها الفدى .. مالت إليك بشوقها المتجددِ
جدّد عهود المجد خيرَ مجددِ .. ودع المواجعَ في يراعٍ أسودِ
فالكوفية في حرب غزة تجلت رمزا جامعا لكل أطياف شعبنا وأحرار العالم، وستظل خيوطها المنسوجة بدم الشهداء وثيقة وجودٍ ونصرٍ خالدة.

د. حنان عواد أثناء تكريمها من رئيس فنزويلا
د. حنان عواد أثناء تكريمها من رئيس فنزويلا


* انتفاضة 7 أكتوبر في غزة قلبت الموازين. كيف قرأتِ لحظة الانفجار تلك كشاعرة، وهل فرضت لغة سياسية جديدة؟
_ ما أجمل تلك اللحظات التي فوجئنا بها، وشعرنا بكبريائنا يرتقي؛ لقد جاءت لتكون امتدادا لحركتنا النضالية منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية العملاقة. استرسل قلمي يومياً لسرد وقائع هذا الحدث الهام عبر مقالات وقصائد تليق بعظمة الفعل المقاوم، لكن يجب أن تتجمع الأقلام لتسجل تلك الملحمة وهو عمل استحقاقي يجب أن يبادر به المبدعون، وعمل دراما رفيعة المستوى تجسد الحدث.
منذ احتلال أرضنا ونحن نعيش مواقف جهادية، ولكن هذه المرة كانت مختلفة؛ انطلقت روح أحرار العالم داعمة للحق الفلسطيني، واستشرس العدو بإرهاب منظم لا مثيل له، فدمر غزة بعماراتها وجامعاتها ومساجدها ومتاحفها، وسالت أنهار الدم والقوى العالمية تتفرج. كان خطاب الشهيد "أبو عبيدة" يمنحنا الأمل، بينما المقاومة ظلت وحدها في الميدان تعيش صمتاً عربياً مريراً.
فرض هذا الحدث لغة سياسية متجددة خارج الحدود. لكننا كُتاباً ونقاداً نعيش تساؤلاً مريراً أمام هذه الإبادة: ماذا نفعل؟ تعبنا من المراثي واحتُرقنا بنيران لم تبقِ على أحد، أمام انقطاع الماء والدواء وقصف المستشفيات؛ أي كلمات يمكنها تصوير هذا البلاء؟ أحيانا حين أشعر بالخذلان الشديد، أمزق أوراقي وأشعاري وأسأل: ما قيمة البيانات والصواريخ تفجر كل أصناف الحياة؟ ورغم ذلك تظل المقاومة شرفاً، والاستسلام خذلان، وسيظل قلمي السيف المسلول ضد الظلم، متسلحةً بكلمات الرئيس الشهيد ياسر عرفات: "ترونها بعيدة وأراها قريبة.. أرى ضوءا في آخر النفق".
ومن القصائد التي كتبتها ونشرتها لغزة: تقدمي.. هذا دمي/تقدمي.. تجلدي.. لن تُهزمي/هذا دمي.. تقدمي.. تقدمي.. لن تُهزمي/عمي صباحا واسلمي.

* في غزة اليوم البندقية في يد المقاومة، هل ما زالت "الكلمة" حرة لتختلف مع البندقية، أم على الشاعر أن يختار بين الصمت أو المديح؟
_ المقاومة في غزة تضم كتائب من فصائل متعددة تقاوم وتستشهد. والكلمة كانت ولا زالت حرة؛ كُتبت قصائد تشيد بالصمود، وكُتبت مقالات تنقد وتراقب بموضوعية، وليس على الشاعر أن يختار بين الصمت أو المديح الزائف، بل عليه أن يواكب المأساة بصدق.
فظاعة الإجرام الصهيوني فاقت كل وصف شعر أو نثر، والواجب اليوم يتطلب مبادرة المبدعين لصياغة ملحمة إبداعية كبرى وأفلام وثائقية تخلد بطولات طوفان الأقصى وتكشف بشاعة المحتل. حمى الله غزة وشعبها البطل.
 

*من يترجمنا إلى العالم بصدق: مبدعونا أم مآسينا؟
_ ترجمة الكتب لكتابنا كدرويش ومحفوظ ضرورية لبناء صورتنا الحضارية. لكن "المأساة الحية" باتت اليوم هي المترجم الأسرع والأشد تأثيراً، ففي حرب الإبادة بغزة، نقلت الفضائيات مشاهد القتل والدمار المباشرة والصور الصادمة، فشكلت هذه المشاهد "ترجمة عملية شعبية" عبرت إلى أرواح الشعوب بسرعة، فحركت قلوبهم ومواقفهم بصورة تفوق أي كتاب مترجم.


*الوعي العربي الراهن، هل يحمل فلسطين كـ "قضية مركزية" أم كـ "حدث عابر" يخبو بعد الأزمات؟
_ كانت فلسطين مركز الوعي القومي ومحور المؤتمرات والاحتضان الشعبي والعسكري في مصر ولبنان والأردن وتونس والكويت، حتى عندما انطلقت ثورة إيران قدمت لأبي عمار مفاتيح السفارة، لكن اليوم، في طوفان الأقصى وحرب الإبادة، صُدمنا بمواقف رسمية لم ترتقِ لمستوى الدم المسفوك، ورأينا تسارعاً للهرولة نحو التطبيع وتقديم أموال لترمب ومحاصرة غزة. أتساءل بأسى: هل غدا القرار العربي مصلوباً على مشانق الخوف؟ الموقف الشعبي العربي لا زال حراً ومسانداً رغم المنع، وقد تجلى في الملاعب والميادين. بالمقابل، سجل أحرار العالم مواقف تاريخية كما فعل أنطونيو غوتيريش، ورئيس كولومبيا بطل الدفاع عن الحق الفلسطيني، ودول جنوب إفريقيا وإسبانيا، فالدولة التي لا يؤثر فيها نص شاعرها، عليها أن تراجع نفسها، والشاعر الذي يتوارى عن الموقف الصريح في زمن الإبادة عليه أن يحاسب ضميره الوطني؛ فالقوة للحق التاريخي الذي لا يسقط بالتقادم، لكن يظل أملنا بشعوبنا، وتضامن أحرار العالم وصمود الشعب الفلسطيني.


* شباب فلسطين الآن، أين بوصلته: في الشعر أم في منصات التواصل الاجتماعي؟
_ شباب فلسطين هم صورة حقيقية للوعي والنضال؛ ومتابعتهم لوسائل التواصل لم تبعدهم عن الميدان. رأيناهم شهداء وصحفيين وأكاديميين وأسرى يسطرون أروع معالم الصمود، ويبدعون في كتابة أدب السجون الذي ينال أعلى الجوائز العالمية. وحتى في أعتى لحظات الألم في غزة، رأينا الشباب يجتمعون لمتابعة مباريات المونديال والاحتفال بفوز مصر والمغرب وإشعال الشموع، ليؤكدوا بعفويةٍ وبسالة إعادة صعود الروح والعروبة الجامعة. الشباب بحاجة إلى قائد ميداني ورعاية رسمية ليظل يمينهم معقوداً على القصيدة والسلاح معاً.

هكذا، من زوايا القدس العتيقة إلى المنصات الدولية، تظل حنان عواد حارسة للذاكرة الوطنية، ترتدي كوفيتها بتمرد وكبرياء، وتردد في وجه الظلم العالمي أن الحق الفلسطيني لا يزول بالتقادم ولا يخبو بالخذلان، لنغادر هذا الحوار وفي أذهاننا نداؤها وهي تؤكد للجيل الجديد أن الكلمة الملتزمة هي حصننا الأخير، وأن المقاومة - فكرا وموقفا وسلاحا - هي خيار الأحرار الخالد، لتظل الرؤية حاضرة كلما أنشدت بصوتها النابع من نور القدس: "نموت لا نموت.. يموت المستحيل!"
 

د. حنان عواد أثناء حوارها للوفد
د. حنان عواد أثناء حوارها للوفد